انشقاقات "الدعم السريع" في السودان.. ورقة قوة للجيش أم قنبلة داخل تحالفاته؟

منذ ١١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

منذ أبريل/ نيسان 2026، انضم عشرات المقاتلين المنشقين عن مليشيات "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي"، إلى صفوف القوات المسلحة السودانية.

وترى صحيفة "لوموند" الفرنسية أنه "بينما تسهم هذه الانضمامات في إضعاف صفوف المليشيات شبه العسكرية، فإنها لا تخلو في الوقت ذاته من مخاطر قد تواجهها الخرطوم".

دور محدود

واستهلت الصحيفة تقريرها مشيرة إلى أنه "في إطار سعيه إلى استعادة مناطق من الدعم السريع، لا يعتمد الجيش السوداني على قواته فحسب، بل يعمل أيضا على تشجيع الانشقاقات داخل صفوف خصمه".

وأضافت: "مطلع أغسطس/ آب 2026، انضم 45 مقاتلا من الدعم السريع، بينهم ثلاثة من قادة القوات شبه العسكرية، إلى صفوف الجيش، مصطحبين معهم أسلحة ثقيلة وذخائر".

وبحسبها، "ينحدر هؤلاء من مدينة بارا في ولاية شمال كردفان، التي استعادت الدعم السريع السيطرة عليها أخيرا، وقد برروا انشقاقهم بما وصفوه بـ(التمييز العنصري القبلي) و(عدم صرف الرواتب)".

وتابعت: "وقبل هؤلاء، كان ثلاثة من كبار قيادات الدعم السريع قد انضموا بالفعل إلى القوات المسلحة بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان".

وأردفت: "ففي أبريل 2026، التحق النور أحمد آدم، المعروف باسم (النور قبة)، بالجيش، وقبل انشقاقه، كان يعد أحد أبرز المقربين من حميدتي".

ولفتت الصحيفة إلى أنه "بصفته قائدا للدعم السريع في شمال دارفور، شارك النور قبة في حصار مدينة الفاشر، عاصمة الولاية، ثم في الهجوم الدموي الذي شنته القوات شبه العسكرية عليها، والتي شهدت عددا لا يحصى من الفظائع".

واستطردت: "وبعد ذلك بشهر، انضم قياديان آخران من الدعم السريع إلى معسكر الخرطوم، هما الضابط بشارة الهويرة، والقائد علي رزق الله، المعروف باسم (سافانا)، الذي كان يقود العمليات في شمال كردفان، لا سيما في محيط مدينة الأبيض، حيث تتركز حاليا غالبية المعارك".

وذكرت الصحيفة أنه "بحسب عدد من الدبلوماسيين وأعضاء في صفوف الدعم السريع، جرى ترتيب انشقاقات هؤلاء القادة البارزين بمساعدة السعودية".

وأكملت: "يُعتقد أن الرياض التي تدعم الجيش السوداني، سهلت انتقالهم إلى صفوفه مقابل تعويضات مالية".

في هذا الإطار، ادعى التقرير إلى أنه "عقب وصولهم إلى الخرطوم، حصل المنشقون على سيارات فاخرة، قبل أن يظهروا أمام كاميرات التلفزيون مرتدين زي القوات المسلحة السودانية، رغم عدم تحديد دورهم الرسمي داخل الجيش".

انقسامات عشائرية

في سياق تحليلي، ترى الصحيفة أن "هذه الانشقاقات المتتالية تعكس استفادة الخرطوم من الانقسامات داخل القوات شبه العسكرية التي تهيمن عليها عائلة دقلو".

وتابعت: "إذ يسيطر حميدتي وشقيقاه (عبد الرحيم والقوني) بصورة مطلقة على الجهازين العسكري والاقتصادي للمليشيات، وهو ما يثير توترات حادة بين الفصائل المتنافسة داخلها".

وبحسب التقرير، "تنحدر غالبية الدعم السريع التي كانت تعرف سابقا باسم الجنجويد، من قبيلة الرزيقات العربية في إقليم دارفور، وتنقسم القبيلة إلى مجموعتين عشائريتين رئيستين: المحاميد والمهارية التي ينحدر منها حميدتي وأفراد أسرته".

"أما المحاميد، فكانوا القوة المهيمنة على مليشيات الجنجويد خلال الحرب السودانية الأولى مطلع العقد الأول من الألفية (حرب دارفور 2003) بقيادة زعيمهم السابق موسى هلال". وفق التقرير.

وأشارت الصحيفة إلى أنه "مع اندلاع الحرب بين الجيش النظامي بقيادة البرهان وقوات حميدتي في أبريل 2023، بدأ قادة المحاميد يشعرون تدريجيا بتهميشهم وإقصائهم عن القيادة العسكرية، في وقت أحكمت قيادات المهارية سيطرتها على الموارد التعدينية في دارفور".

وأردفت: "بلغ الصراع بين الطرفين ذروته في فبراير/ شباط 2026 عندما اقتحمت مليشيا الدعم السريع قرية مستريحة، مسقط رأس موسى هلال".

واستطردت: "وأمام هذا التصعيد، وجد هلال نفسه محاصرا، فاختار التعاون مع الجيش السوداني، في خطوة اقتدى بها بعد أشهر النور قبة و(سافانا) وبشارة الهويرا، وجميعهم ينتمون إلى عشيرة المحاميد".

غير متجانس

من جانب آخر، لفتت الصحيفة إلى أن "هذه الانشقاقات تثير تساؤلات بشأن المسؤولية الجنائية للقادة الذين انتقلوا من صفوف الدعم السريع إلى معسكر الجيش".

وفي هذا الصدد، قال الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش، محمد عثمان: إن "تغيير المعسكر لا يمنح المسؤولين عن الجرائم الدولية حصانة من المساءلة؛ فالسودانيون الذين تعرضوا لانتهاكات مروعة يستحقون العدالة، ووضع حد لدورات الإفلات من العقاب التي تؤرق السودان منذ زمن طويل".

من جانبها، "لم تفتح السلطات السودانية أي تحقيق بشأن القادة الثلاثة، فيما يبدو أن الخرطوم تتغاضى عن ماضيهم"، على حد تعبيرها.

وفي بيان صدر في 18 أبريل/ نيسان، قال البرهان: "نفتح أبوابنا أمام كل من يضع السلاح جانبا وينضم إلى مشروع إعادة بناء الوطن".

وقدرت الصحيفة أن "سلطات الخرطوم تأمل، من خلال استيعاب هؤلاء المنشقين، في الحصول بالدرجة الأولى على معلومات استخباراتية ذات أهمية إستراتيجية حول مواقع الدعم السريع وتحركاتها".

واستدركت: "غير أن انضمام هؤلاء القادة قد يهدد في الوقت نفسه التوازن الهش للجبهة السياسية والعسكرية التي شكلتها الخرطوم، وهي ائتلاف غير متجانس يضم الجيش النظامي ومليشيات موالية لنظام عمر البشير السابق، إلى جانب حركات مسلحة من دارفور".

واستطردت: "رغم تضارب مصالح هذه الأطراف على نحو يصعب التوفيق بينه، فإن الحرب نجحت، ولو بصورة مؤقتة، في جمعها داخل معسكر واحد".

وعلق أحد قيادات حركة تحرير السودان-جناح مني مناوي، وهي جماعة مسلحة من دارفور تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية، على هذه التطورات: "لم تعلم الحركة بهذه الانشقاقات إلا في اللحظة الأخيرة". مضيفا: "لم يبلغنا الجيش مسبقا". 

وبحسب الصحيفة، "أعرب القيادي عن غضبه من انضمام قادة سابقين في الدعم السريع إلى صفوف التحالف، رغم أنهم سبق أن أصدروا أوامر بارتكاب مجازر بحق السكان الأفارقة في دارفور".

وقال القائد: "انضمامهم يربك صفوفنا. ففي الأبيض، أصبحت جميع مكونات التحالف الآن مترددة بشأن الموقف الذي ينبغي اتخاذه".

ومن ثم، قدر التقرير أن "هذه التطورات قد تؤدي، على نحو مفارق، إلى تعقيد مهمة الدفاع عن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان؛ حيث تلوّح في الأفق معركة وشيكة، فمنذ ثلاثة أعوام، تفرض الدعم السريع حصارا على المدينة، كما بدأت منذ مايو/ أيار 2026 في حشد قواتها على أطرافها، وسط مؤشرات على التحضير لشن هجوم بري"

ويرى أنه "إذا تمكنت الدعم السريع من السيطرة على المدينة، فلن تحقق نصرا رمزيا فحسب، بل ستبسط أيضا سيطرتها على عقدة طرق إستراتيجية وعلى عاصمة إقليم غني بالموارد الزراعية والتعدينية".

"كما سيقربها ذلك من بقية وادي النيل ومن الخرطوم، وهو الهدف الذي أعلن حميدتي صراحة سعيه إلى تحقيقه". وفقا له.