بين نتنياهو و"محور مكة".. إلى أين تتجه حسابات الإمارات؟

منذ ١٥ ساعة

12

طباعة

مشاركة

في وقت تتراجع فيه مساحة المناورة أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نتيجة الضغوط الغربية المتزايدة والأزمة السياسية الداخلية في إسرائيل، بدأت الإمارات في إعادة حساباتها تجاه المشهد الإقليمي. 

ونشرت وكالة "الأناضول" التركية مقالا للكاتب نجم الدين أجار، تحدّث فيه عن التطورات الأخيرة في الموقف الإماراتي؛ حيث قال: "بينما لا تبدو الإمارات متجهة نحو التخلي عن علاقاتها مع إسرائيل، إلا أن تحركاتها الأخيرة توحي برغبة في تنويع خَياراتها وشبكة تحالفاتها، وعدم ربط مصالحها الإقليمية بمسار نتنياهو وحده".

رسالة سياسية

وأوضح الكاتب التركي أن “هذه التحولات تكتسب أهمية خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في ظل تصاعد النقاش حول مسؤولية الحكومة الإسرائيلية عن إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023”. 

وفي هذا السياق، برز تقرير لصحيفة "هآرتس"، تحدث عن تحذير إماراتي مزعوم لنتنياهو قبل الهجوم، وهي قضية تحولت من مجرد معلومة استخباراتية إلى ورقة سياسية يمكن أن تؤثر في النقاش الداخلي الإسرائيلي وفي علاقة نتنياهو بشركائه الإقليميين.

ووفق التقرير، نُقلت المعلومات إلى مكتب نتنياهو عبر قناة اتصال خاصة، كما قيل إن رئيس الإمارات محمد بن زايد نقل المعلومات نفسها إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك وليام بيرنز.

ومع ذلك، رفض نتنياهو هذه الادعاءات بشكل قاطع، وعدها "كذبة مطلقة" و"مؤامرة"، وأعلن أنه سيتخذ إجراءات قانونية ضد "هآرتس". 

لكن القضية لم تتوقف عند حدود الخلاف الإعلامي؛ إذ اتهم حزب الليكود السياسي الفلسطيني محمد دحلان، المقيم في الإمارات والمقرب من قيادتها، بالوقوف وراء تسريب المعلومات.

وأشار الكاتب إلى أن أهمية هذه النقطة تكمن في موقع دحلان داخل شبكة العلاقات الإماراتية والفلسطينية والإسرائيلية، فهو من الشخصيات التي تمتلك علاقات واسعة في المنطقة، كما أنه أحد المستشارين المقربين من القيادة الإماراتية. 

لذلك، فإن طرح احتمال أن يكون هو نشر هذه المعلومات هي رسالة سياسية غير مباشرة من أبوظبي، وذلك لفتح الباب أمام قراءة أوسع للتطورات الأخيرة في المنطقة.

ولفت الكاتب النظر إلى أن ظهور هذه المعلومات في هذا التوقيت قد لا يكون منفصلا عن الحسابات الإماراتية تجاه نتنياهو، فالإمارات لم تنفِ الرواية بشكل مباشر، بل اكتفت بالتأكيد على استمرار قنوات الاتصال، وتبادل المعلومات بين المؤسسات الإماراتية والإسرائيلية.

وهذا الموقف المحسوب يمكن قراءته كرسالة غير مباشرة إلى نتنياهو، خصوصا أن نشر التقرير جاء قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الإسرائيلية. 

فبدل أن تدخل أبوظبي في مواجهة علنية معه، يمكنها استخدام قنوات غير مباشرة لإيصال رسائل سياسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها الرسمية مع إسرائيل.

ضغوط تتزايد

وأوضح الكاتب أجار أن فهم الموقف الإماراتي تجاه نتنياهو لا يمكن أن يكون بمعزل عن التحولات الأوسع في المنطقة، فقد أدت التطورات الأمنية الأخيرة، لا سيما الحرب الأميركية والإسرائيلية مع إيران وإغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت نفطية خليجية، إلى زيادة المخاطر التي تواجه دول الخليج.

وفي مثل هذه البيئة، يصبح الاعتماد على شريك أو محور واحد أكثر صعوبة، ولذلك تبدو الإمارات معنية بالحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، لكن بالتوازي مع تطوير علاقاتها مع قوى إقليمية أخرى.

ويبرز في هذا السياق التطور المتعلق بالإفراج عن عبد الرحمن يوسف القرضاوي من السجن الإماراتي في سبتمبر/أيلول 2026، ثم توجيهه رسالة شكر إلى تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، كما أشير إلى دور وزارة الخارجية التركية والأجهزة الاستخباراتية التركية في هذه العملية، يقول أجار.

ومن الصعب عد هذا التطور منفصلا تماما عن المسار الإقليمي الأوسع، فالإمارات التي كانت خلال السنوات الماضية قريبة من إسرائيل في إطار "اتفاقيات أبراهام"، تبدو حاليا أكثر اهتماما بفتح قنوات مع تركيا والسعودية وباكستان، خصوصا في ظل ظهور ترتيبات أمنية جديدة، بينها اتفاقية "مكة الدفاعية".

ولا يعني ذلك أن أبوظبي تتجه إلى إنهاء علاقاتها مع إسرائيل، بل يشير إلى محاولة توسيع هامش الحركة الإستراتيجي، فالعلاقات مع إسرائيل يمكن أن تستمر، لكن دون أن تكون هي الخيار الوحيد في الملفات الأمنية والإقليمية.

كما أن الإعلان عن زيارة سرية لنتنياهو إلى الإمارات في مايو/أيار 2026، ثم نفي أبوظبي لها، كشف وجود تباينات بين الطرفين رغم استمرار العلاقات الرسمية.

وقال الكاتب التركي: إن الضغوط على نتنياهو تتزايد من أكثر من اتجاه واحد؛ فعلى المستوى الداخلي، تواجه حكومته مطالب بإجراء تحقيقات بشأن الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، فيما تحاول قوى المعارضة جعل المسؤولية عن تلك الإخفاقات جزءا أساسيا من المعركة الانتخابية.

بينما على المستوى الخارجي، تصاعدت الضغوط الغربية على إسرائيل، فقد أعلنت بريطانيا وعدد من الدول الغربية اتخاذ إجراءات ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الأوروبية للسياسات الإسرائيلية.

كما صدرت عن الإدارة الأميركية إشارات إلى وجود حدود أمام قدرة إسرائيل على التأثير في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

"ما بعد نتنياهو"

في هذا السياق، اكتسبت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أهمية خاصة، وذلك عندما أكد أن واشنطن لا تستطيع إخضاع سياستها في الشرق الأوسط للسياسة الإسرائيلية.

ويرى الكاتب أجار أن هذه التطورات، إلى جانب الموقف الإماراتي الحذر، تضع نتنياهو أمام بيئة سياسية أكثر تعقيدا، فالمشكلة لا تقتصر على المعارضة الداخلية، بل تمتد إلى علاقاته مع شركائه الإقليميين والدوليين.

من هذه الزاوية، يمكن تفسير ما يتم تداوله عن مرحلة "ما بعد نتنياهو"، فبعض الأطراف الغربية والإقليمية تبدو وكأنها تستعد للتعامل مع احتمال حدوث تغيير سياسي في إسرائيل، وذلك من خلال بناء قنوات وعلاقات لا تعتمد بالكامل على الحكومة الحالية.

وقال الكاتب: إن السؤال الأساسي هنا ليس ما إذا كانت الإمارات ستتخلى عن إسرائيل، وإنما كيف ستدير علاقتها بها في المرحلة المقبلة. 

وأضاف “فمن مصلحة أبوظبي الحفاظ على المكاسب الاقتصادية والأمنية التي نتجت عن علاقاتها مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تصبح مرتبطة بشكل كامل بمستقبل نتنياهو السياسي”.

واستطرد: “لهذا تبدو إستراتيجية الإمارات أقرب إلى تنويع الخيارات، فهي تحافظ على قنواتها مع إسرائيل، بينما توسع علاقاتها مع تركيا والسعودية وباكستان، وتتابع التحولات في النظام الأمني الإقليمي”.

ويمنح هذا النهج أبوظبي قدرة أكبر على التعامل مع سيناريوهات مختلفة، سواء استمر نتنياهو في السلطة أو حدث تغيير سياسي في إسرائيل، كما يسمح لها بالحفاظ على علاقاتها مع الأطراف المختلفة دون الانضمام بصورة كاملة إلى محور واحد.

في هذا الإطار، يمكن النظر إلى التقارب المحتمل مع "محور مكة" بوصفه جزءا من إعادة ترتيب أوسع للأولويات الإماراتية، فالتحديات الأمنية الجديدة في الخليج، وتغير الموقف الأميركي، والتوتر مع إيران، والتحولات في العلاقات التركية السعودية، كلها عوامل تدفع دول المنطقة إلى إعادة تقييم تحالفاتها.

خلاصة القول، يقول أجار:  إن “رسائل الإمارات الأخيرة يمكن قراءتها بوصفها جزءا من إعادة تموضع إقليمي أوسع، وليس مجرد خلاف مع نتنياهو، فالإمارات تبدو حريصة على الاستعداد لمرحلة سياسية إسرائيلية جديدة، مع الحفاظ على مصالحها القائمة وعدم الدخول في قطيعة مع إسرائيل”.