القاهرة تعيد رسم تحالفاتها.. وإسرائيل تخشى فقدان مصر التي عرفتها

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

"لقد تغيرت مصر جذريا، والإسرائيليون غافلون عن ذلك، حصلت حماس على اتفاق حصانة، وقطر تنعم بنفوذ أكبر، والصين تحل محل الولايات المتحدة، والسيسي يتصالح مع خصمه أردوغان، ويدعم إيران، ويوسع الجيش بشكل كبير".

بهذه العبارة، عبرت الباحثة في معهد "مسغاف" العبري، روث واسرمان لاندا، عن رؤيتها لمصر المتغيرة، في مقال وصفته وكالة أنباء القدس بأنه "صرخة تحذير حقيقية"، من دبلوماسية إسرائيلية سبق أن شغلت منصب نائبة السفير لدى القاهرة.

"تغلغل هادئ"

وأكدت لاندا أن "معاهدة السلام مع مصر تكتسب أهمية بالغة بالنسبة إلى إسرائيل، فمرور عقود من دون حرب، حتى في غياب التطبيع، ليس إنجازا بسيطا في هذه المنطقة".

ومع ذلك، لا سيما في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تساءلت الخبيرة في شؤون العالم العربي: “هل مصر اليوم هي نفسها مصر التي وقعت معها إسرائيل معاهدة السلام؟”

وأشارت إلى أن "استقبال الرئيس الصيني ورئيس الوزراء القطري أخيرا في عاصمة النيل" يعكس رغبة النظام المصري في تنويع مصادر دخله، بالتزامن مع إبدائه استعدادا لإفساح المجال أمام قوى خارجية تسعى إلى تعزيز نفوذها داخل مصر.

واستطردت: “لسنوات طويلة، كانت قطر تمثّل بالنسبة إلى (نظام) مصر خطا أحمر واضحا، نظرا إلى أن الإمارة وفّرت ملاذا لقادة جماعة الإخوان المسلمين التي يعاديها النظام المصري، كما دأبت عبر شبكة الجزيرة على انتقاد الحكم المصري”.

واستدركت: “لكن قطر تحظى أخيرا بانفتاح متزايد من جانب القيادة المصرية؛ إذ تناولت مباحثات رئيس الوزراء القطري في القاهرة سبل توسيع الاستثمارات القطرية في مصر، بما في ذلك في مجالات البنية التحتية”.

وعقّبت الكاتبة: "الثمن الذي ستدفعه مصر واضح للجميع، فتعزيز الحضور القطري داخل البلاد يعني اتجاها نحو إسلام أكثر محافظة، ومن المهم والضروري أن تدرك إسرائيل تداعيات ذلك".

ولا يتوقف الأمر عند قطر فقط؛ إذ ترى الدبلوماسية السابقة أن ما وصفته بـ"التغلغل الهادئ" لكل من تركيا والصين في مصر "مستمر منذ سنوات".

ووفق تقديرها، "يهدف هذا التغلغل من الدول الثلاث إلى تعويض دور السعودية والإمارات اللتين قدّمتا تقليديا دعما اقتصاديا لمصر قبل أن تتراجعا عن ذلك".

وإضافة إلى ذلك، "يهدف الاعتماد العسكري على الشركاء الجدد إلى تنويع مصادر الإمداد، انطلاقًا من تصور مفاده أن الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها ليس مستقرا بما يكفي".

ومن هنا، تفسر "لماذا أيد الموقف الرسمي المصري الجمهورية في إيران خلال الحرب التي استمرت 12 يوما بين إسرائيل وإيران في يونيو/ حزيران 2025".

وبحسب وجهة نظرها، كان من المفترض أن يثير موقف القاهرة القلق لدى صناع القرار في إسرائيل؛ إذ أبدت مصر التي اتسم موقفها على مدى عقود بالشكّ تجاه إيران، تضامنًا لافتًا مع النظام الإيراني.

أما تركيا، فذكرت لاندا أن "العداء الشخصي المستمر منذ سنوات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي، تلاشى وكأنه لم يكن". مشيرة إلى أن الفترة الأخيرة شهدت، للمرة الأولى منذ سنوات، تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وتركيا.

أربعة محاور

علاوة على ذلك، هدفت الزيارة رفيعة المستوى للرئيس الصيني، من بين أمور أخرى، إلى إيصال رسالة للولايات المتحدة مفادها أن لدى القاهرة بدائل ممكنة.

كما تتوافق العلاقات المصرية الصينية مع سياسة "الحزام والطريق" الصينية التي تقوم على أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية تمنح بكين موطئ قدم ونفوذًا لدى صناع القرار في تلك الدول.

وبناء على ذلك، خلصت الدبلوماسية الإسرائيلية إلى أن "مصر تنتهج سياسة تقوم على الجمع بين الخيارين"، وينطبق الأمر نفسه على تعاملها مع حماس.

وأردفت: "فمصر تدرك أكثر من أي طرف آخر طبيعة حركة حماس، ولذلك أبرمت معها تحالفا غير رسمي قبل السابع من أكتوبر، طلبت بموجبه من حماس عدم التعاون مع جهات مسلحة إسلامية داخل الأراضي المصرية".

وترى الكاتبة أنه "من الصعب استيعاب كل ذلك بعد أكثر من أربعة عقود على توقيع معاهدة السلام بين البلدين"، وذهبت إلى القول بأن "القيادة المصرية تنظر إلى إسرائيل، في ظل قيادتها الحالية، بوصفها عدوا".

وفي الجزء الأخير من مقالها، تحدثت لاندا عما يمكن لإسرائيل فعله لمواجهة هذا الوضع، قائلة: "يسود اعتقاد بأن من مصلحة إسرائيل الانخراط المستمر في مواجهات عسكرية مع مختلف التهديدات".

وفي الوقت نفسه، "تدرّب مصر عشرات الآلاف من أفراد الشرطة الفلسطينية على أراضيها، بهدف استخدامهم قوة للشرطة في اليوم التالي في قطاع غزة"، وهو ما عدّته "انتهاكا صارخا للاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل مع السلطة الفلسطينية في أوسلو".

وتعتقد الدبلوماسية السابقة أن "الرغبة المصرية في إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي قطاع غزة والضفة الغربية تستند إلى سعيها فصل نفسها عن الكيان الفلسطيني"، بما يقلل احتمال انتقال القضية الفلسطينية إلى الأراضي المصرية.

وبناء على ذلك، وانطلاقا من إدراك أن النظام المصري نفسه يواجه "ضغوطا معقدة"، ترى الكاتبة أنه "ينبغي لإسرائيل أن تركز على أربعة محاور رئيسة".

أولا، "إنشاء قناة اتصال سياسية شخصية ومفتوحة مع السيسي نفسه ودائرة محدودة من المقربين منه، بهدف إدارة الأزمات والفرص في الوقت الفعلي".

ثانيا، "ينبغي لإسرائيل الاستعداد لمختلف الاحتمالات العسكرية في ضوء التوسع العسكري غير المبرر، على الجانب المصري من الحدود المشتركة".

أما المحور الثالث، فيتمثل في "إدارة أوراق الضغط المرتبطة بالطاقة بصورة مدروسة وإستراتيجية، في ظل حاجة مصر الحيوية إلى الغاز".

وأخيرا، دعت الكاتبة إلى "مطالبة مصر بالعمل على وقف التحريض المتواصل ضد إسرائيل واليهود داخل البلاد، وضمان تنفيذ ذلك بالاستفادة من أوراق الضغط المتاحة، إلى جانب الاستعانة بالولايات المتحدة".

محور موازن

في السياق ذاته، تناول مقال الخبيرة والمحللة الإستراتيجية الجيوسياسية الإسرائيلية، أنات هوشبرغ-ماروم، تحركات مصر الإقليمية، مشيرة إلى أن "مصر السيسي تقرأ الخريطة بشكل صحيح وتتحرك بشكل جيد بين القوى العالمية".

مع ذلك، أشارت الكاتبة إلى أن "هذا السلوك يزيد أيضا من مساحة المخاطر الإستراتيجية التي تواجهها مصر كدولة فقيرة تعتمد على المساعدات الخارجية".

وترى أن المنافسة بين القوى العالمية الكبرى، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند، على النفوذ والحضور في مصر، تنضم إليها قوى إقليمية مثل تركيا وإيران، بالإضافة إلى دول الخليج بقيادة السعودية والإمارات التي تضخ استثمارات كبيرة في البلاد.

وأفادت بأن “مصر تستغل موقعها الجيوستراتيجي على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر وسيطرتها على قناة السويس، وهي ممر تجاري حيوي يمر عبره نحو 12 بالمئة من حركة التجارة البحرية العالمية”.

علاوة على ذلك، "لم تعد القاهرة تكتفي بترسيخ موقعها بوصفها لاعبا رئيسا في القرن الإفريقي وجسرا للبنية التحتية والطاقة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، بل تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها محورا إقليميا موازنا".

وترى الكاتبة أن "حكومة السيسي تنتهج حاليا سياسة خارجية متعددة الأبعاد وأكثر حزما، تتيح لها المناورة بمهارة في عالم متعدد الأقطاب بين مجموعة واسعة من القوى الإقليمية والعالمية، من دون الالتزام بتحالف عسكري ملزم أو الانحياز بشكل كامل إلى أي من الأطراف".

ومن منظور أوسع، تقدر أنه "كلما تراجع الحضور الأميركي في المنطقة، كثفت القوى الأخرى مساعيها للتقرب من القاهرة".

واستشهدت على ذلك بالصين "التي تتجاوز استثماراتها في مصر 10 مليارات دولار؛ إذ تعمق حضورها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وترسخ مع مصر شراكة تكنولوجية وصناعية في مجالات الذكاء الاصطناعي والـG5 ومراكز البيانات، في إطار مبادرة الحزام والطريق".

أما روسيا، فأشارت إلى أنها "وقعت اتفاقا لإنشاء محطة للطاقة النووية في مصر بتكلفة تقارب 30 مليار دولار"، فيما تعزز الهند علاقاتها الإستراتيجية في مجالات تكنولوجيا المعلومات والأدوية والشركات الناشئة، وتزيد استثماراتها في الطاقة المتجددة.

وفي الوقت نفسه، تواصل مصر الحصول على مساعدات أمنية أميركية سنوية بقيمة 1.3 مليار دولار، إلى جانب التعاون في مجال الطاقة وضمانات من صندوق النقد الدولي.

وعليه، خلصت الكاتبة إلى أن القاهرة "تحاول الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف؛ ففي هذه المرحلة التي تتسم بحالة من عدم اليقين العالمي، تحول حكومة السيسي التنافس بين القوى الكبرى إلى أداة لتحقيق النمو وتعزيز النفوذ الإستراتيجي".

حبل مشدود

"لكن وراء واجهة محور التوازن والسياسة المصرية الجريئة، تكمن حقيقة جيوسياسية هشة". قالت الكاتبة.

وتابعت: "فالتضخم المرتفع الذي بلغ 14.9 بالمئة، والانخفاض الحادّ في قيمة الجنيه المصري إلى نحو 51 جنيها للدولار، والنقص الحاد في العملات الأجنبية، إلى جانب الدين الخارجي الثقيل الذي بلغ 164.8 مليار دولار في يونيو/ حزيران 2026؛ كلها عوامل تجعل القاهرة تعتمد بشكل شبه كامل على تدفقات رأس المال الخارجية".

وفضلا عن ذلك، تواجه مصر عجزا مستمرا في الطاقة، وتراجعا في الإنتاج المحلي، وأحمالا كبيرة على شبكة الكهرباء خلال موجات الحر، ما يدفع القاهرة إلى مزيد من الاعتماد على التمويل الخارجي وصفقات الطاقة طويلة الأجل.

كما انتقلت صناديق الثروة الخليجية من تقديم مساعدات طارئة إلى الاستحواذ المباشر على حصص في أصول إستراتيجية، من بينها 18 بالمئة من أسهم البنك التجاري الدولي (CIB)، إلى جانب أصول في قطاعي العقارات والسياحة.

وفي الوقت نفسه، تعتقد الكاتبة أن "التغلغل الصيني في البنية التحتية الحيوية بمنطقة قناة السويس، بما في ذلك الموانئ والمناطق الصناعية ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات العسكرية، يؤدي إلى زيادة مخاطر حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية خلال الأزمات".

ويضاف إلى ذلك خطر الانجرار إلى صراعات في القرن الإفريقي، على سبيل المثال مع السودان أو الصومال أو إثيوبيا، التي أكملت بناء سد النهضة الإثيوبي، والذي تنظر إليه القاهرة بوصفه تهديدا إستراتيجيا.

"كما أن محاولة موازنة العلاقات في الوقت نفسه بين مجموعة من الأطراف ذات المصالح المتعارضة تزيد بشكل كبير من هامش المخاطر التي تواجهها مصر"، وفق تحليلها.

ومن ثم، ترى أنه "في عالم يتزايد فيه الانقسام وتتضح فيه الاستقطابات العالمية، فإن المناورة بين واشنطن وبكين وموسكو ونيودلهي ليست مجرد ورقة قوة، بل تمثل تحركا محفوفا بالمخاطر أشبه بالسير على حبل مشدود".

وفي هذا السياق، توقعت أنه "كلما تحولت مصر إلى ساحة للتنافس العالمي، زادت مخاطر انجرارها إلى صراعات إقليمية لم تخترها، بدءا من تصعيد المواجهة مع إيران، مرورا بالحرب في غزة، وصولا إلى التوتر مع إثيوبيا".

ولم يختلف تقييم روث واسرمان لاندا عما ذهبت إليه هوشبرغ-ماروم؛ إذ ترى النائبة السابقة للسفير الإسرائيلي في القاهرة أن هناك "مخاوف من انتفاضة داخلية بمصر".

وعزت ذلك إلى "الوضع الاقتصادي الصعب، وارتفاع معدلات الأمية، وندرة فرص العمل أمام الشباب، وغياب محركات نمو كبيرة"، مقدرة أن أي تدهور اقتصادي من شأنه زيادة الضغوط على المواطن العادي، بما يعزز المخاوف من عدم الاستقرار الداخلي.

نقطة ضعف

في المحصلة، ترى هوشبرغ-ماروم أن "الجمع بين أزمة اقتصادية حادة، وانكشاف جغرافي بالغ الأهمية في قناة السويس وبالقرب من مضيق هرمز، وموقع مصر في قلب التنافس بين القوى الكبرى، يخلق فرصا اقتصادية، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر إستراتيجية جسيمة تهدّد الاستقرار الإقليمي والأمن القومي لإسرائيل وأمن إمدادات الطاقة عالميا".

وتبرز هذه المخاطر، بحسب تقديرها، في مجالات التوسع العسكري والأمن البحري ونقل التقنيات الحساسة، بدءا من أنظمة الدفاع الجوي وصولا إلى تقنيات الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي.

"وبالنسبة إلى إسرائيل، التي تضعها صفقة الغاز المبرمة مع مصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040 في موقع مورّد رئيس للطاقة إلى مصر، وتمنحها نفوذا على استقرار قطاع الكهرباء المصري، فإن هذه العلاقة تمثل ورقة نفوذ سياسية واقتصادية وطاقوية بالغة الأهمية"، قالت هوشبرغ-ماروم.

في المقابل، ذكرت أن "إسرائيل تعتمد على مصر بوصفها سوقا رئيسة لتصدير الغاز ومحورا لإسالته وتحويله إلى غاز طبيعي مسال".

ومن هنا، حذرت هوشبرغ-ماروم من أن وقف تصدير الغاز، كما حدث على خلفية المواجهة مع إيران، قد يؤدي إلى زعزعة الشراكة في مجال الطاقة وحالة الاعتماد المتبادل بين البلدين، بحيث تتحول هذه العلاقة إلى نقطة ضعف في أوقات الأزمات.

ونتيجة لذلك، قد يتسارع دخول الصين وروسيا وتركيا إلى البنية التحتية للطاقة في مصر.

وبناء على ذلك، شددت الكاتبة على أنه "يتعين على إسرائيل تبني نهج براغماتي واستباقي وتطوير منظومة مرونة متعددة الأبعاد وطويلة الأمد"، تشمل تنويع أسواق التصدير والبنية التحتية للطاقة، وتقليص الاعتماد على مصر، والاستثمار في بنية تحتية بديلة لإسالة الغاز، وتوسيع التعاون اللوجستي مع اليونان وقبرص.

كما دعت إلى "الاستعداد لسيناريوهات الطوارئ القصوى من خلال وضع خطط للتعامل مع توقف الإنتاج والتصدير، والحفاظ على مخزونات إستراتيجية، وتعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي والمرتبط بالطاقة".

وعزت هوشبرغ-ماروم ذلك إلى أن هذه الخطوات من شأنها أن تفتح أمام إسرائيل مجالا لتوسيع شراكاتها مع الولايات المتحدة والهند والدول الأوروبية، وترسيخ مكانتها الجيوستراتيجية بوصفها محورا رئيسا للطاقة والاقتصاد والخدمات اللوجستية في الشرق الأوسط.