من المناورات إلى الاقتصاد.. كيف تعيد الصين تشكيل شراكتها مع مصر والشرق الأوسط؟

"الزيارة تكشف ملامح التوجه الصيني تجاه مصر"
من بكين إلى بيشكيك وصولا إلى القاهرة، أجرى الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال الفترة من 30 أغسطس/ آب إلى 3 سبتمبر/ أيلول 2026، زيارة شملت حضور قمة منظمة شنغهاي للتعاون، إلى جانب زيارتين رسميتين إلى قيرغيزستان ومصر.
وبحسب موقع "المراقب" الصيني "لم تكن هذه الزيارة مجرد جولة دبلوماسية عادية، بل مثلت خطوة محورية في ربط "المثلث الثلاثي" الذي يضم الصين وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وتحريك هذه الرقعة بأكملها ضمن رؤية إستراتيجية متكاملة".
فضلا عن أنها "عكست بوضوح توجه الصين إلى رسم ملامح حضورها في أوراسيا بصورة استباقية في ظل التحولات التي يشهدها العالم منذ قرن، ودفع مسارات الترابط والتنمية المشتركة".
وفي هذا السياق، يرى المقال أن "زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تستحق المتابعة بصورة خاصة، نظرا إلى ما قد تكشفه من ملامح التوجه الصيني تجاه مصر والمنطقة خلال المرحلة المقبلة".
نادرة للغاية
وعزا ذلك إلى أن "زيارة شي إلى القاهرة حملت دلالتين رئيستين، في مقدمتها المناورات العسكرية المشتركة بين الصين ومصر (نسور الحضارة 2026)، التي تمثل أبعد عملية لنشر قوة عسكرية صينية متكاملة على مسافة بعيدة خلال فترة زمنية قصيرة".
وبحسب تقديره، "تختلف هذه العملية عن بعض التحركات السابقة لجيش التحرير الشعبي؛ إذ ربما كانت طائرات النقل (Y-20) قد نفذت في السابق مهام نقل أو شاركت في عمليات إغاثة، مثل التوجه إلى مدينة تونغا الواقعة جنوب المحيط الهادئ ضمن قارة أوقيانوسيا".
واستدرك: "إلا أن الحديث هنا يدور عن إيصال قوة قتالية متكاملة وجاهزة للعمليات على بعد يناهز ستة آلاف كيلومتر، بحيث تكون القوات قادرة على الانخراط الفوري في المهام القتالية بمجرد وصول القوات إلى موقعها".
وهو ما عده "يعكس قدرة الجيش الصيني، عند وقوع أزمة في منطقة بعيدة وظهور حاجة إلى تدخل عسكري، على إتمام عملية الانتشار خلال يومين فقط".
فوفقا له، "عادة ما تتطلب المناورات العسكرية فترة تحضير وحشد تسبق انطلاقها؛ إذ يستغرق وصول القوات إلى موقع المناورة واستكمال تجمعها عدة أيام، ثم تحتاج إلى مزيد من الوقت لتنسيق العمليات والتدرب المشترك وتجهيز الإمدادات، قبل أن تبدأ تدريجيا في تنفيذ المناورات وعرض قدراتها".
أما هذه المرة، فأشار إلى أن "الأمر يتعلق بانتشار بعيد المدى في حالة جاهزية قتالية؛ أي أن التدريبات العسكرية بدأت فور وصول القوات خلال يومين فقط".
وبحسب قراءته التحليلية، "أدرك الخبراء المغزى العميق لهذا التمرين فور انطلاقه في الثالث والعشرين من أغسطس/ آب، في حين غاب الأمر تماما عن تغطية وسائل الإعلام في تايوان".
واستدل على ذلك بأنه في اليوم التالي لبدء المناورات، حط رئيس أركان الجيش الفرنسي في مصر، الجنرال فابيان ماندون، بزيارة عدها "مفاجئة وغير معتادة، إذ اقتصر برنامجه والوفد المرافق له متابعة التدريبات التي تستعرض قدرة الصين على إسقاط منظومة قتالية متكاملة على مسافات بعيدة"، على حد قوله
"ومن هنا، يمكن فهم سبب شعور الدول الغربية بالقلق والحماس في الوقت نفسه إزاء هذه المناورات، إذ إن فرصة مشاهدة هذه المناورات الصينية الحية من هذا النوع نادرة للغاية"، بحسب تعبير الموقع الصيني.

غير عادية
ونوه المقال إلى أن "أهمية هذه المناورات تكمن في أنها تدشن مرحلة جديدة تماما في التعاون العسكري بين البلدين".
وعزا ذلك إلى أن "مصر التي تعد قوة إقليمية كبرى في الشرق الأوسط وغرب آسيا وشمال إفريقيا، كانت تركز شراكتها العسكرية في السابق على الولايات المتحدة، إلى جانب دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا، أما الصين فلم تكن حاضرة من قبل ضمن الحسابات الجيوسياسية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا".
وتابع: "ويرتبط ذلك أيضا بتاريخ قناة السويس، التي لم تكن الصين طرفا فاعلا فيها خلال المرحلة السابقة".
واستدرك: "لكن الوضع مختلف هذه المرة؛ فقد وصلت منظومة قتالية صينية متكاملة، وتمكنت قدرات الانتشار بعيدة المدى من الوصول إلى المنطقة، كما عرضت الصين هذه القدرات بصورة علنية أمام الجميع".
وأردف: "كما أن دمج المعدات الصينية المشاركة في المناورات مع المعدات المصرية، سواء السوفياتية أو الفرنسية، وربما الأميركية أيضا -وإن لم أكن متأكدا من مشاركة الأخيرة- أتاح لمصر فرصة مباشرة لتقييم أداء المعدات الصينية، ومنظومة القتال التي تعتمد عليها، فضلا عن مستوى تدريب الأفراد الصينيين، بوصفها الطرف الأقدر على تقييم هذه القدرات".
وانتقل المقال للحديث عن "المحطة الثانية في مسار تطور العلاقات الصينية المصرية، والمتمثلة في الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس شي جين بينغ إلى القاهرة".
وهي، وفق تحليله، "خطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المناورات العسكرية، بل يجب وضعهما في إطار إستراتيجي واحد يجلّي ملامح الرؤية الصينية الشاملة وتخطيطها المستقبلي لعلاقتها بمصر وعموم الإقليم".
وقال: "في الخطاب الجيوسياسي المتداول بشأن الشرق الأوسط، هناك مقولة مفادها إنه عندما تتراجع قوة الولايات المتحدة في المنطقة، تسارع الصين إلى ملء فراغ القوة الناجم عن ذلك".
ولفت إلى أن "بكين لا تتعمد القيام بذلك، لكن بمجرد دخولها إلى المنطقة، يتولد هذا الانطباع بصورة طبيعية لدى الأطراف الخارجية".
من هنا، شدد على أن "منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، التي ظلت تشعر بالقلق نتيجة تراجع الحضور الأميركي، تابعت عن كثب هذه المناورات العسكرية الصينية في مصر، إلى جانب زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى القاهرة".
ومن ثم، خلص إلى أن "هذه الزيارة لا تقتصر على كونها زيارة صينية عادية إلى دولة واحدة، بل ستستقطب أيضا اهتمام أكثر من 20 دولة في محيط المنطقة".

"إعلان القاهرة"
وبخلاف ما هو معروف من ملفات العلاقات المصرية الصينية، بما في ذلك الاحتفال بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتعاون الاقتصادي والتجاري، ومختلف مشروعات البناء، وتطوير العاصمة الإدارية الجديدة؛ يرى المقال أن "هناك مسألة أخرى تستحق الاهتمام".
ويقصد المقال هنا "قصر مينا، الواقع قرب أهرامات الجيزة، والذي استضاف في السابق مؤتمر القاهرة وشهد توقيع (إعلان القاهرة)، وقد اكتمل فيه أخيرا تشييد نصب تذكاري لـ(إعلان القاهرة)، ليكون معلما بارزا".
ومؤتمر القاهرة هو اجتماع عقدته الولايات المتحدة وبريطانيا والصين في القاهرة عام 1943، خلال الحرب العالمية الثانية، لبحث الحرب ضد اليابان ومستقبل منطقة شرق آسيا بعد انتهاء الحرب.
وأسفر الاجتماع عن “إعلان القاهرة” الذي حدد مبادئ الترتيبات الإقليمية بعد الحرب، وفي مقدمتها إعادة الأراضي التي استولت عليها اليابان من الصين، بما في ذلك تايوان، إلى بكين، وهو ما تستند إليه الصين في تأكيد موقفها من وضع تايوان والنظام الإقليمي في آسيا بعد الحرب.
من هنا، قدر الموقع أن "اكتمال تشييد نصب (إعلان القاهرة) يمثل رسالة واضحة إلى اليابان، مفادها أنه قبل 83 عاما، حددت الصين والولايات المتحدة وبريطانيا في هذا المكان ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب".
وأردف: "وبغض النظر عما إذا كانت واشنطن ولندن تعترفان بذلك حاليا، فإن الصين تريد تذكير اليابان بأن النظام السياسي في آسيا بعد الحرب، والترتيبات السياسية المتعلقة بطوكيو، بما في ذلك وضع السيادة الإقليمية على الأراضي، وفي مقدمتها تايوان؛ قد جرى تحديدها جميعا بوضوح في (إعلان القاهرة)".
واستطرد: "ومن ثم، ستعيد آسيا بأكملها النظر في تلك المرحلة من التاريخ، في رسالة تذكير إلى اليابان مفادها أنه إذا سعت إلى التخلص من إطار مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ورفضت الاعتذار أو إجراء مراجعة نقدية لماضيها، وأصرت على التحرر من القيود التي يفرضها عليها (إعلان القاهرة) و(ميثاق الأمم المتحدة)؛ فإن الصين ستستغل هذه المناسبة لتوجيه تحذير واضح إليها".
إعادة هيكلة
من منظور تحليلي أعمق، أشار الموقع إلى أن "الإستراتيجية الدولية تشهد حاليا عملية إعادة هيكلة واضحة، تتمثل في تفكك النظام القديم وإعادة بناء نظام جديد".
وفي هذا السياق، لفت إلى أن "الولايات المتحدة وكندا، اللتين كانتا تعدان من أقرب حلفاء الغرب، تشهد علاقاتهما توترا حادا وصل إلى حد تبادل الاتهامات والهجوم المتبادل".
وفي المقابل، أشاد بالصين مشيرا إلى أنها "من خلال منظمة شنغهاي للتعاون أو قمم مجموعة بريكس، تعمل على توحيد دول الجنوب تدريجيا ضمن إطار يقوم على تحقيق الازدهار المشترك".
وانطلاقا من ذلك، تناول المقال "التحولات التي يشهدها المشهد الإستراتيجي الدولي، بدءا من الصين مرورا بآسيا الوسطى ووصولا إلى الشرق الأوسط، بل وامتدادا إلى إفريقيا، حيث تمثل مصر نقطة محورية في الربط بين الشرق الأوسط والقارة الإفريقية".
وتساءل عما "إذا كانت عملية إعادة الهيكلة الإستراتيجية الحالية ستستمر، وما الذي يمكن أن تترتب عليها من تغيرات في المكانة الإستراتيجية الدولية للصين والولايات المتحدة".
وفي هذا الصدد، يرى الموقع أن العالم يشهد "تحولات كبرى لم يشهد مثلها منذ قرن، ومن ثم فإن المرحلة الراهنة ستشهد تحولات وانتقالات هيكلية كبيرة لم يكن من الممكن توقع كثير منها".
وبحسب وجهة نظره، "باتت هذه التحولات واضحة في أكثر من اتجاه، فمن ناحية، بدأ نظام التحالفات العسكرية الذي استمر لعقود، وكان يعد في السابق الأكثر تماسكا، يشهد حالة من التفكك، بينما بدأت دول أخرى في البحث عن بدائل جديدة".
وهنا، استدل الموقع بالمناورات الجوية المشتركة بين الصين ومصر "نسور الحضارة 2026"، لافتا إلى أن "حجم المناورات وطبيعة التدريبات التي تضمنتها كانا أمرا يصعب تصوره في الماضي، إذ رغم أن العلاقات الصينية المصرية اتسمت دائما بالاستقرار، إلا أن التعاون الثنائي في المجالات العسكرية والأمنية ظل محدودا للغاية".
واستدرك: "أما اليوم، وفي تلبية لدعوة مصرية، أرسلت الصين طائرات مقاتلة ثقيلة من طراز (J-16)، وهي مقاتلات تفوق بكثير قدرات وقوة النيران لطائرات (J-10C)".
وذلك إلى جانب "طائرات الإنذار المبكر "KJ-500"، وطائرات الحرب الإلكترونية، وطائرات التزود الوقود، لتشكل معا منظومة قتالية متكاملة حلقت إلى مصر لإجراء تدريبات عملية".
وفيما يتعلق بالموقف الفرنسي، يربط الموقع بين "الاهتمام الكبير الذي أبدته فرنسا بهذه المناورات وبين أداء مقاتلات "رافال" الفرنسية خلال المواجهة الهندية الباكستانية في عام 2025".
ووفق تحليله، "يدرك الفرنسيون الفارق في القدرات القتالية بين "J-16" الثقيلة و"J-10C" المتوسطة".
في هذا الإطار، لفت المقال إلى "تقارير أفادت بأن محاكاة القتال الجوي خلال المناورات الصينية المصرية انتهت بتفوق "جي-16" على "رافال" بنتيجة 7 مقابل 1".
ومن ثم، خلص الموقع إلى أن فرنسا "قد تخشى أن تتضرر سمعة "رافال" بصورة كبيرة، وأن يؤدي ذلك مستقبلا إلى خسارتها جزءا من سوق صادرات السلاح الضخم".
تعاون طبيعي
في السياق ذاته، كتب تشانغ تشاو جون، الأستاذ المشارك والباحث في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية (SISU) في الصين قائلا: "حظي التدريب الجوي المشترك الأخير بين الصين ومصر باهتمام عالمي لافت".
ورغم أهمية التعاون العسكري الثنائي، فإنه شدد على ضرورة "مقاربة هذا الملف بصورة موضوعية تتطلب وضعه في إطار الثقة الإستراتيجية المتبادلة الممتدة عبر الزمن، وتقاليد مصر الراسخة في تنويع شراكاتها الدفاعية، بعيدا عن أي تفسيرات متعجلة تُصنف المسألة في خانة التحالفات الجيوسياسية".
ولفت إلى أنه "بالمقارنة مع تدريب عام 2025، اتسمت التدريبات هذه المرة بطابع أكثر عملية وتكاملا، إذ أرسلت الصين مقاتلات وطائرات تزود بالوقود وطائرات متخصصة ومروحيات وغيرها من أنواع القوات".
بينما توسعت التدريبات من مواجهات جوية فردية "1 ضد 1" وثنائية "2 ضد 2" إلى تدريبات شملت عمليات فرض السيطرة الجوية، والبحث والإنقاذ القتالي، واستخدام القوات.
ويرى الكاتب أن "هذه التطورات تكشف عن ثلاثة تغيرات رئيسة؛ أولها أن الثقة العسكرية بين الصين ومصر تنتقل من تبادل الأفراد إلى التعاون العملي، وثانيها أن الهدف الأساسي لهذا التعاون يتمثل في تعزيز الثقة ورفع القدرات، وليس استهداف طرف ثالث".
وأردف: "وثالثها أن التأثير الأكبر لهذا التعاون على منظومة الأمن الإقليمي لا يتمثل في تشكيل تكتل عسكري جديد، وإنما في زيادة تعدد الأطراف المساهمة في هيكل الأمن الإقليمي".
وبالنسبة إلى الصين، يقدر أن التعاون العسكري مع مصر "يعكس تعاونا دفاعيا طبيعيا بين قوتين كبيرتين تتحملان مسؤولياتهما الدولية، بينما يسهم بالنسبة إلى القاهرة في تعزيز قدراتها العسكرية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هامش إستراتيجي أوسع للمناورة من خلال التعاون مع قوى كبرى مختلفة".
ومن ثم، يفضل الموقع "النظر إلى مناورات نسور الحضارة بوصفها ركيزة في المجال الأمني ضمن المسار المتواصل لتعميق الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر".
ورجح أنه "في حال اتجه التعاون بين البلدين مستقبلا بصورة أكبر نحو مجالات الأمن غير التقليدي، مثل مكافحة الإرهاب، والأمن البحري، والبحث والإنقاذ، وحفظ السلام، والإغاثة في حالات الكوارث، فإن إسهامه الإيجابي في استقرار المنطقة سيكون أكثر وضوحا".
على الصعيد الإقليمي، يعتقد الكاتب أن "أهمية العلاقات المصرية الصينية تجاوزت الإطار الثنائي، لتصبح نموذجا للتعاون بين الصين والعالم العربي".
فبحسبه، "أسهم استمرار الثقة السياسية والتعاون التنموي والتبادل الثقافي بين البلدين، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1956، في الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة، والتوجه نحو بناء (مجتمع ذي مستقبل مشترك في العصر الجديد)".
من هنا، أوضح الموقع أن "مصر تؤدي أيضا دورا محوريا في التعاون المؤسسي بين الصين وجامعة الدول العربية، خاصة مع وجود مقر الجامعة في القاهرة، التي شهدت عام 2004 تأسيس منتدى التعاون الصيني العربي".
ووفق الكاتب، "منذ ذلك الحين، تطور المنتدى ليضم آليات متعددة الأطراف، تشمل الاجتماعات الوزارية واجتماعات كبار المسؤولين والحوارات السياسية الإستراتيجية".
فضلا عن "تولي السفير الصيني لدى مصر مهمة الممثل المفوض لدى الجامعة العربية، وهو ما يمنح القاهرة دورا مميزا في العلاقات الصينية العربية".
أما الجانب الأبرز القابل للتطبيق في دول عربية أخرى، فيتمثل، بحسب الموقع، في "منهج (التوافق الإستراتيجي) وليس في تكرار مشروعات بعينها".
وفسر حديثه قائلا: "إذ نجحت الصين ومصر في مواءمة مبادرة "الحزام والطريق" مع "رؤية مصر 2030" والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ثم ترجمة هذا التوافق السياسي إلى مكاسب اقتصادية عبر مشروعات في الصناعة والبنية التحتية والطاقة والتصنيع والاقتصاد الرقمي".
وبحسب تقديره، "تقدم هذه التجربة نموذجا مفيدا لدول عربية تمر بمراحل تنموية مختلفة، من بينها السعودية والإمارات وسلطنة عمان والعراق".
مرحلة جديدة
في استشراف العلاقات المستقبلية بين الجانبين، يرى الكاتب أن "أهم فرص النمو في العلاقات الصينية المصرية خلال العقد المقبل لن تتركز في قطاع واحد، وإنما ستتبلور من خلال الجمع بين الإنتاجية عالية الجودة، والتحول الأخضر، والاستفادة من موقع مصر كمركز إقليمي".
الأمر الذي عده "يمثل اختلافا كبيرا عن المرحلة السابقة التي ركزت بصورة أساسية على البنية التحتية والتعاون التقليدي في مجال القدرات الإنتاجية".
وأكمل: "يأتي الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي في مقدمة المجالات الواعدة، في ظل توجه مصر نحو تطوير اقتصادها الرقمي وتحسين الحوكمة والتحول الرقمي الصناعي، مقابل امتلاك الصين منظومة متقدمة في الجيل الخامس والحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي".
ومن ثم، رجح أن "ينتقل التعاون من إنشاء مراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة إلى البحث والتطوير المشترك، وتدريب الكفاءات، وتطبيق التقنيات في الصناعة والمدن الذكية والنقل والطاقة، خاصة أن البلدين أدرجا الذكاء الاصطناعي ضمن مجالات التعاون الرئيسية".
علاوة على ذلك، "تمثل الطاقة الجديدة والصناعات الخضراء محركا محتملا للنمو، مستفيدة من موارد مصر من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وموقعها على ممر يربط أوروبا وآسيا وإفريقيا، إلى جانب قدرات الصين في تصنيع الخلايا الكهروضوئية وتخزين الطاقة والمركبات الكهربائية".
وفي الوقت ذاته، "يبرز توطين التصنيع وتطوير سلاسل التوريد باعتبارهما مجالا قادرا على تغيير طبيعة العلاقات الاقتصادية والتجارية، من خلال الانتقال إلى صناعات ذات قيمة مضافة أعلى، وزيادة المشتريات المحلية ونقل التكنولوجيا وتدريب الكفاءات".
ووفقا له، "يتيح ذلك لمصر تعزيز موقعها كقاعدة إنتاج للشركات الصينية المتجهة إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، خاصة عبر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي يمكن أن تتحول من ممر ملاحي إلى مركز متكامل للصناعة والخدمات اللوجستية والمالية والبنية التحتية الرقمية".
ويضاف إلى ذلك "التعاون في العلوم والتكنولوجيا ورأس المال البشري، عبر المختبرات المشتركة والتعليم المهني وتدريب المهندسين ودعم ابتكار الشباب وريادة الأعمال".
وفي المحصلة، يرى الكاتب أن "النموذج الجديد للعلاقات الصينية المصرية سيقوم على الجمع بين الموقع الجغرافي لمصر، والقدرات الصناعية والتكنولوجية للصين، ومواهب البلدين، بما يوسع نطاق التعاون من السوق المصرية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا والجنوب العالمي".
















