سوريا تعيد بناء جيشها.. هل يقترب صدام جديد مع إسرائيل؟

تعمل حكومة الشرع على إعادة تشكيل جيش وطني
بينما تنشغل دمشق بمداواة جراح حرب أنهكت السوريين طوال 15 عاما، تنشغل الأوساط الأمنية الإسرائيلية ببناء سوريا لجيش نظامي كبير وترسانة مسلحة بعيدا عن الأضواء.
فقد زعمت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، استنادا إلى تقديرات أمنية إسرائيلية، أن الرئيس السوري، أحمد الشرع، يوجّه معظم موارد البلاد، من عائدات الضرائب إلى المساعدات الدولية، نحو بناء جيش نظامي كبير وامتلاك منظومات سلاح.
وبدل الاستثمار في البنية التحتية أو إعادة إعمار البلاد أو تحسين أوضاع مدنيين اكتووا بنار حرب امتدت 15 عاما، يركّز على ما وصفته الصحيفة الإسرائيلية بـ "النظام المتطرف" على تعزيز تسلّحه، مع العمل على إخفاء إستراتيجية توسّعه العسكري.
وأضافت أن هذا المسار يثير القلق ويدقّ نواقيس الخطر داخل مجتمع الاستخبارات.
وتعمل حكومة الشرع على إعادة تشكيل جيش وطني، إذ حلّت جيش النظام السابق وفصائل المعارضة المسلحة لدمجها في قيادة موحّدة، في بلد خرج منهكا من سنوات الحرب.
ووقّعت دمشق في مارس/آذار 2025 اتفاقا مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لدمج مؤسساتها المدنية والعسكرية في الدولة، وهي عملية استمرّت خلال عام 2026.

أهداف مفترضة
ونقلت الصحيفة عن تقديرات للجيش الإسرائيلي أن خطط الشرع العملياتية تستهدف اللحظة التي يعتقد فيها أنه سيكون قادرا على ضرب "حزب الله" في لبنان، الذي يكنّ له العداء، والمليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق.
وتعود عداوة الشرع مع "حزب الله" إلى سنوات الحرب السورية، حين قاتل الحزب اللبناني إلى جانب نظام الأسد ضد فصائل المعارضة. وكان الحزب قد خرج منهكا من مواجهة واسعة مع إسرائيل أواخر 2024، أضعفت قياداته وترسانته.
وزعمت الصحيفة أن الشرع ينتظر اللحظة المناسبة للتحرك، مستفيدا من عاملين: إحراز مزيد من التقدم في بناء قوته العسكرية، وتراجع الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، لا سيما في العراق، بما قد يحد من قدرة واشنطن على منع مثل هذه الخطوة.
وكانت إسرائيل قد شنّت، عقب سقوط الأسد مباشرة، أوسع حملة غارات لها على سوريا، دمّرت خلالها جانبا كبيرا من قدرات الجيش السوري الجوية والبحرية والصاروخية ومنظوماته للدفاع الجوي.
كما استولت على مزيد من الأراضي في الجنوب السوري خارج هضبة الجولان المحتلة، وتوغّلت في المنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ، وأكد رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، بقاء قواته في جنوب سوريا.
وواصلت غاراتها المتقطعة على مواقع عسكرية سورية طوال العامين اللذين تليا سقوط الأسد. وبذلك تعيد دمشق بناء جيش دمّرت إسرائيل معظم قدراته، على أرض تحتل إسرائيل جزءا منها.
دعم واحتواء
وذكرت الصحيفة أن دولا أوروبية، تتقدّمها ألمانيا، تقدّم مساعدات وتحتضن الرئيس السوري سعيا إلى وقف تدفّق اللاجئين وتمهيد الطريق لعودتهم إلى بلادهم.
ونقلت عن مسؤولين أمنيين أن استقرار الوضع في سوريا وخروجها من تصنيف مناطق القتال سيتيحان للحكومات الأوروبية مبررا أقوى لإعادة اللاجئين.
وتستضيف تركيا وحدها نحو 3 ملايين لاجئ سوري، بينما تحتضن ألمانيا قرابة مليون، وهو ما يجعل ملف عودتهم حاضرا بقوة في الحسابات الأوروبية، ويفسّر جانبا من الاندفاع الأوروبي نحو دمشق.
وأوردت الصحيفة أن دولا سنّية معتدلة، منها السعودية والإمارات، تعمل على مدار الساعة لتقريب الشرع إليها، وتستثمر فيه أموالا وتكرّمه؛ سعيا إلى تليين أجندته وإبعاده عن عناصر متطرفة وتعديل سياساته، رغم ماضيه الجهادي المعروف.
ورأت مصادر أمنية إسرائيلية أن العلاقات بين تركيا وسوريا "معقّدة". ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني قوله: إن "الشرع لن يسارع إلى تسليم أراضٍ لـ (الرئيس التركي، رجب طيب) أردوغان، ولن يسمح له بالضرورة بالسيطرة على قواعد عسكرية في سوريا".
وأضاف المسؤول أن “الضربة الإسرائيلية الأخيرة في سوريا ساعدت الشرع إلى حد ما”. على حد قوله.
وكانت أنقرة، الداعم الأول للسلطة السورية الجديدة، قد وقّعت مع دمشق في أغسطس/آب 2025 اتفاق تعاون عسكري يشمل التدريب وتزويد الجيش السوري بالسلاح والدعم اللوجستي، وسط مباحثات حول إقامة قواعد جوية تركية في سوريا.
وتعدّ إسرائيل إنشاء قواعد تركية أو نشر دفاعات جوية متطورة في سوريا "خطا أحمر"، وكانت قد قصفت في أبريل/نيسان 2025 قاعدتي "تي-4" وتدمر اللتين تفحّصتهما أنقرة تمهيدا لانتشار محتمل، فأخرجتهما من الخدمة.
وتابع المسؤول أن "الشرع يريد أن يبني سوريا تحت قيادته لتصبح قوة إقليمية تنظر في كل الاتجاهات، وفي اللحظة التي يقرر فيها ذلك، سيوجّه القوة العسكرية ضد إسرائيل أيضا".
وتؤكد دمشق، في المقابل، أنها لا تشكّل تهديدا لأي طرف في المنطقة، وأن أولويتها بسط سلطة الدولة وإنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وقد أدانت الغارات الإسرائيلية المتكررة بوصفها انتهاكا لسيادتها.
وكان الشرع قد مضى في مسار دبلوماسي أفضى إلى رفع عقوبات دولية وانفتاح عربي وغربي عليه، ونال ترحيبا من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
والتقى الرئيس الأميركي الشرع في الرياض في مايو/أيار 2025، معلنا رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، فيما رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته تباعا، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مئات المليارات من الدولارات لإعادة الإعمار.
فرصة ضائعة
وبحسب مصادر أمنية، أضاعت إسرائيل فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق مع الشرع حين كان لا يزال ضعيفا للغاية وحديث العهد بالمنصب.
وكان بوسعها ترسيخ وقائع على الأرض بشأن المنطقة الحدودية ووضع هضبة الجولان السوري المحتل، لكن التردد الإسرائيلي والانشغال بساحات أخرى حالا دون إحراز تقدّم.
وتحتل إسرائيل هضبة الجولان السورية منذ عام 1967، وضمّتها عام 1981 في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، ثم وسّعت سيطرتها هناك بعد سقوط الأسد.
وشهد صيف 2025 تصعيدا إسرائيليا بلغ قصف العاصمة دمشق، تزامنا مع عنف في محافظة السويداء، إذ قالت إسرائيل: إنها تتدخّل حماية للدروز.
وخلصت الصحيفة إلى أن على الجيش الإسرائيلي تكثيف جهوده الاستخباراتية بشأن الجيش السوري وعناصره وقدراته، وإعداد خطط عملياتية تحسّبا لعملية واسعة تُحبط نوايا معادية أو بناء عسكري يقوّض حرية إسرائيل في الحركة وتفوّقها.
ورأت مصادر أمنية إسرائيلية أن المواجهة المقبلة ليست سوى مسألة وقت.


















