بعد اليونيفيل.. هل ينجح لبنان في بسط سيادته أم يدخل مرحلة "السيادة المدعومة"؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم تعد نهاية مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، المقررة مع انتهاء ولايتها في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026، مجرد استحقاق أممي مؤجل؛ إذ بدأت ملامح مرحلة ما بعدها تتشكل بالفعل في قرى الجنوب اللبناني، وكذلك في روما وواشنطن وباريس وبروكسل.

في هذا السياق، رأت صحيفة "لو دبلومات" الفرنسية أنه "مع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من المناطق التجريبية المنصوص عليها في الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي المبرم في 26 يونيو/حزيران 2026، يتحول رحيل قوات حفظ السلام إلى اختبار حقيقي لقدرة لبنان على استبدال الوجود الدولي بسيادة فعلية".

ساحة اختبار 

منذ عام 2006، أدت "اليونيفيل" دورا محوريا في مراقبة الوضع والوساطة والحدّ من التوتر بين لبنان وإسرائيل، عبر توثيق الانتهاكات ومواكبة الجيش اللبناني والحفاظ على قنوات الاتصال بين الجانبين.

لكنها، بحسب المقال، "لم تنجح في نزع سلاح حزب الله أو وقف العمليات الإسرائيلية، كما لم تمكن الدولة اللبنانية من بسط سيادتها الكاملة على الجنوب، بل اكتفت باحتواء جانب من الفوضى من دون معالجة جذورها".

وعليه، يرى الموقع أن "رحيلها لن يخلق فراغا لبنانيا، لكنه قد يجعل الفراغ القائم أصلا أكثر وضوحا".

أما التطور الأبرز فيعتقد أنه "في المناطق التجريبية، ففي قرى فرون وصريفا وزوطر الغربية، تجري تجربة تتجاوز في أبعادها الحدود الجغرافية لهذه القرى".

ووفقا له، "تعد حالة زوطر الغربية الأكثر حساسية؛ حيث تطرح مسألة الانسحاب الإسرائيلي وتأمين المنطقة وعودة السكان نفسها بقوة".

ومع ذلك، شدد على أن "المناطق الثلاث تشكل اختبارا واحدا لمدى قدرة الدولة على نشر الجيش اللبناني، وإحكام السيطرة على مداخل ومخارج القرى، والتحقق من خلوّها من الأسلحة غير التابعة للدولة، وإزالة الألغام، وتنظيم عودة السكان، ومنع إعادة إنشاء البنية التحتية لحزب الله".

وتابع: "وهنا، تتجاوز السيادة كونها مجرد مفهوم نظري، لتصبح ممارسة فعلية تتمثل في إدارة الحواجز وتفتيش المناطق، وحماية السكان من دون الخضوع للضغوط السياسية، ومنع المليشيات من استغلال وجود المدنيين للعودة مجددا".

وأكد المقال على أن "قضية عودة النازحين إلى منازلهم تبقى حقا مشروعا وقضية إنسانية مؤلمة، لكنها قد تتحول أيضا إلى مجال للاستغلال السياسي".

وأوضح مقصده: "فأي احتكاك مع الجيش، أو اعتراض على أحد الحواجز، أو محاولة للدخول بالقوة إلى منطقة لم تستكمل إجراءات تأمينها، يمكن استغلاله لتقويض شرعية الترتيبات الجديدة". 

في هذا السياق، نوَّه الموقع إلى أن "حزب الله لا يحتاج بالضرورة إلى مواجهة الجيش مباشرة لإحباط الاتفاق الإطاري، بل يكفيه تحويل السلطة إلى موضع إحراج اجتماعي، ثم اتهام الساعين لاستعادة السيادة بالعمالة لإسرائيل أو الغرب".

وفي المقابل، إذا نجح الجيش في حماية السكان ومنع عودة الأسلحة "غير الشرعية"، فيعتقد المقال أن هذه المناطق "قد تصبح أول ساحة اختبار لاستعادة السيادة".

"أما إذا تمّ الطعن في هذه السيادة أو التحايل عليها، فسيدل ذلك على فشل النظام حتى قبل مغادرة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة". وفق تقديره.

مسار الانتقال

أما التطور الثاني، فيتعلق -بحسب المقال- في "انتقال مركز الثقل الدبلوماسي، فقد أصبحت روما بمثابة مركز العمل الفني لترتيبات مرحلة ما بعد "اليونيفيل"؛ إذ استضافت آخر المباحثات اللبنانية الإسرائيلية، بوساطة أميركية، لتحديد تفاصيل المناطق التجريبية".

ووفق وجهة نظره، "لا يعد هذا التحول أمرا عابرا، إذ لم تعد إيطاليا مجرد دولة مساهمة رئيسة في "اليونيفيل"، بل أصبحت إحدى العواصم التي يجري فيها رسم مسار الانتقال من الوجود الدولي إلى الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني".

من جانبها، "تسعى واشنطن إلى الإشراف على تنفيذ الاتفاق الإطاري، بما يشمل إنشاء المناطق التجريبية، والانسحاب الإسرائيلي على مراحل، وانتشار الجيش اللبناني، والتحقق من خلو المناطق المعنية من أسلحة حزب الله".

وبحسب المقال، فقد "أعادت زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن هذه الآلية إلى صدارة المشهد، مؤكدة أن مرحلة ما بعد "اليونيفيل" لم تعد شأنا أوروبيا أو أمميا فقط، بل أصبحت جزءا من مسار مشترك بين أوروبا والولايات المتحدة".

في السياق ذاته، أشار الموقع إلى أن "الاتصال الهاتفي الذي جرى في 26 يوليو/ تموز 2026 بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس جوزيف عون، يعزز هذا الترابط؛ إذ تناول الرئيسان زيارة الوفد اللبناني إلى الولايات المتحدة، والوضع في الجنوب، وبدء انتشار الجيش في المناطق التجريبية، والهجمات الإسرائيلية، ومرحلة ما بعد (اليونيفيل)".

ومن ثم، يرى الموقع أن باريس "لم تعد تنظر إلى رحيل قوات حفظ السلام بوصفه ملفا منفصلا، بل تربطه مباشرة بتنفيذ الاتفاق الإطاري".

وأضاف أن فرنسا "تسعى إلى مواكبة هذه المرحلة بالتعاون مع شركائها الأوروبيين، لا سيما إيطاليا، دعما للجهود الأميركية، إلى جانب الإعداد لتحالف دولي مخصص لدعم الجيش اللبناني بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل)".

بدورها، "طرحت ألمانيا، في 17 يوليو، فكرة بحث إمكان إنشاء مهمة أو قوة على المستوى الأوروبي للحيلولة دون نشوء فراغ أمني عقب رحيل قوات حفظ السلام، من دون تقديمها بوصفها بديلا مباشرا أو آليا عن قوات حفظ السلام الأممية".

وعليه، خلص المقال إلى أن "ما يتشكل حتى الآن ليس قوة أوروبية قائمة، بل ترتيبات لا تزال في طور البناء، تقوم على نواة فرنسية إيطالية ألمانية، وإطار أوروبي، ووساطة أميركية، ومباحثات فنية في روما، ودعم للجيش اللبناني، واحتمال عقد مؤتمر دولي".

وبحسب تقديره، "قد تكون هذه الترتيبات مفيدة، لكنها لن تكتسب معناها الحقيقي إلا إذا أفضت إلى نتيجة محددة، هي أن يصبح الجيش اللبناني السلطة المسلحة الشرعية الوحيدة في الجنوب وعلى امتداد الأراضي اللبنانية".

في المقابل، حذّر المقال من خطر "تحول السيادة المدعومة خارجيا إلى وضع دائم، يقوم على تنسيق أميركي، ووجود أوروبي، ومؤتمر دولي، وجيش لبناني يتلقى الدعم لكنه يظل مقيدا، وحزب الله أضعف لكنه ما زال مسلحا، وإسرائيل منسحبة جزئيا لكنها تحتفظ بالاستعداد للتحرك من جانب واحد".

واستطرد: "وفي قلب هذه المعادلة، تبقى الدولة اللبنانية قائمة من الناحية القانونية، لكنها لا تمارس بصورة كاملة صلاحياتها السيادية ووظائفها الأساسية".

قرار داخلي

وفي خضم إعادة تشكيل هذه الترتيبات، لفت المقال إلى دور قبرص في الملف اللبناني محذرا من أن "تجاهل دورها في مرحلة ما بعد اليونيفيل، سيكون أمرا غير حكيم".

وأرجع ذلك إلى أن قبرص "بوصفها عضوا في الاتحاد الأوروبي، وقريبة من السواحل اللبنانية، وكثيرا ما اُستخدمت كمنصة لعمليات الإجلاء والدعم الإنساني؛ تقع بصورة طبيعية ضمن النطاق اللوجستي لأي ترتيبات أوروبية في شرق المتوسط".

وفي الوقت نفسه، نوّه إلى أن "وجود القاعدتين البريطانيتين في أكروتيري وديكيليا يؤكد أن الجزيرة تمثل أيضا منصة إستراتيجية للغرب".

وبحسب رأيه، "أظهرت تهديدات حزب الله لقبرص، ثم هجوم الطائرات المسيرة على قاعدة أكروتيري خلال مارس/ آذار 2026، أنها لم تعد مجرد ملاذ لوجستي".

وكانت قاعدة أكروتيري الجوية قد تعرضت في 2 مارس لهجوم بطائرة مسيرة، وأسفر الهجوم عن أضرار مادية محدودة من دون إصابات، وبينما اتهمت مصادر قبرصية حزب الله بالوقوف وراء الهجوم، لم يتبن الحزب العملية رسميا.

في هذا الإطار، يعتقد المقال أنه "إذا لم تستعد الدولة اللبنانية سلطتها، فقد تنتقل المشكلة إلى إطار إقليمي أوسع يضم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل وقبرص وإيران وحزب الله".

وانطلاقا من ذلك، شدد على أن لبنان "لا يحتاج إلى دعم خارجي فحسب، بل يحتاج قبل كل شيء إلى قرار داخلي، فبوسع الشركاء تقديم التمويل والتدريب والمشورة والمراقبة والمواكبة، لكنهم لا يستطيعون اتخاذ قرار نيابة عن بيروت بأن يكون احتكار الدولة للسلاح مسألة غير قابلة للتفاوض".

ومن هنا، أوضح أن لبنان "أمام مسارين، فإما انتقال صعب يتطلب انسحابا إسرائيليا تدريجيا، ومناطق تجريبية تخضع لسيطرة الجيش، وعودة آمنة للسكان، ونزع سلاح حزب الله تحت رقابة يمكن التحقق منها، ودعم أوروبي محدد المدة، وتنسيق أميركي يركز على التنفيذ، وصولا إلى تقليص الترتيبات الخارجية تدريجيا لصالح السلطة اللبنانية".

وتابع: "أما المسار الثاني، فيتمثل في نموذج للسيادة المدعومة خارجيا؛ حيث تحول الترتيبات الدولية دون نشوء فراغ، من دون أن تعالج جوهر المشكلة".

بعبارة أخرى، "سيكون الجيش حاضرا ميدانيا لكنه لا يملك السيطرة الكاملة، وحزب الله مقيد الحركة لكنه لا يزال مسلحا، وإسرائيل منسحبة جزئيا، لكنها لم تتخل عن منطقها الأمني".

في نهاية المطاف، شدد المقال على أن "نهاية مهمة اليونيفيل تفرض على لبنان الخروج من حالة الغموض".

وأردف: "فهي تمثل فرصة إذا تحملت الدولة مسؤوليات ظلت تؤجلها لفترة طويلة، وقد تتحول إلى تهديد إذا كشفت أن البلاد لا تزال تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لتحويل المساعدة الدولية إلى سيادة وطنية فعلية".

واختتم قائلا: "وبعد اليونيفيل، لن يكون السؤال هو ما إذا كان الشركاء الخارجيون مستعدين، بل ما إذا كان لبنان نفسه مستعدا، فالسيادة لا تفوض، ولا يمكن التفاوض بشأنها مع مليشيا، ولا يمكن إسنادها إلى تحالف خارجي، إنها تمارس أو تتلاشى".