سقوط علي الطاهر ونهاية مذكرة إسلام آباد.. معادلات الحرب في لبنان إلى أين؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لا شك أن سيطرة الكيان الإسرائيلي على مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، بعد أشهر من المعارك وبعد أقل من ثلاثة أسابيع على انتهاء سريان مذكرة تفاهم إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة، لا يمكن عدها مجرد تطور عسكري في سياق المواجهة بين الكيان المحتل وحزب الله.

فالمرتفعات التي تبعد نحو 15 كيلومترا عن الحدود الإسرائيلية، تعد من النقاط المحورية في المعادلات الأمنية لجنوب لبنان؛ إذ أفادت وكالة رويترز بأن حزب الله أنشأ أسفلها شبكة من الأنفاق ومركزا للقيادة ومستودعات للأسلحة.

وترى "وكالة مهر للأنباء" أن "الأهمية الفعلية لمرتفعات علي الطاهر تظهر بصورة أوضح عند النظر إلى مصيرها في ضوء تفاهم إسلام آباد، وهو الاتفاق الذي نصَّ في بنده الأول على وقف دائم للعمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما فيها لبنان، إلى جانب ضمان سيادته ووحدة أراضيه".

وتشير الوكالة الإيرانية إلى أنه "ما دام هذا التفاهم ساري المفعول، فإن التحركات الإسرائيلية، حتى في محيط علي الطاهر، كانت تتأثر بالتقديرات السياسية المرتبطة بالمفاوضات بين طهران وواشنطن، إلا أنه بعد سقوط الاتفاق تحوَّلت المرتفعات نفسها إلى هدف عسكري أساسي لإسرائيل".

وبحسب تقديرها، "لا يعني ذلك أن التفاهم كان سيضمن أمن المنطقة بشكل دائم، لكنَّه يوضِّح أن الاتفاق شكّل نوعا من "الدرع الدبلوماسي"، وأن انهياره أدى إلى خروج التطورات الميدانية من دائرة التأثر المباشر بمخرجات المسار الدبلوماسي".

وأضافت: "وربما يفسر ذلك سبب دعم الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله اللبناني، لمذكرة التفاهم بصورة كاملة".

ويرى التقرير أن "توقيت سقوط مرتفعات علي الطاهر يحمل دلالة لافتة؛ إذ باتت تحت السيطرة الإسرائيلية في مرحلة كان فيها تفاهم إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة، الموقع في 17 يونيو/ حزيران 2026، قد فقد تأثيره بالكامل بعد أن انتهكت واشنطن جميع بنوده، وأعيد إغلاق مضيق هرمز".

خط النهاية

أعلن الجيش الإسرائيلي في الرابع من سبتمبر/ أيلول 2026 أن قوَّاته أنهت عملياتها في مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، وأنها أخرجت عناصر حزب الله من شبكة الأنفاق الواقعة تحت هذه المنطقة. 

وفي حين تباهى وزير الدفاع الإسرائيلي بنجاح العملية وتدمير البنية التحتية للحزب هناك، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول عسكري لبناني تأكيده أن إسرائيل تسيطر على المداخل الجنوبية للمنطقة، بينما تراقب المداخل الشمالية بواسطة الطائرات المسيرة.

مشيرًا إلى أن مدى تقدم القوات الإسرائيلية في هذه المرتفعات الإستراتيجية لا يزال غير محدد بشكل مستقل بدقة.

وتبعد مرتفعات على الطاهر نحو 15 كيلومترا عن الحدود الإسرائيلية، وتقع على ارتفاع يقارب 600 متر، وهو ما يعني، وفق الوكالة، أنه موقع "يتيح لأي قوة تتمركز فيها مراقبة مساحة واسعة من جنوب لبنان".

وبناء على ذلك، رأت أنه "لا يمكن قياس أهمية علي الطاهر من خلال مساحتها وحدها، فهي تقع في نقطة تتيح من جهة الإشراف على أجزاء من جنوب لبنان، بينما تقع من جهة أخرى في عمق أكبر مقارنة بالمناطق المحاذية مباشرة للحدود الإسرائيلية".

ومن ثم، أشارت إلى أن "سيطرة إسرائيل عليها لا تعني مجرد الاستيلاء على مرتفع جغرافي، بل يمكن أن تعزز عمقها العملياتي وقدرتها على المراقبة في جنوب لبنان، وفي المقابل، تحدّ من قدرة حزب الله على استخدام هذه المنطقة بوصفها جزءا من شبكته الدفاعية وتحصيناته تحت الأرض".

"ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى التقدم الإسرائيلي في علي الطاهر ضمن إطار أوسع، يتمثل في المعركة على الجهة التي ستؤول إليها في نهاية المطاف السيطرة على عمق جنوب لبنان". قال التقرير.

وأردف: "فبالنسبة إلى إسرائيل، يعني تثبيت هذا الموقع إنشاء نقطة ارتكاز شمال نهر الليطاني والاقتراب من المناطق المحيطة بالنبطية وإقليم التفاح".

أما بالنسبة إلى حزب الله، فيعتقد أن "خسارته لعلي الطاهر تعني إضعاف منظومته الدفاعية في هذه المنطقة، فضلا عن فقدان جزء من البنية التحتية التي أنشأها على مدى سنوات".

واستطرد: "ولهذا السبب بالذات، لا يمكن فصل مصير علي الطاهر عن معركة صياغة مستقبل جنوب لبنان؛ حيث تتواصل عمليات تمشيط وهدم الأنفاق رغم المزاعم الإسرائيلية بالسيطرة العملياتية".

في سياق تحليلي أوسع، تنظر الوكالة إلى "سقوط مرتفعات علي الطاهر كحدث يجسد خط النهاية لمسار دبلوماسي عريض دشنته مذكرة إسلام آباد الموقعة في السابع عشر من يونيو/ حزيران 2026 بين إيران والولايات المتحدة".

وتابعت: "إذ لم تقتصر تلك التفاهمات على الملف النووي أو كبح المواجهة الثنائية، بل نصَّت في بندها الأول بوضوح لا لبس فيه على الوقف الفوري والدائم للعمليات الحربية في كافة الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية، مع ضمان سيادة لبنان وسلامة أراضيه".

بعبارة أخرى، "أخرجت المذكرة الملف اللبناني من دائرة الحسابات الضيقة بين إسرائيل وحزب الله ليصبح ركنا أصيلا في هندسة استقرار أوسع تقوده واشنطن وطهران، الأمر الذي فرض قيودا سياسية وإستراتيجية مشددة على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب وربط مصير الميدان بمدى صمود ذلك الإطار الدبلوماسي".

’’الردع الدبلوماسي’’

في هذا الإطار، أشارت الوكالة الفارسية إلى ما ذكره "معهد دراسة الحرب الأميركي (ISW)" و"مشروع التهديدات الحرجة (CTP)"، في الأيام التي أعقبت توقيع التفاهم؛ إذ أوضحت تقارير المعهدين أن "إيران استخدمت البند الأول من التفاهم للضغط على الولايات المتحدة، بهدف دفع واشنطن إلى مطالبة إسرائيل بوقف عملياتها ضد حزب الله والانسحاب من جنوب لبنان".

وعقّبت الوكالة: "كشف التطورات العسكرية الأخيرة في جنوب لبنان عن ارتباط التحركات الإسرائيلية، خلال فترة من الوقت، بمسار المفاوضات بين طهران وواشنطن".

وأضافت: "ولعل السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تمثّل أوضح مثال عملي على مفهوم "الدرع الدبلوماسي"؛ فمذكرة تفاهم إسلام آباد لم تمنح حزب الله ضمانة بعدم خسارة مواقعه مطلقا، لكنها جعلت استمرار العمليات الإسرائيلية في منطقة مثل علي الطاهر أكثر كلفة من الناحية السياسية".

بتعبير آخر، قال التقرير: "طالما استمرت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، لم يكن بوسع واشنطن تجاهل العمليات الإسرائيلية في لبنان بسهولة؛ لأن وقف الحرب في لبنان كان جزءا من التفاهم نفسه".

ومن زاوية مختلفة، أشارت الوكالة إلى ما "تناوله "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي (CSIS)" حول المسألة نفسها؛ إذ وصف وضع لبنان، في تحليل نشره بعد التوصل إلى التفاهم، بأنه يمر بمرحلة حساسة".

ورأى المركز أن "الدبلوماسية الجديدة يمكن أن تؤدي إما إلى تعميق الإخفاقات الإستراتيجية التي يعاني منها لبنان، أو أن تتيح فرصة لدفع مصالحه قدما".

وبحسب ما أوردته الوكالة الفارسية، "حدد المركز الأميركي ثلاثة ملفات رئيسة ستؤثر في مستقبل لبنان، هي انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، ووضع النشاط العسكري لحزب الله ضمن إطار سيادة الدولة".

وعلق التقرير: "من هذا المنظور، كان يمكن لتفاهم إيران والولايات المتحدة، بدلا من تحويل الحرب في لبنان إلى صراع بلا نهاية، أن يهيئ فرصة للانتقال نحو ترتيبات سياسية جديدة".

ولفت إلى أن "هذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة؛ لأن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي ليس مؤسسة إيرانية أو جهة قريبة من حزب الله".

"فعندما يجمع مثل هذا الصرح الفكري بين الانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة، ومعالجة أزمة سلاح حزب الله ضمن مسار دبلوماسي واحد، تتضح بجلاء أهمية الحفاظ على وقف إطلاق النار بالنسبة إلى لبنان". وفق الوكالة. 

ومع ذلك، نوه التقرير إلى أن "المركز لم يعد الاتفاق خاليا من العيوب؛ ففي تحليل آخر تناول فيه تفاهم إيران والولايات المتحدة نفسه، نظر إليه من زاوية المصالح الأميركية وانتقد التنازلات التي حصلت عليها طهران".

وبحسب تقدير الوكالة، "تزيد هذه النقطة من قيمة التحليل؛ لأنها تظهر أنه حتى منتقدي الاتفاق لم يتمكنوا من تجاهل أهميته بوصفه نقطة تحول دبلوماسية".

ومن ثم، خلص التقرير إلى أنه "إذا كان من المفترض أن تُحل القضايا المرتبطة بإسرائيل ولبنان وحزب الله في نهاية المطاف عبر التفاوض، فإن التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار يحظى بدعم متزامن من الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يهيئ الظروف الملائمة لإطلاق هذه المفاوضات".

من هنا، تفسر الوكالة الفارسية سبب "ترحيب نعيم قاسم -في الأيام التي أعقبت التوصل إلى التفاهم-  بإنهاء الحرب ووقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان. مشددا في الوقت نفسه على ضرورة الانسحاب الكامل لإسرائيل من الأراضي اللبنانية".

وتابعت: "غير أن موقفه اتضح بصورة أكبر بعد أيام، عندما طُرح إطار جديد بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية".

وأوضحت مقصدها: ففي 27 يونيو/ حزيران، أفادت وكالة رويترز بأن نعيم قاسم وصف الاتفاق الجديد بين لبنان وإسرائيل بأنه "باطل"، وعدّه استسلاما للمطالب الإسرائيلية".

ووفق الوكالة، "تمثلت نقطة الاختلاف الأساسية، من وجهة نظر حزب الله، في أن الإطار الجديد ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من جنوب لبنان بمسار نزع سلاح حزب الله، كما سمح لإسرائيل بالبقاء في منطقة أمنية إلى حين إحراز تقدم في عملية نزع السلاح".

وأردفت: "في المقابل، شدَّد الشيخ قاسم على ضرورة اعتماد تفاهم إيران والولايات المتحدة أساسا لإنهاء الحرب".

ومن وجهة نظر التقرير، "لا يمكن اعتبار موقف قاسم مجرد رد فعل سياسي اعتيادي؛ إذ تكمن أهميته في اختلاف نظرته إلى الإطارين المطروحين لإنهاء الحرب: تفاهم إيران والولايات المتحدة الذي نصَّ على وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات وضمان وحدة أراضي لبنان، والإطار الأميركي اللاحق للبنان وإسرائيل، الذي جعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطا بنزع سلاح حزب الله".

واستطردت: "من وجهة نظر حزب الله، كان الفارق بين الترتيبين جوهريا؛ ففي الأول، كان يتعين على إسرائيل وقف عملياتها، ثم يجري التفاوض بشأن مستقبل لبنان، بينما كان الثاني يتيح لإسرائيل مواصلة وجودها العسكري إلى أن يتم نزع سلاح حزب الله".

من هذه الزاوية، يتضح "لماذا فضل الحزب الانحياز لخيار تفاهم إسلام آباد رافضا البديل الآخر، فيما تبدو دلالة ذلك أكثر وضوحا اليوم، مع سقوط هذه المرتفعات الإستراتيجية في جنوب لبنان بالكامل".

تعثر التسوية

وتناولت الوكالة بالتفصيل المعضلة المرتبطة بالمشهد في جنوب لبنان، وقالت: "في إطار المساعي الأميركية لترسيخ وقف إطلاق النار في لبنان، جرت مفاوضات بشأن الترتيبات الأمنية في الجنوب، بما يشمل الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية ونشر الجيش اللبناني واستعادة الدولة سيطرتها على أراضيها".

"وفي هذا السياق، اقترح الرئيس اللبناني جوزيف عون انسحاب حزب الله من مرتفعات علي الطاهر وتسليمها للجيش اللبناني، وهو ما أيَّدته الولايات المتحدة ونبيه بري، لكن الحزب رفضه خشية أن يتحول إلى مقدمة للمطالبة بإخلاء مواقعه الأخرى شمال نهر الليطاني". وفقا لها.

وتابعت: "تمثلت المعضلة الأساسية في أن الإطار المدعوم أميركيا ربط إنهاء الصراع بانسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني، بينما ربطت إسرائيل انسحابها بنزع سلاح حزب الله، ما أبقاها في مواقعها العسكرية وسمح لها بمواصلة عملياتها في جنوب لبنان".

وعقّبت: "وهكذا، بدلا من أن يقود وقف إطلاق النار إلى انسحاب متبادل واستعادة الدولة اللبنانية سيادتها، تحولت المواقع التي تحتفظ بها إسرائيل إلى أدوات ضغط لإجبار حزب الله على نزع سلاحه".

من منظور تحليلي، قالت الوكالة: "تتضح أهمية التطورات الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر عند هذه النقطة تحديدا".

وفسرت حديثها: "فلو كان من المقرر أن يحل الجيش اللبناني تدريجيا محل قوات حزب الله، وفي المقابل تنسحب إسرائيل من جنوب لبنان، لكان من الممكن تحديد مصير هذه المرتفعات ضمن مسار سياسي وأمني".

واستدركت: "لكن استمرار الوجود الإسرائيلي وإبقاء المنطقة تحت السيطرة العسكرية غيرا المعادلة".

وأردفت: "فلم تعد علي الطاهر مجرد موضع خلاف بين الحكومة اللبنانية وحزب الله، بل أصبحت جزءا من نزاع أوسع حول سؤال أساسي: هل ينبغي أن تنتهي الحرب بعودة السيادة اللبنانية وانسحاب إسرائيل، أم بنزع سلاح حزب الله وبقاء القوات الإسرائيلية إلى حين تحقيق هذا الهدف؟"

واستنادا إلى أن مذكرة إسلام آباد نص في بنده الأول على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، يقدر التقرير أن "فإن دفاع حزب الله عن التفاهم لم يكن يعني بالضرورة تمسكه ببقاء قواته في علي الطاهر بصورة دائمة، وإنما كان يعني الحفاظ على إطار يوقف الحرب والعمليات العسكرية أولا، ويضع مسألة مستقبل جنوب لبنان على مسار تسوية سياسية".

وحول موقف إيران من التطورات الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر، أفادت الوكالة بأن "طهران حذرت الولايات المتحدة، في منتصف أغسطس/ آب عبر سلطنة عمان، من أنها سترد بقوة إذا شنت إسرائيل هجوما واسعا للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر".

وبحسب تقدير الوكالة، "أظهر التحذير أن طهران كانت تنظر إلى علي الطاهر بوصفها جزءا من معادلة أمنية أوسع تتجاوز الساحة اللبنانية، لا سيما أن الرسالة جاءت بالتزامن مع تراجع تأثير تفاهم إيران والولايات المتحدة، الذي أُبرم في 17 يونيو/ حزيران لمدة 60 يوما وانتهى في 17 أغسطس/ آب من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، بينما ظلت المفاوضات بين الطرفين هشة".

وتابعت: "ونتيجة لذلك، برز تناقض مهم، فقد واصلت إيران محاولة منع إسرائيل دبلوماسيا من شن هجوم واسع على علي الطاهر، لكن الإطار الدبلوماسي الذي أُنشئ في يونيو/ حزيران لممارسة هذا الضغط لم يعد قائما".

وبعبارة أخرى، "كان يمكن لتفاهم إيران والولايات المتحدة أن يؤدي دور الوسيط والإطار الناظم الأوسع، إلا أن هذا التفاهم لم يصمد، ومع انتهائه عادت مرتفعات علي الطاهر مجددا إلى واجهة المواجهة العسكرية".

استنادا إلى تلك التطورات، تساءلت الوكالة: "هل كان يمكن منع سقوط علي الطاهر لو صمد التفاهم؟"

لتجيب قائلة: "لا يمكن الجزم بأن استمرار تنفيذ تفاهم إسلام آباد كان سيحول دون تقدم إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، إذ كان من الممكن أن ينتهي الأمر، في حال استمرار التفاهم، إلى اتفاق بشأن انسحاب حزب الله من هذه المرتفعات وتسليمها إلى الجيش اللبناني".

"كما كان من الممكن أن تفضي المفاوضات إلى نتيجة مختلفة، أو أن تواصل إسرائيل محاولاتها للسيطرة عليها وتنجح في ذلك". وفق تحليلها.

واستدركت: "لكن ما يمكن استنتاجه بدرجة أكبر من اليقين استنادا إلى المعطيات المتاحة هو أن علي الطاهر كانت، ما دام التفاهم قائما، تقع ضمن بيئة سياسية مختلفة".

وأوضحت مقصدها: "إذ كانت العمليات المحيطة بالمرتفعات تتأثر بالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، كما أصبح مبدأ وقف الحرب في لبنان جزءا من الالتزامات التي تحظى بدعم واشنطن".

وبصورة أوضح، "رفع التفاهم الكلفة السياسية والدبلوماسية للسيطرة على المرتفعات، وهذا هو الفارق الذي بات أكثر وضوحا عند مقارنة الوضع في يونيو/ حزيران بما آلت إليه الأمور في سبتمبر/ أيلول".

مصلحة مشتركة

من هنا، تشدد الوكالة أن "أهمية تفاهم إيران والولايات المتحدة لم يقتصر على وقف الحرب بين البلدين، بل شكل فرصة للحيلولة دون انطلاق سلسلة من الحروب المترابطة".

وأكملت: "فبالنسبة إلى إيران، كان وقف الحرب وفتح الطريق أمام المفاوضات النهائية من شأنهما تخفيف الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب، وإتاحة المجال للتفاوض بشأن العقوبات والنفط والأصول المجمدة والملف النووي".

"أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فكان يمكن أن يوفر التفاهم مسارا للخروج من حرب إقليمية مكلفة، ونقل الخلافات مع إيران إلى طاولة المفاوضات". بحسب قرأتها.

وبالنسبة إلى لبنان، فتقدر أن "أهمية المذكرة كانت أكبر من أي طرف آخر، لأنها أتاحت، للمرة الأولى خلال هذه المرحلة من الحرب، إدراج وقف العمليات العسكرية في لبنان والحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه ضمن التزامات تحظى بدعم كل من الولايات المتحدة وإيران".

واستطردت: "وعلى مستوى دول المنطقة، كان إنهاء الحرب في لبنان يعني الحد من مخاطر امتداد الصراع، وموجات نزوح جديدة، وتفاقم حالة عدم الاستقرار الأمني".

وعليه، خلصت إلى أن مذكرة إسلام آباد كانت "تخدم مصالح إيران والمنطقة والولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، في حين كان يضر بإسرائيل؛ لأنه كان يحد، ولو جزئيا، من قدرة حكومة بنيامين نتنياهو على مواصلة آلة الحرب ضد إيران ودول المنطقة".

وأضافت أنه "مع انهيار التفاهم، عادت إسرائيل إلى سياسة الهجوم والاحتلال، بينما لا يزال لبنان وغزة وسوريا تحت النيران الإسرائيلية".

والآن، بعدما أعلنت إسرائيل سيطرتها على علي الطاهر، ترى الوكالة أن "هذه المرتفعات أصبحت بمثابة نقطة التقاء بين صورتين مختلفتين للشرق الأوسط: صورة تكون فيها الحرب والقوة العسكرية هما العامل الحاسم، وأخرى يمكن أن تحول فيها الاتفاقات متعددة الأطراف دون تحول التقدم العسكري إلى واقع سياسي".

واختتمت الوكالة تقريرها قائلة: "إن سقوط علي الطاهر لا يمثّل مجرد قصة سقوط موقع إستراتيجي، بل يجسّد لحظة انهار فيها إطار سياسي كان يهدف إلى احتواء الحرب، لتحل القوة العسكرية محله مجددا".

واستطردت: "ومع فقدان حزب الله أحد أهم موارده الإستراتيجية، تبرز تساؤلات بشأن ما إذا كان هذا الوضع سيمهد الطريق أمام مزيد من الهجمات على طهران، وما إذا كان يعني أن إيران ستفقد حليفا إستراتيجيا في الحرب، وما إذا كان سقوط هذه المرتفعات سيجعل إسرائيل أكثر جرأة على مهاجمة بيروت".