من الاندماج إلى صناعة القرار.. كيف صعد الأتراك في السياسة الألمانية؟

"عدد السكان من أصول تركية في ألمانيا نحو 2.8 مليون شخص"
لم يَعد حضور الألمان من أصول تركية في الحياة السياسية الألمانية مقتصرا على قضايا الهجرة والاندماج، بل أصبح يمتد تدريجيا إلى مجالات أكثر ارتباطا بصنع القرار، مثل الاقتصاد والمال والسياسة الخارجية والأمن وإدارة الحكومات.
ونشرت صحيفة "إندبندنت" بنسختها التركية مقالا للكاتب عثمان غازي كَانديمير، ذكر فيه أن هذا التحول يعكس تغير موقع هذه الجالية داخل المشهد السياسي الألماني؛ فقد انتقلت من كونها مجموعة مهاجرة تهتم أساسا بقضايا الاندماج إلى مكون حاضر في مختلف مستويات الحياة السياسية.
ولفت الكاتب التركي إلى أنّ عدد السكان من أصول تركية في ألمانيا نحو 2.8 مليون شخص، وقد أصبح حضورهم واضحا في البرلمان الاتحادي والبرلمانات المحلية والبلديات وقيادات الأحزاب.
ويرى أن “دخول جيم أوزدمير إلى البرلمان الاتحادي عام 1994 عن حزب الخضر قد كان إحدى المحطات المهمة في هذا المسار، ومنذ ذلك الحين، ارتفع عدد النواب من أصول تركية تدريجيا، ليصل بعد انتخابات عام 2025 إلى نحو 18-20 نائبا”.

تعدد الخيارات
وأوضح الكاتب كَانديمير أنه "مع تزايد الحضور السياسي للألمان من أصول تركية، تتغير أيضا أنماط التصويت".
وذكر أنه "كانت هناك علاقة تاريخية قوية بين هؤلاء الناخبين والحزب الاشتراكي الديمقراطي؛ إذ كان أكثر من 60 بالمئة من المواطنين من أصول تركية، ممّن حصلوا على الجنسية الألمانية يصوّتون للحزب في السابق".
واستدرك: "إلا أن هذه العلاقة تراجعت خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت أصوات الناخبين موزعة على عدد أكبر من الأحزاب".
وتشير دراسة أجرتها مؤسسة "كونراد أديناور" قبل انتخابات عام 2025 إلى حصول الحزب الاشتراكي الديمقراطي على تأييد 35 بالمئة من المشاركين من أصول تركية، مقابل 18 بالمئة لتحالف سارة فاغنكنشت، و14 بالمئة لحزب اليسار، و12 بالمئة للاتحاد المسيحي.
ومع أن حجم العينة لا يسمح بعدّ هذه الأرقام نتيجة انتخابية نهائية، إلّا أنها تعكس تراجع الهيمنة التقليدية للحزب الاشتراكي الديمقراطي وتزايد التنوع في الخيارات الحزبية.
وهذا التحول، وفق الكاتب، يرتبط بالتغيرات التي شهدتها الأجيال الجديدة؛ فالروابط التي أقامها الجيل الأول من العمال من أصول تركية مع النقابات والحزب الاشتراكي الديمقراطي لم تستمر بالشكل نفسه لدى الجيلين الثالث والرابع.
كما أسهم ارتفاع مستوى التعليم وانتشار ريادة الأعمال والعمل الحر في ظهور طبقة وسطى جديدة، وهو ما انعكس على الخيارات السياسية.
إلى جانب ذلك، أصبحت قضايا السياسة الخارجية والحرب في أوكرانيا وغزة والهجرة والقيم الثقافية عوامل مؤثرة في توجهات الناخبين، لذلك لم يعد من الممكن التعامل مع الناخبين من أصول تركية بوصفهم كتلة سياسية واحدة مرتبطة بحزب محدد.
السلوك السياسي
وقال الكاتب: إن تنوع الخيارات السياسية للألمان من أصول تركية يظهر بصورة أوضح عند مقارنة سلوكهم الانتخابي في ألمانيا وتركيا.
ففي الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التركية عام 2023، صوّت نحو 67 بالمئة من الناخبين في ألمانيا لصالح رجب طيب أردوغان، لكن المجموعة نفسها تتّجه في الانتخابات الألمانية بشكل أساسي نحو أحزاب يسار الوسط والأحزاب اليسارية.
ويعكس هذا التباين وجود اختلاف في منطق الاختيار السياسي بين الانتخابات التركية والألمانية؛ حيث يشير إلى أن الناخب من أصول تركية لا يمكن تفسيره من خلال هوية سياسية واحدة.
ورأى كَانديمير أن اختياره في الانتخابات التركية لا يعني بالضرورة نفس اختياره في الانتخابات الألمانية، وهو ما يعكس تعدد العوامل التي تؤثّر في سلوكه السياسي بحسب السياق الانتخابي.
وتؤكّد المسارات السياسية لعدد من الشخصيات من أصول تركية هذا التنوع؛ فقد بنى جيم أوزدمير مسيرته داخل حزب الخضر، وانتقل من منصب الرئيس المشترك للحزب إلى منصب وزير اتحادي.
كما ارتقت أيدان أوزوغوز، عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إلى منصب نائبة رئيس البرلمان الاتحادي.
وفي حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، تولّت سيراب غولر مهامّ على المستوى الاتحادي في مجالي السياسة الخارجية والأمن، أما داخل حزب اليسار، فقد برزت مجموعة من السياسيين الذين يولون اهتماما وثيقا بتركيا والقضية الكردية.
كما يمثّل انتقال ميليس سيكمن، بحسب تقييم الكاتب، من حزب الخضر إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي عام 2024 مثالا، يدلّ على أن السياسيين من أصول تركية لا يلتزمون بخط أيديولوجي واحد.

الحضور السياسي
وأشار كَانديمير إلى أن ازدياد حضور السياسيين من أصول تركية في السياسة الألمانية “لا يعني تلقائيا زيادة النفوذ السياسي لأنقرة”.
وأفاد بأن “بعض الشخصيات، خصوصا داخل حزب اليسار وحزب الخضر، تتبنى مواقف شديدة الانتقاد لسياسات الحكومة التركية، وتبرز القضية الكردية وحقوق الإنسان والسياسة السورية وصادرات الأسلحة بوصفها من أهمّ الملفات التي تدور حولها هذه النقاشات”.
بالإضافة إلى ذلك، نجد أن ازدواجية الجنسية تُعَدّ من العناصر المهمة في هذا التحول؛ فقد دخل إصلاح قانون الجنسية حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2024، وأصبحت ازدواجية الجنسية مبدأ عاما، كما تم تقليص المدة اللازمة للحصول على الجنسية الألمانية.
ويمكن لهذا التغيير أنّ يوسع قاعدة المشاركة السياسية للسكان من أصول تركية من خلال زيادة عدد الأشخاص الذين يمكنهم المشاركة في النظام السياسي الألماني.
ولفت كَانديمير إلى أن حصول أكثر من 22 ألف مواطن تركي على الجنسية الألمانية خلال عام 2024 يُظهر حجم هذا التحول.
ومع استمرار هذا المسار، يصبح حضور السكان من أصول تركية في الحياة السياسية الألمانية أكثر ارتباطًا بالتحولات الاجتماعية والديموغرافية داخل المجتمع الألماني نفسه.
وبذلك، لم تعد القصة السياسية للألمان من أصول تركية مجرد قصة اندماج في المجتمع الألماني، بل أصبحت جزءا من التحول الداخلي للسياسة الألمانية نفسها.
فمع ازدياد حضور السياسيين من أصول تركية في البرلمان ومختلف مستويات الحكم، لم يعد الناخبون المنتمون إلى هذه المجموعة مرتبطين بخط سياسي واحد، بل أصبحوا أكثر تنوعا من حيث اختياراتهم الحزبية والقضايا التي تؤثر في مواقفهم.
وشدّد كَانديمير على أن العلاقات بين أنقرة وبرلين “لا تتحول تلقائيا إلى قناة سياسية من خلال هذه الجالية”.
وتابع: “في السنوات المقبلة، سيكون التحدي الأساسي أمام الأحزاب الألمانية هو كيفية الاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للناخبين من أصول تركية، في ظل استمرار تنوع هذه المطالب وتغيرها بين الأجيال”.

















