بين حسابات الملك وغضب الشعب.. هل يبقى الأردن حليفا موثوقا لأميركا؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

خلف صورة الحليف العربي الأكثر موثوقية لواشنطن، تتكشف فجوة متزايدة بين حسابات القيادة الأردنية ومواقف الشارع الغاضب الذي يرى في الحرب على إيران معركة أميركية لحماية إسرائيل، أكثر منها دفاعا عن أمن المنطقة.

هكذا قارب الكاتب محمد أيوب، في مقال نشرته مجلة "ذا ناشيونال إنترست" الأميركية، مكانة الأردن في المنظومة الأمنية التي تقودها واشنطن في الشرق الأوسط.

ورأى أيوب -وهو أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ولاية ميشيغان- أن الهجمات الإيرانية على منشآت عسكرية أميركية في الأردن في يوليو/تموز، ثم مجددا في 30 أغسطس/آب، أكدت أن طهران تدرك نقطة ضعف في الإستراتيجية الأميركية نالت اهتماما أقل بكثير مما ناله وزن الممالك الخليجية أو إسرائيل.

وأوضح أن واشنطن لطالما عدّت الأردن أحد أكثر حلفائها العرب موثوقية، لكن الضربات سلّطت الضوء على واقع سياسي أعمق، مفاده أن أكبر تهديد لموقع الولايات المتحدة في الأردن قد لا يأتي من الصواريخ الإيرانية، بل من اتساع الهوة بين تصورات القصر وقطاعات واسعة من المجتمع بشأن الحرب على إيران.

وأضاف الباحث أن كثيرا من الأردنيين يفسّرون الهجمات الإيرانية بوصفها نتيجة حتمية لشراكة الأردن العسكرية الوثيقة مع واشنطن، مشيرا إلى أن الغضب الذي ولّدته الحرب الإسرائيلية في غزة، وتصاعد العمليات وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، ضخّم هذه المشاعر.

ولفت أيوب إلى أن ذلك وضع المملكة الهاشمية في موقف متزايد الصعوبة؛ لأن توجهها الإستراتيجي يتعارض مع الرأي العام.

"رُسمت بجرّة قلم"

وذكر الباحث أن الأردن ظل يُعدّ أحد أكبر النجاحات الدبلوماسية لواشنطن في الشرق الأوسط؛ إذ حافظ على السلام مع إسرائيل منذ عام 1967، حتى خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، ووقّع اتفاق سلام معها عام 1994.

وأوضح أيوب أن المملكة تعاونت على نطاق واسع مع الجهود الاستخباراتية الأميركية وجهود مكافحة الإرهاب، واستضافت قوات أميركية عقودا، وكانت من أكبر متلقّي المساعدات الأميركية قياسا إلى عدد السكان؛ إذ تلقّت مليارات الدولارات مساعدات عسكرية واقتصادية.

لكنه رأى أن خلف صورة الاستقرار هذه عوامل ضعف بنيوية متأصلة، موضحا أن الأردن، بخلاف مصر أو إيران أو تركيا أو حتى السعودية، لم ينشأ عن دولة تاريخية راسخة، بل تشكل في أعقاب تفكك الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.

وأضاف أيوب أن حسابات الإمبراطورية البريطانية، لا حركة وطنية متماسكة، هي التي رسمت حدود شرق الأردن، مستشهدا بمقولة ونستون تشرشل الشهيرة، وإن كان مشكوكا في صحتها، بأن إمارة شرق الأردن أُنشئت "بجرة قلم، بعد ظهر يوم أَحَد في القاهرة".

وأشار إلى أن الإمارة أعيدت تسميتها الأردن عام 1949، بعد ضم الضفة الغربية لنهر الأردن في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، مقدرا  أن هذه المقولة كثيرا ما تستخدم للتعبير عن الطابع المصطنع لنشأة الدولة.

وأوضح أيوب أن الملكية الهاشمية نفسها لم تنشأ من داخل المجتمع الأردني، فبعد أن فقدت عائلة الشريف حسين، حليف بريطانيا، السيطرة على الحجاز لصالح ابن سعود، مؤسس الدولة السعودية، في عشرينيات القرن الماضي، نصبت بريطانيا نجله عبد الله أميرا على شرق الأردن.

وأضاف الباحث أن شرق الأردن كان خاضعا للانتداب البريطاني بموجب نظام الانتداب التابع لعصبة الأمم، ولذلك لم تنشأ الأسرة الحاكمة من داخل المجتمع الأردني، بل اعتمد بقاؤها في البداية على الدعم البريطاني، ثم الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية.

ورأى أيوب أن بقاء الملكية منذ نشأتها استند إلى مزيج من الدعم الخارجي والتحالفات الداخلية التي أُديرت بعناية، وقامت أساسا على الروابط العشائرية، لا على مشاركة ديمقراطية واسعة.

وذكر أن الوقائع الديمغرافية في الأردن تفاقم هذه السمات الهيكلية، فرغم غياب أرقام دقيقة، فإن غالبية سكان الأردن من أصل فلسطيني، هُجّرت عائلاتهم خلال حربي 1948 و1967، ولكثير منهم أقارب يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وأوضح الباحث أن القضية الفلسطينية بالنسبة إلى هؤلاء الأردنيين ليست مجرد شأن يتعلق بالسياسة الخارجية، بل مسألة وطنية شخصية بعمق، ولذلك ولّد الدمار والتطهير العرقي الفعلي لغزة على يد إسرائيل منذ أكتوبر 2023 غضبا استثنائيا في المجتمع الأردني كله.

شارع غاضب

وأضاف أيوب أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، بما يفضي إلى تهجير الفلسطينيين وسقوط قتلى، عزّز هذا الغضب، إذ بات المزاج العام ينظر إلى السياسة الأميركية بوصفها لا تنفصل عن الأفعال العسكرية الإسرائيلية.

وبيّن أن المساعدات العسكرية الأميركية، والحماية الدبلوماسية لإسرائيل، والاستخدام المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن لإنقاذها من الإدانة، رسّخت تصورا بأن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية مباشرة عن معاناة الفلسطينيين.

وتابع أن كثيرا من الأردنيين ينظرون تبعا لذلك إلى المواجهة الأميركية مع إيران بوصفها صراعا يحرّكه التزام واشنطن بالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري في الشرق الأوسط، لا تهديدا حقيقيا تمثّله إيران للمنطقة.

وأوضح أيوب أن إيران تحتل موقعا معقّدا في الرأي العام الأردني، فالأردنيون لا يتوحدون قطعا على تأييد الجمهورية الإسلامية، ولا يقرّون بطموحاتها الإقليمية، لكن دعمها الثابت، خطابيا وماديا، للقضية الفلسطينية أكسبها تعاطفا كبيرا لدى شرائح من الجمهور.

ورأى أن ذلك يخلق بيئة سياسية غير مريحة للملكية؛ لأن اعتمادها الاقتصادي والأمني المستمر على واشنطن يحدّ من هامش مناورتها؛ إذ يتحمّل الملك، عبد الله الثاني، الكلفة السياسية للارتباط بالإستراتيجية الأميركية دون أن يملك قدرة تُذكر على التأثير في قرارات واشنطن.

وأضاف أن من العوامل الأخرى التي تعقّد المشهد الداخلي النفوذ الراسخ للتيارات الإسلامية، فرغم أن السلطات قيّدت كثيرا أنشطة التنظيمات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وحظرت أخيرا ذراعها السياسية "جبهة العمل الإسلامي"، حافظت الحركة تاريخيا على واحدة من أقوى الشبكات الاجتماعية والسياسية في المملكة.

وأوضح أن القمع الحكومي لم يقضِ على القواعد الاجتماعية التي تستمد منها الحركة دعمها، ولذلك ما زالت الروايات الإسلامية التي تركّز على مقاومة إسرائيل ومناهضة النفوذ الغربي تلقى صدى لدى شرائح واسعة من المجتمع.

ورأى أيوب أن هذه العوامل مجتمعة تخلق نقاط ضعف بنيوية يمكن للخصوم استغلالها، فإيران لا تحتاج إلى إسقاط الملكية الأردنية لإضعاف الموقع الأميركي الإقليمي؛ إذ يكفي أن تزيد الضغط الداخلي على عمّان بإبراز كلفة الاصطفاف مع واشنطن لتعقّد التخطيط العسكري الأميركي والدبلوماسية الإقليمية.

وختم الباحث بأن واشنطن تواجه معضلة من صنعها؛ إذ إن السياسات ذاتها التي ترسّخ العلاقة الأمنية الثنائية تقوّض في الوقت نفسه شرعية الشراكة داخليا في الأردن، مقدرا أن الضربات الإيرانية تذكير بأن الصراع بين واشنطن وطهران لا يُخاض بالسلاح وحده، بل بالروايات المتنافسة أيضا.

وأكّد أيوب أن الأردن، في هذا الصراع، هو الحلقة الأكثر هشاشة في السلسلة الأميركية بالشرق الأوسط، محذرا من أنه إذا انكسر تحت الضغط، فقد يُطلق تأثير الدومينو في أنحاء المنطقة.