الذهب يغادر أميركا وانهيار تدريجي للدولار.. ماذا يحدث بنظام المال الدولي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في 2 سبتمبر/ أيلول 2026، كشف البنك المركزي الهولندي في بيان أنه أجرى خلال الفترة الممتدة بين مارس/ آذار وأغسطس/ آب 2026 عملية بدت في ظاهرها إجراءً اعتياديا، لكنها تحمل دلالات أوسع.

فقد خفض البنك نسبة احتياطياته من الذهب الموجودة في خزائن تابعة لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك من 31.3 بالمئة إلى 18.5 بالمئة.

ولم يجرِ نقل سوى 27 طنا من الذهب فعليا عبر المحيط الأطلسي، فيما نُقلت الكمية المتبقية البالغة 59 طنا عبر عملية استبدال محاسبية، تمثلت في بيع الذهب الموجود في نيويورك وشراء كمية مماثلة في لندن.

وترى صحيفة "ذا بيير" الصينية أن هذه العملية المالية الدقيقة تعكس تحولا أعمق في الاقتصاد السياسي الدولي، مشيرة إلى أن إعادة الدول توزيع المواقع الجغرافية لأصولها الإستراتيجية غالبا ما تكون مؤشرا على تغيرات كبيرة في بنية الائتمان الدولي وموازين القوى.

وتستند الصحيفة في تقريرها إلى أن الذهب لم يكن مجرد سلعة عبر التاريخ، بل ظل بمثابة "شاهد صامت" على تطورات النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.

وأشار التقرير إلى أنه بعد أكثر من خمسة عقود على انهيار نظام بريتون وودز، بدأت البنوك المركزية حول العالم مجددا في إجراء تعديلات واسعة على التوزيع الجغرافي لاحتياطياتها من الذهب.

ورأى أن هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها فقط بوصفها خطوة لتحسين توزيع الأصول، بل تمثل تحركا جماعيا من جانب الدول لإعادة تقييم الأسس الائتمانية للنظام النقدي الدولي.

وأضاف أن ما بدأته ألمانيا عام 2013 عبر خطة إعادة جزء من احتياطياتها الذهبية إلى البلاد، مروراً بإعلان بولندا سيادتها على احتياطياتها، وصولا إلى إعادة صربيا جزءا من احتياطياتها الذهبية بهدوء، إلى جانب إخلاء فرنسا لخزائنها في نيويورك عام 2026، يشير إلى تشكل موجة تدريجية لسحب الذهب من الولايات المتحدة، بما يعيد رسم الخريطة الجغرافية للاحتياطيات الدولية.

سيطرة سيادية

واستهلت الصحيفة تقريرها قائلة: "في إطار مفاهيم الاقتصاد السياسي الدولي التقليدي، كان إيداع احتياطيات الذهب لدى جهات أجنبية ينظر إليه بوصفه تجسيدا ماديا لـ(الثقة المؤسسية)". 

وأردفت: "فبعد الحرب العالمية الثانية، لم تضع الدول ذهبها في نيويورك انطلاقا من تقديرات الأمن المادي فحسب، بل كان ذلك أيضا بمثابة تأييد سياسي لقوة الاقتصاد الأميركي واستقرار مؤسساته والتزاماته الدولية".

وبحسبها، " شكل هذا الترتيب أحد الموروثات المادية لنظام بريتون وودز، وحتى بعد أن أغلق الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون "نافذة الذهب" عام 1971، استمر الاعتقاد الراسخ بأن "خزائن نيويورك = أمان مطلق" لما يقرب من نصف قرن".

ومع ذلك، شدد التقرير على أن "استمرار هذا الاعتقاد الراسخ يتطلب تعزيزا إيجابيا متواصلا، في حين أن انهياره قد يحتاج إلى حدث واحد يقلب المعادلة".

في هذا السياق، تنظر الصحيفة إلى الأزمة الأوكرانية عام 2022 وما رافقها من تجميد الولايات المتحدة بالتنسيق مع حلفائها أكثر من 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي الموجودة في الخارج بعدّها "نقطة تحول في حسابات الدول بشأن الاحتفاظ باحتياطياتها في الخارج".

ووفق وجهة نظرها، "كشف هذا الحدث عن فجوة بين "الملكية الاسمية" و"السيطرة الفعلية"؛ فالأصول المودعة في الولايات المتحدة قد تكون مملوكة قانونا لدولة ذات سيادة، لكن السيطرة عليها يمكن أن تنتقل بصورة مفاجئة عند اندلاع أزمة جيوسياسية".

بعبارة أخرى، "تحول النظام القائم على الدولار من كونه "مزودا للسلع العامة" إلى أداة للضغط الجيوسياسي، وهو ما هز بصورة مباشرة الأساس الذي تستند إليه شرعيته بوصفه وعاء محايدا للاحتياطيات".

وفي هذا السياق، يرى التقرير أن "خطوات هولندا وألمانيا وفرنسا وغيرها لإعادة ذهبها إلى أراضيها تمثل استجابة مؤسسية لهذا النوع من (مخاطر حفظ الأصول لدى الغير)".

وتابع: "فقد نقل البنك المركزي الفرنسي 129 طنا من الذهب إلى الداخل من خلال عملية استبدال محاسبية، وحقق من ذلك أرباحا بلغت 12.8 مليار يورو".

في الوقت ذاته، "نوه إلى أن "عملية (خفض المخاطر) هذه لا تمثل تحديا مباشرا للدولار، وإنما تعكس ما يمكن وصفه بأنه (إعادة تأكيد دفاعية للسيادة)".

وأردف: "إذ تسعى الدول إلى إعادة وضع احتياطياتها من الثروة النهائية تحت الولاية القضائية والسيطرة المادية لبلدانها، بما يقلل اعتمادها على حسن نية الأطراف الخارجية".

وأضاف أن "تصريح رئيس البنك الوطني البولندي آدم غلابينسكي بأن "الذهب يمثل رمزا لقوة الدولة وسيادتها"، إلى جانب إعلان الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، لدى تفسيره أسباب شراء الذهب، "نريد أن نحصل على الأمان في الأوقات الصعبة"، يكشفان معا عن منطق واحد".

وهو أنه "مع تزايد حالة عدم اليقين في البيئة الدولية، أصبحت السيطرة المادية مقدمة على الملكية الاسمية، فيما بدأت حدود السيادة الوطنية تمتد لتشمل التوزيع الجغرافي للأصول المالية".

ومن ثم، يقدر التقرير أن "موجة إعادة الذهب إلى الوطن تشير إلى تحول في نموذج إدارة الاحتياطيات الدولية، من إعطاء الأولوية للكفاءة إلى إعطاء الأولوية للأمان".

واستطرد: "ففي عصر العولمة المتسارعة، كان ينظر إلى حرية حركة رأس المال وتوزيعه عبر الحدود بوصفهما الخيار الأكثر كفاءة، أما في ظل تنامي التفتت الجيوسياسي حاليا، فأصبح "تحييد الأصول الاستراتيجية عن العوامل الخارجية" خيارا عقلانيا".

ومن هنا، رجح أنه "خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، سيتعمق هذا الاتجاه، مع قيام مزيد من الدول بإعادة تقييم هامش الأمان لاحتياطياتها من الذهب الموجودة في الخارج".

الأمر الذي يعتقد أنه "سيؤدي إلى مزيد من تراجع مكانة خزائن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بوصفها "الجهة المركزية" العالمية لحفظ الذهب".

تآكل مستمر

من زاوية تحليلية أوسع، أشارت الصحيفة إلى أن "فهم العلاقة بين صعود الذهب وتراجع هيمنة الدولار يتطلب النظر إلى المسألة من زاوية أوسع من مجرد القول إن الذهب يحل محل الدولار".

فبحسب سوزان سترينج، الباحثة والأكاديمية البريطانية البارزة في مجال الاقتصاد السياسي الدولي، "لا تعتمد قوة العملة المهيمنة على مدى انتشار استخدامها في التجارة والمعاملات فحسب، وإنما ترتبط أيضا بقدرة الدولة التي تقف وراءها على التأثير في مجالات أساسية مثل الأمن والإنتاج والتمويل والمعرفة".

"وعليه، فإن قوة الدولار لا تتوقف ببساطة على رغبة الدول في استخدامه من عدمها، بل تعتمد بدرجة أكبر على مدى توافر بدائل حقيقية يمكنها أن تحل محله، وعلى قدرة الدول على تحمل تكلفة الانتقال إلى هذه البدائل"، وفق الصحيفة.

من هذا المنظور، يرى التقرير أن "موجة نقل الذهب الحالية لا تمثل "إيذانا بنهاية" هيمنة الدولار، وإنما تشير إلى تسارع تراجع الثقة في هذه الهيمنة".

وعزا ذلك إلى أن "الدولار لازال يتمتع بمكانة مهيمنة في تسوية التجارة الدولية وأسواق الصرف وتسعير السلع الأساسية، كما أن اعتياد النظام المالي العالمي على استخدامه يجعل استبداله بالكامل بأي عملة أخرى أمرا غير ممكن على المدى القصير".

ومع ذلك، يشدد على أن "التغير في التوزيع الجغرافي لاحتياطيات الذهب يكشف عن بدء حدوث تحول تدريجي في الأسس التي تقوم عليها هيمنة الدولار".

وترى الصحيفة أن هناك ثلاثة أسباب وراء هذا التحول التدريجي، أولها، "تآكل الثقة في قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على استدامة أوضاعها المالية".

وأرجعت ذلك إلى "تجاوز الدين الفيدرالي الأميركي 40 تريليون دولار، فيما تخطى الإنفاق السنوي على الفوائد تريليون دولار، متجاوزا بذلك الإنفاق الدفاعي، وهو مسار مالي يضغط بصورة متزايدة على أساس مكانة الدولار كأداة لحفظ القيمة".

وتابعت: "في إطار الاقتصاد السياسي الدولي، ترتبط مكانة العملة الاحتياطية في نهاية المطاف بمدى مصداقية الوضع المالي للدولة التي تصدرها، فكلما اتسعت الفجوة بين حجم الديون وقدرة الدولة على سدادها، ارتفعت بصورة منهجية تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالأصول المقومة بالدولار، إلى جانب علاوة المخاطر المرتبطة باحتمال التعثر".

وأردفت: "وفي المقابل، يظل الذهب أصلا لا يدر عائدا، لكنه في الوقت ذاته لا يرتبط باحتمال التخلف عن السداد".

"وفي ظل زيادة البنوك المركزية حول العالم صافي مشترياتها من الذهب بأكثر من 1000 طن سنويا على مدى ثلاث سنوات متتالية بين 2022 و2024، ثم وصول صافي المشتريات إلى 863 طنا في عام 2025، فإن هذا الاتجاه يمثل عمليا "تصويت تحوطي" من جانب البنوك المركزية العالمية بشأن الثقة في الدولار"، وفق تحليل الصحيفة.

أما السبب الثاني فيعود إلى "التنويع الوقائي الناجم عن تحويل العقوبات إلى سلاح جيوسياسي".

فبحسب الصحيفة، "ترك تجميد الأصول الروسية أثرا يتجاوز الحالة الروسية نفسها، إذ أظهر للدول التي قد تجد نفسها في المستقبل في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها جيوسياسيا أن النظام القائم على الدولار يمكن، في ظروف معينة، أن يتحول من بنية تحتية اقتصادية إلى أداة لفرض العقوبات، وهو ما دفع الدول إلى تنويع احتياطياتها بصورة استباقية".

من هنا، ذكرت أنه "بوصفه أصلا محايدا لا يعتمد على الجدارة الائتمانية لأي دولة بمفردها، أصبح الذهب أحد أهم ركائز هذه الإستراتيجية".

واستطردت: "بل حتى في حال عدم وقوع أحداث جديدة تفرض عقوبات واسعة النطاق، فإن الذاكرة التي خلفتها مخاطر عام 2022 ستظل تدفع الدول إلى زيادة حصة الذهب ضمن إجمالي احتياطياتها".

وأخيرا، يعتقد التقرير أن أحد أسباب التغير في التوزيع الجغرافي لاحتياطيات الذهب هو "إعادة تعريف مفهوم الأصل الآمن".

وأوضح مقصده: "فقد ظلت سندات الخزانة الأميركية تقليديا تمثل الشكل الأهم من "الأصول الآمنة" على مستوى العالم".

واستدرك: "إلا أن ارتفاع مستويات الديون، والاستقطاب السياسي، وظهور مخاطر التخلف عن السداد بصورة متقطعة، حتى لو كان التخلف تقنيا، كلها عوامل دفعت إلى توسيع مفهوم "الأمان" من مجرد ضمان السيولة إلى ضمان السيادة".

ومن ثم، وصف التقرير موجة نقل الذهب إلى داخل الدول بـ"التطبيق العملي لإعادة تعريف مفهوم "الأصل الآمن"؛ فالأمان الحقيقي لم يعد يعني الحفاظ على قيمة الأصل في مواجهة تقلبات السوق فحسب، بل يعني أيضا أن يكون بمنأى عن التجميد أو المصادرة أو العقوبات في أسوأ السيناريوهات الجيوسياسية".

وبحسب تقديره، "من شأن هذا التحول في النظرة إلى مفهوم الأمان أن يدعم الطلب على الذهب كأصل احتياطي على المدى الطويل".

في الوقت ذاته، تؤكد الصحيفة على أن "تراجع هيمنة الدولار سيكون عملية طويلة وتدريجية تتقدم بهدوء وعلى نحو تراكمي".

فوفق تقييمها، "لن يحل الذهب محل الدولار كوسيلة للتعاملات اليومية، لكن استمرار زيادة احتياطيات الذهب وإعادة توزيعها جغرافيا يؤديان تدريجيا إلى إضعاف احتكار الدولار لمكانة الأصل الاحتياطي النهائي".

ورغم أنها تعتقد أنه "خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، لن يكون هناك تراجع حاد ومفاجئ في حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية"، لكنها رجحت "حدوث ارتفاع مطرد في حصة الذهب من إجمالي الاحتياطيات، إلى جانب استمرار الدول في التركيز على المخاطر الناجمة عن تركيز نسبة كبيرة من أصولها في الدولار".

تفكك النظام الدولي

في سياق التحولات التي يشهدها النظام الدولي، ترى "ذا بيبر" أن "النظر إلى ظاهرة إعادة توزيع الذهب على نطاق أوسع تكشف عن دلالات سياسية واقتصادية أعمق".

وفسرت حديثها: "فالنظام الدولي الحالي يمر بمرحلة انتقالية طويلة ومضطربة من الهيمنة الأحادية إلى التعددية القطبية، تتداخل خلالها حالة الجمود المؤسسي التي ورثها النظام القديم مع إعادة توزيع النفوذ والقوة في النظام الجديد".

وفي هذا الإطار، تنظر إلى إعادة توزيع احتياطيات الذهب على المستوى الجغرافي بوصفها "انعكاسا جزئيا لعملية إعادة هيكلة كاملة في القطاع المالي".

"وبما أن تخزين الدول ذهبها في نيويورك لم يكن مجرد ترتيب مالي، بل كان يعكس أيضا قبولا سياسيا بنظام دولي يتمحور حول الولايات المتحدة، فإن بدء الدول في نقل ذهبها من نيويورك بصورة منهجية يتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة، ليحمل دلالة رمزية على انفصالها عن النظام القائم"، وفق تعبيرها.

وبحسب رأيها، "تعد فرنسا من أبرز الأمثلة على ذلك، فباريس بوصفها إحدى الدول التي شاركت في تأسيس نظام بريتون وودز، لعبت لفترة طويلة دورا بارزا في انتقاد النظام القائم على الدولار، بدءا من الضغوط التي مارستها في عهد الرئيس شارل ديغول بشأن تحويل الدولارات إلى ذهب، وصولا إلى خطوتها الحالية بإخلاء خزائنها في نيويورك".

وتابعت: "ظلت سياسة فرنسا تجاه الذهب تحمل بعدا سياسيا واضحا، وبحلول مطلع عام 2026، كانت فرنسا قد أعادت كامل احتياطياتها من الذهب، البالغة 2437 طنا، إلى أراضيها، مبررة ذلك رسميا بـ(تحديث مواصفات السبائك وتحسين توزيع الأصول)".

واستدركت: "إلا أن عملية "إخراج الذهب من نيويورك" تمثل في جوهرها نوعا من "فك الارتباط الناعم" عن الهيمنة المالية الأميركية؛ فهي لا تسعى إلى تغيير قواعد النظام القائم، وإنما تقلل الاعتماد على مراكزه الأساسية من خلال نقل الأصول فعليا إلى الداخل".

وعقّب التقرير: "تعد هذه الإستراتيجية القائمة على "عدم التحدي ولكن الابتعاد" نموذجا للسلوك الذي تتبناه غالبية الدول خلال المرحلة الانتقالية نحو نظام متعدد الأقطاب".

من منظور تحليلي أوسع، ترى الصحيفة أن "التحول في التوزيع الجغرافي لاحتياطيات الذهب يتطابق إلى حد كبير مع الاتجاه نحو تفكك النظام الدولي".

وواصلت حديثها: "فقد بدأت ألمانيا وهولندا، وهما من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، إلى جانب بولندا ورومانيا في وسط وشرق أوروبا، ودول أصغر مثل صربيا، فضلا عن دول خليجية مثل السعودية والإمارات، في إعادة ترتيب مواقع احتياطياتها من الذهب".

وبحسب تقديرها، "يشير ذلك إلى أن "الابتعاد عن الولايات المتحدة" لا يمثل خيارا سياسيا خاصا بمعسكر معين، وإنما يتجه إلى أن يصبح تحولا منظما يتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية والجيوسياسية".

وأردفت: "هذا التوجه المشترك بين دول تنتمي إلى معسكرات مختلفة يكشف بدوره عن تغير في المنطق الأساسي الذي يحكم النظام الدولي".

فالدول -وفقا لها- "لم تعد تقبل بصورة غير مشروطة ترتيبات النظام الذي يتمحور حول الولايات المتحدة، وإنما باتت تختار ما يتوافق مع مصالحها من بين الخيارات المتاحة".

من هذه الزاوية، توقعت أن "يشهد دور الذهب في النظام الدولي ثلاثة تحولات رئيسة: أولها، تعزيز مكانة الذهب بوصفه مرساة غير سيادية للعملات".

وأوضحت مقصدها: "ففي المرحلة الانتقالية التي لم تنضج خلالها بعد أدوات الاحتياطي الجديدة، مثل العملات الرقمية وحقوق السحب الخاصة -وهي أصل احتياطي دولي يصدره صندوق النقد الدولي- يظل الذهب الأصل الوحيد الذي يتمتع بتاريخ طويل من الثقة يمتد لآلاف السنين، ولا يرتبط بالوضع المالي لأي دولة بعينها".

وبالتالي، توقعت أنه "مع اشتداد المنافسة بين العملات الرئيسية في نظام نقدي متعدد الأقطاب، مثل الدولار واليورو واليوان، قد يتحول الذهب إلى قاسم مشترك بين هذه الأقطاب، بما يتيح له أداء دور في التنسيق وتحقيق الاستقرار".

أما التحول الثاني، فيتمثل، وفق الصحيفة، في "تصاعد الطابع السياسي لاحتياطيات الذهب، ففي الماضي، كانت تعديلات احتياطيات الذهب ينظر إليها في الأساس بوصفها إجراءات فنية تقوم بها البنوك المركزية".

واستطردت: "أما اليوم، فقد ينظر إلى كل عملية واسعة النطاق لنقل الذهب بوصفها إشارة جيوسياسية".

واستشهدت على ذلك بـ"رفض البنك المركزي الهولندي في البداية الكشف عن تفاصيل نقل الذهب، فضلا عن الإجراءات الأمنية المشددة التي أحاطت بعملية النقل، والتي اتسمت بدرجة من السرية جعلتها أشبه بمشهد من أفلام التجسس" مشيرة إلى أن ذلك "عكس مدى تسييس عمليات نقل الذهب".

واسترسلت: "وفي المستقبل، سيصبح التوتر بين الشفافية والسرية في إدارة احتياطيات الذهب أمرا معتادا".

وأخيرا، رجحت الصحيفة أن "يتنامى دور الذهب في البنى المالية الإقليمية"، وعز ذلك إلى أنه "مع زيادة الدول لاحتياطيات الذهب الموجودة داخل أراضيها، قد تكتسب الترتيبات المالية الإقليمية المدعومة بالذهب أو المضمونة به زخما جديدا".

وأضافت أنه "على سبيل المثال، قد تحقق الترتيبات داخل منطقة اليورو بشأن احتياطيات الذهب، واستكشاف الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لمعيار المعادن، وآليات تسوية تجارة الذهب التي تدفعها بعض الدول؛ تقدما ملحوظا خلال السنوات القليلة القادمة".

متغيرات رئيسة

انطلاقا مما سبق، أشار التقرير إلى أنه "خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، ستتأثر العلاقة بين صعود الذهب وتراجع هيمنة الدولار، إلى جانب مسار تطور النظام الدولي، بعدد من المتغيرات الرئيسة التي يمكن أن تحدد اتجاه هذه التحولات".

وجاء المتغير الأول تحت عنوان "مسار تطور الأزمة المالية الأميركية"، فبحسب تقديره، "إذا واصل الدين الأميركي ارتفاعه بالوتيرة الحالية، واستمرت مدفوعات الفائدة في الضغط على قدرة الحكومة على الإنفاق، فمن المرجح أن تتزايد مخاوف الأسواق بشأن القوة الشرائية للدولار على المدى الطويل".

في هذا السياق، لفت إلى أن "من أبرز المؤشرات التي ينبغي متابعتها، مسار إعادة الوضع الطبيعي إلى الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي، والشكل الذي ستتخذه منحنى عوائد سندات الخزانة الأميركية على المدى الطويل، إلى جانب أي تعديلات تجريها وكالات التصنيف الائتماني الدولية على تقييمها للجدارة الائتمانية للولايات المتحدة".

وتوقع أنه "في حال خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أو تكررت أزمات سقف الدين، فقد تشهد مشتريات البنوك المركزية من الذهب بدافع التحوط من المخاطر ارتفاعات حادة ومتقطعة".

أما "المتغير الثاني فهو المفاجآت الجيوسياسية غير المتوقعة وتداعيات العقوبات على دول أخرى"، إذ يعتقد التقرير أنه "إذا اندلع خلال السنوات المقبلة صراع جيوسياسي كبير، وأعادت الولايات المتحدة استخدام العقوبات المالية كأداة للضغط، فقد يترتب على ذلك أثر مماثل لما حدث في الحالة الروسية، ويدفع مزيدا من الدول إلى تسريع إعادة ذهبها إلى أراضيها".

وبحسبه، "يكتسب هذا الاحتمال أهمية خاصة إذا امتدت العقوبات إلى قوى متوسطة أو دول كبرى في مجال الموارد الطبيعية داخل النظام الدولي الحالي، إذ قد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل الاحتياطيات على نطاق أوسع".

وبالنسبة إلى المتغير الثالث، فيتمثل في "العلاقة التنافسية والتكاملية بين العملات الرقمية والذهب، إذ قد يتيح تطور العملات الرقمية للبنوك المركزية خيارات جديدة لتنويع احتياطياتها".

مع ذلك، عاد التقرير ونوه إلى أن "هذه العملات تظل مرتبطة بالثقة في الدولة المصدرة وبالبنية التحتية للشبكات، كما أن موثوقيتها لم تختبر بعد في ظروف المخاطر القصوى".

ولذلك، رجح أنه "على المدى القصير أن تكون العلاقة بين العملات الرقمية والذهب أقرب إلى التكامل منها إلى الاستبدال؛ إذ تعالج العملات الرقمية مشكلة كفاءة المدفوعات، بينما يعالج الذهب مسألة الثقة النهائية في قيمة الأصول".

ويتعلق المتغير الرابع بـ"مدى استمرار اتجاه البنوك المركزية حول العالم إلى شراء الذهب".

فبحسب البيانات، "بلغ متوسط مشتريات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الفترة 2022-2025 مستويات مرتفعة تاريخيا".

ووفق تقدير الصحيفة، "سيعتمد استمرار هذا الاتجاه على تطور احتياطيات النقد الأجنبي لدى الاقتصادات الناشئة، وعلى ما إذا كانت البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة ستنضم إلى موجة شراء الذهب".

وبحسب قرأتها المستقبلية، "إذا بدأت مؤسسات مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان في زيادة حيازاتها من الذهب بصورة منتظمة، فسيشكل ذلك تحولا نوعيا في خريطة احتياطيات الذهب، من مجرد زيادة المشتريات لدى دول هامشية إلى إعادة تشكيل الاحتياطيات لدى القوى الرئيسية".

واستنادا إلى هذه المتغيرات، طرحت الصحيفة "سيناريوهين محتملين خلال السنوات المقبلة، أولهما السيناريو الأساسي، ويتمثل في إعادة تشكيل تدريجية".

وفي هذا السيناريو يفترض التقرير "تراجع حصة الدولار من الاحتياطيات الدولية ببطء، بمعدل يتراوح بين نقطة ونقطتين مئويتين سنويا، في حين ترتفع حصة الذهب بصورة مطردة".

علاوة على ذلك، "تستمر كمية الذهب الموجودة في خزائن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في الانخفاض، ولكن من دون حدوث تراجع حاد ومفاجئ".

واستطرد: "وفي الوقت ذاته، يتجه النظام الدولي نحو تعددية قطبية "من دون قوة مهيمنة"، حيث تستمر الدول في استخدام الدولار، مع زيادة حصة الذهب والعملات الأخرى في احتياطياتها".

ويرى التقرير أن "هذا السيناريو يعد الأكثر ترجيحا، لأنه يتوافق مع المسار الحالي للتحول التدريجي الذي يحدث بهدوء ومن دون تغييرات مفاجئة".

أما السيناريو الثاني فهو يفترض حدوث "تسارع مدفوع بحدث مفاجئ، إذ قد تؤدي أزمة مالية في الولايات المتحدة، أو تصاعد استخدام العقوبات المالية خلال صراع جيوسياسي كبير، أو أزمة سيولة في سوق سندات الخزانة الأميركية، إلى تسارع حاد في إعادة تشكيل احتياطيات الذهب، بما يطلق سلسلة من خطوات (الابتعاد عن الدولار)".

"وفي هذه الحالة، قد تشهد أسعار الذهب تقلبات قوية، ويدخل النظام النقدي الدولي مرحلة من الاضطراب المؤقت"، وفق وصفه.

في المحصلة، خلصت الصحيفة إلى أن "حركة الذهب بين الدول تكشف عن تحولات أعمق في النظام السياسي والاقتصادي الدولي، إذ تعكس عمليات نقل هولندا وفرنسا وألمانيا كميات كبيرة من احتياطياتها من نيويورك تآكل الثقة تدريجيا في بنية النظام الدولي القائمة على مركزية الولايات المتحدة".

وبينما يشدد التقرير على أن "هذه التحركات لا تمثل ثورة مباشرة ضد الدولار أو انهيارا مفاجئا للنظام القائم"، أكد في الوقت ذاته على أنها "تعبر عن توجه دفاعي للتحوط من المخاطر والاستعداد لنظام دولي أكثر تعددية، مع سعي الدول إلى تعزيز استقلالها وتقليل اعتمادها على المراكز المالية الأميركية".

"ومن ثم، فإن خلو بعض خزائن الذهب في نيويورك يحمل دلالة سياسية تتجاوز الفراغ المادي، إذ يعكس إعادة رسم تدريجية لخريطة الثقة والنفوذ في النظام الدولي، فيما قد تكون التحولات الكبرى التي ستترتب على هذه العملية لا تزال في بدايتها"، وفقا له.