الدعم السريع بين خنادق نيالا وطوق النجاة الإسرائيلي.. انكشاف إستراتيجي؟

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تتشابك خيوط المشهد السوداني المأزوم لترسم صورة للانكشاف الإستراتيجي الذي تعيشه مليشيا الدعم السريع، حيث تزامنت تسريبات بشأن زيارات قادتها السرية إلى الكيان الإسرائيلي بحثاً عن طوق نجاة، مع تصدعات ميدانية حادة في الداخل، تجسدت في انشقاقات جماعية واسعة النطاق في كردفان.

فقد كشف موقع "أفريكا إنتليجنس" الاستخباراتي الفرنسي أخيرا عن إجراء وفود رفيعة المستوى من مليشيا الدعم السريع، بينهم أفراد من عائلة قائدها محمد حمدان دقلو، المكنى بـ"حميدتي"، زيارتين سريتين إلى الكيان الإسرائيلي خلال فترة الحرب.

وأوضح أن الزيارة الأولى كانت في مايو/أيار 2025، والثانية في فبراير/شباط 2026، وأن الوفد ضم شقيقي "حميدتي"، عبد الرحيم حمدان دقلو (الخاضع لعقوبات دولية) والقوني حمدان دقلو، برفقة المستشار القانوني للمليشيا.

وأفاد الموقع الاستخباراتي الفرنسي بأن وفد مليشيا الدعم السريع عقد لقاءات مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وقسم إفريقيا بوزارة الخارجية، لبحث قنوات التعاون الأمني والدبلوماسي.

وأكد أن الاتصالات بين تل أبيب ومليشيا الدعم السريع شملت ترسيخ التعاون العسكري في مجالات أمنية واستخباراتية، إضافة إلى تقنيات للمراقبة والتكنولوجيا الحربية.

بدورها، أفادت هيئة البث العبرية بأن عبد الرحيم دقلو زار "إسرائيل" سراً عدة مرات، رغم خضوعه لعقوبات من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور غربي السودان.

وفي عام 2020، أعلن محمد حمدان دقلو "حميدتي" أنه يرغب في إقامة علاقات مع إسرائيل، للاستفادة من إمكانياتها المتطورة.

وقال في لقاء مع قناة تلفزيونية سودانية (خاصة) آنذاك: إن "إسرائيل متطورة، ونحن عايزين (نريد) نشوف مصلحتنا وين (أين)، كل العالم شغال مع إسرائيل، والدول العظمى شغالة مع إسرائيل من ناحية تقنية".

علاقات ممتدة

يشار إلى أن الحديث عن العلاقات السرية بين مليشيا الدعم السريع والاحتلال الإسرائيلي ليس جديداً؛ إذ بدأت العلاقات وتطورت منذ عام 2021 عبر قنوات أمنية واستخباراتية موازية، بعيداً عن القنوات الدبلوماسية الرسمية للدولة السودانية.

وقاد موقع "أفريكا إنتليجنس" وصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية تحقيقاً كشف عن هبوط طائرة خاصة مرتبطة ببرامج التجسس الإسرائيلية سراً في مطار الخرطوم.

وقامت هذه الطائرة بنقل منظومة تكنولوجيا متطورة لمراقبة الهواتف واختراقها، تُدعى "بريداتور" (Predator)، المصنعة من قبل شركة "إنتلكسا" (Intellexa) التي يديرها ضابط استخبارات إسرائيلي سابق، وسلمتها مباشرة إلى مليشيا الدعم السريع.

وكشفت تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية، مثل موقع "أكسيوس" (Axios)، عن وجود انقسام داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن السودان.

فبينما كانت وزارة الخارجية وجهاز الأمن العام (الشاباك) يفضلان التعامل الرسمي مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لدفع مسار "اتفاقيات أبراهام" والتطبيع، كان جهاز "الموساد" يقود بشكل منفصل وسري قناة اتصال خاصة جداً مع حميدتي لتبادل المعلومات الاستخباراتية.

كما رصدت منصات تتبع حركة الطيران الدولية، مثل مواقع تعقب الرادارات، في أكثر من مناسبة بين عامي 2022 و2023، رحلات لطائرة خاصة من طراز "فالكون" تستخدمها قيادة مليشيا الدعم السريع، وكانت تنطلق من السودان وتهبط في مطار بن غوريون في تل أبيب لفترات قصيرة قبل أن تغادر، ما عُدّ مؤشراً على وجود لقاءات أمنية دورية ومباشرة.

وامتداداً لهذه السلسلة، كشفت التقارير الأخيرة عن زيارة شقيقي حميدتي إلى الكيان مرتين، في مايو/أيار 2025 وفبراير/شباط 2026، للاجتماع بمسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية وطلب الدعم والوساطة الدبلوماسية لتخفيف العقوبات الأميركية والدولية المفروضة عليهما.

انشقاق جماعي

وبالتوازي مع هذا الكشف عن زيارات الدعم السريع السرية إلى تل أبيب، أعلنت وكالة الأنباء السودانية الرسمية عن ضربة أمنية موجعة تلقتها القوات، تمثلت في انشقاق جماعي لنحو 200 مقاتل، بينهم قيادات ميدانية بارزة، بكامل عتادهم العسكري في ولاية شمال كردفان، وإعلان انضمامهم إلى الجيش.

وشمل الانشقاق خطوة بالغة الحساسية تمثلت في انسحاب قائد شعبة استخبارات المهام الخاصة بالدعم السريع في الولاية وانحيازه العلني بكامل قوته إلى القوات المسلحة السودانية.

وكان على رأس القوة القائد الميداني أبو بكر حمودة دحلوب، قائد شعبة استخبارات المهام الخاصة في ولاية شمال كردفان، وفق الوكالة.

وأعلنت القوة انضمامها إلى القوات المسلحة بكامل عتادها، واستعدادها للانخراط في العمليات القتالية إلى جانب القوات المسلحة والقوات المساندة الأخرى.

ونقلت الوكالة عن دحلوب قوله: إنهم أدركوا "خطأهم في الانسياق وراء المشروع الذي تنفذه مليشيا الدعم السريع". وأضاف دحلوب أنهم انحازوا إلى "الصف الوطني"، وأنهم سيقاتلون "من أجل مطالب الشعب السوداني في القضاء على مليشيا الدعم السريع المتمردة".

خنادق نيالا

وفي الأثناء، أظهرت صور الأقمار الصناعية الحديثة قيام مليشيا الدعم السريع بحفر خنادق ضخمة تطوق مدينة نيالا في دارفور من الجهتين الشمالية والشرقية، لحماية مواقعها من الضربات الجوية المكثفة للمسيّرات التابعة للجيش.

وتزامن ذلك مع فرض مليشيا الدعم السريع طوقاً أمنياً على مدينة "النهود" بغرب كردفان، شمل إغلاق الأسواق وتعطيل أجهزة الإنترنت الفضائي "ستارلينك" لأجل غير مسمى.

وتأتي هذه التطورات المترابطة بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، والتي تحولت تدريجياً من صراع محلي على السلطة إلى حرب استنزاف إقليمية معقدة.

وتعود علاقة الدعم السريع بالاحتلال الإسرائيلي إلى ما قبل الحرب، حيث أشرف جهاز "الموساد" على تزويد المليشيا بأنظمة تكنولوجيا متطورة للمراقبة واختراق الهواتف، بينها منظومة "بريداتور"، لتعزيز نفوذها الأمني بعيداً عن أجهزة الدولة الرسمية، مستغلين رغبة تل أبيب في الحفاظ على خطوط مفتوحة مع الأطراف كافة الفاعلة في السودان، لضمان تموضعها في منطقة البحر الأحمر.

ويأتي التزامن بين الفشل الميداني واللجوء إلى التكنولوجيا الأجنبية في سياق "الانكشاف الإستراتيجي" وقرب نفاد الخيارات لدى الدعم السريع.

فالمليشيا التي تفرض حصاراً رقمياً على المدنيين عبر قطع خدمة "ستارلينك" لمنع توثيق انتهاكاتها، تعاني هي نفسها من حصار تكنولوجي يفرضه تفوق سلاح المسيّرات التابع للجيش السوداني.

الأمر الذي جعل التحصينات الحديثة لمليشيا الدعم السريع عاجزة، واضطرها إلى العودة إلى الأساليب العسكرية البدائية، كحفر الخنادق الميدانية، والبحث اليائس عن غطاء دبلوماسي في تل أبيب لتخفيف وطأة العقوبات الدولية المفروضة على قادتها.

دليل خيانة

وأثار الكشف عن الزيارات السرية التي قام بها أشقاء "حميدتي" إلى تل أبيب، موجة غضب واسعة على منصات التواصل؛ إذ عدّها ناشطون دليل "خيانة عظمى" لدماء الضحايا المدنيين في السودان، وتأكيدا على مشروع سياسي مزيف يعتمد على الدعم الخارجي السري بدلاً من الإرادة الوطنية.

وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #حميدتي، #الدعم_السريع، #تل_أبيب، #كردفان، وغيرها، إلى أن هذه الزيارات تمت رغم العقوبات الدولية المفروضة على هؤلاء القادة بتهم جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور.

وأكد ناشطون أن التنسيق الأمني والاستخباراتي الذي أجرته مليشيا الدعم السريع مع الجانب الإسرائيلي يكشف زيف الخطاب الذي تتبناه قيادة الميليشيا دولياً حول حماية حقوق الإنسان والحقوق المدنية، ويحول تباكيها على المدنيين إلى مجرد غطاء سياسي فارغ.

رعاية إماراتية

وأكد ناشطون ضلوع الإمارات في تسهيل أو رعاية العلاقات السرية بين مليشيا الدعم السريع وتل أبيب. مشيرين إلى أن أبوظبي تعمل كـ"ذراع" أو وسيط إقليمي لإسرائيل في إفريقيا، وأن دعمها الطويل للمليشيا يشمل التنسيق الأمني والاستخباراتي الذي أدى إلى الزيارات السرية لأشقاء حميدتي.

ورأوا أن الإمارات تقف "خلف الستار" في هذه الاتصالات، مستغلة علاقاتها مع الطرفين لتعزيز نفوذها في السودان والبحر الأحمر، ويرون أن الزيارات ليست مجرد تحركات فردية لقيادة الدعم السريع بل جزء من شبكة تحالفات إقليمية أوسع تربط أبوظبي بتل أبيب.

وأكد ناشطون أن هذا الدور يفسر استمرار الدعم اللوجستي والعسكري للمليشيا رغم الاتهامات الدولية، ويحول الصراع السوداني إلى ساحة لمصالح خارجية.

انهيار داخلي

واحتفى ناشطون بخبر انشقاق قائد شعبة استخبارات المهام الخاصة بأبو بكر حمودة دحلوب مع نحو 200 مقاتل بكامل عتادهم من مليشيا الدعم السريع في شمال كردفان (قطاع حمرة الشيخ - المثلث) وانضمامهم للجيش السوداني، وعدّوه دليلاً على بداية الانهيار الداخلي وتفكك البنية القبلية والقتالية للمليشيا.

وأشاروا إلى أن الحدث حلقة جديدة في سلسلة انشقاقات متتالية تعكس ضعف الروح المعنوية وتآكل الولاء بعد الضغوط الميدانية في كردفان، ورأوا فيه مؤشراً حاسماً على تصدع المشروع من الداخل.

عزل النهود

وندد سياسيون وناشطون بقرار مليشيا الدعم السريع قطع خدمة ستارلينك وعزل مدينة النهود بغرب كردفان، عادين التعتيم الرقمي المتعمد مقدمة لإخفاء انتهاكات وجرائم محتملة ضد المدنيين.

وحذروا من أن إغلاق الأسواق والمستشفيات وفرض قيود على الحركة ومنع أجهزة الإنترنت الفضائي يهدف إلى عزل المدينة عن الرصد الدولي ومنصات التوثيق، مما يسهل ارتكاب مجزرة أو انتهاكات جسيمة بعيداً عن الأنظار.

وطالبوا المجتمع الدولي بالتحرك العاجل قبل فوات الأوان، مستندين إلى تجارب سابقة في مناطق أخرى سيطرت عليها المليشيا.

وأكد ناشطون أن هذا الإجراء ليس مجرد تدبير أمني، بل إستراتيجية منهجية لحجب الحقيقة عن المنظمات الحقوقية والإعلام، مشيرين إلى تدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية للسكان النازحين والمدنيين الذين يعتمدون على التحويلات المالية والاتصال.

رعب وهلع

وتداول ناشطون صورا وفيديوهات وتحليلات تتعلق بحفر مليشيا الدعم السريع خندقاً كبيراً يطوق مدينة نيالا بالكامل، مع الإبقاء على بوابات محدودة محروسة فقط.

ورأوا  في هذه التحصينات تحولاً واضحاً من إستراتيجية الهجوم والتمدد السابقة إلى وضع دفاعي نفسي مستميت، يعكس حالة رعب وهلع داخل صفوف المليشيا خوفاً من تقدم قوات الجيش والتحركات البرية والجوية، خاصة مع تصاعد دور المسيرات.

وعد ناشطون هذه الخطوة دليلاً على فشل الاعتماد السابق على التكنولوجيا المتقدمة (بما في ذلك ما يُنسب إلى مصادر خارجية) في حسم المعركة جوياً، وأن المليشيا باتت تلجأ إلى تحصينات ترابية بدائية في محاولة يائسة لحماية المدينة ومنع أي اختراق.