ستة أشهر من حرب إيران.. كيف تحولت مغامرة ترامب إلى مأزق عسكري وانتخابي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تسلط التطورات المرتبطة بالحرب الأميركية على إيران الضوء على حجم الصعوبات التي تواجهها واشنطن في الشرق الأوسط، في ظل محاولات للالتفاف على القيود القائمة، ونقص الأسلحة، وتدهور الأوضاع على متن حاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لينكولن".

وقالت صحيفة "إلباييس": إن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران أصبحت تمثل عبئا متزايدا على الرئيس دونالد ترامب، خصوصا مع بدء انعكاس تداعياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية بشكل مباشر على وضعه الداخلي، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

مواجهة أطول وأكثر تكلفة

وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب الذي دخل الحرب معتمدا على توقع تحقيق حسم سريع وإظهار قوة الولايات المتحدة، يجد نفسه حاليا أمام مواجهة أطول وأكثر تكلفة مما كان يتصور، وسط تصاعد التساؤلات حول قدرة واشنطن على مواصلة العمليات العسكرية وتحقيق الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأميركية. 

وأوضحت أن هذه النتائج غير المتوقعة ظهرت بعد نحو ستة أشهر فقط من اندلاع الحرب مع إيران.

وأضافت أن تصريحات ترامب الأخيرة بشأن مضيق هرمز، والتي تضمنت تهديدا بتحويله إلى "أرض أميركية" بعد هزيمة إيران، تعكس حجم الضغوط التي يواجهها الرئيس في محاولة للتأكيد على أنه لا يزال قادرا على التحكم بمسار الأحداث والحفاظ على زمام المبادرة.

وأشارت إلباييس إلى أن التصريحات الأميركية تتزامن مع استمرار المخاطر في الممر المائي الحيوي، بعد أن تعرضت ناقلات نفط لهجمات إيرانية، فيما تشير حركة السفن إلى تراجع كبير في حركة العبور عبر المضيق مقارنة بما كان عليه الوضع قبل اندلاع الحرب.

عموما، إن التهديدات المتكررة التي يطلقها ترامب ضد إيران تبدو في جانب منها محاولة لفتح طريق للخروج من الحرب عبر الضغط السياسي والعسكري، بعد أن بات من الصعب إخفاء حجم التعقيدات التي تواجهها الولايات المتحدة. 

كما يواجه الرئيس الذي اعتاد تقديم نفسه في صورة القائد القادر على حسم الأزمات بسرعة، الآن حربا استنزافية تتناقض مع تعهداته السابقة بأن العمليات لن تستمر سوى أسابيع قليلة.

صورة محرجة

ولفتت إلى أن أحد أبرز مظاهر الإحراج الذي تعرض له ترامب تمثل في الطريقة السرية التي غادر بها تركيا عقب قمة حلف شمال الأطلسي في يوليو/ تموز 2026، بعدما رصدت أجهزة الاستخبارات تهديدا محتملا يستهدف الطائرة الرئاسية. 

وأوضحت أن الخطة تضمنت استخدام طائرة أخرى ونقل الرئيس بشكل سري لتضليل الجهة التي يُعتقد أنها تمثل مصدر التهديد، بينما بقي صحفيون ومسؤولون مرافقون له خارج دائرة المعلومات المتعلقة بالخطر المحتمل. 

ورأت الصحيفة أن هذه الواقعة أضعفت صورة الرئيس القوية التي يحاول ترسيخها أمام الرأي العام؛ لأنها كشفت في الوقت نفسه عن مدى حساسية الوضع الأمني الذي فرضته الحرب.

وأضافت أن الأزمة لا تقتصر على الصورة السياسية، بل تمتد إلى القدرات العسكرية الأميركية، في ظل تقارير تتحدث عن تراجع مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ بعيدة المدى والصواريخ الاعتراضية، لا سيما صواريخ "باتريوت". 

كما أن الاستهلاك المتزايد للذخائر خلال العمليات في الشرق الأوسط بدأ يفرض قيودا على خيارات واشنطن العسكرية، الأمر الذي دفع الإدارة إلى إعادة التفكير في إستراتيجيتها والانتقال بدرجة أكبر نحو الضغط الاقتصادي ومحاولة خنق الاقتصاد الإيراني بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.

وقالت الصحيفة: إن عددا من الخبراء والمراكز البحثية الأميركية بدأوا يتحدثون بصورة أكثر صراحة عن صعوبة تحقيق واشنطن نصرا حاسماً على إيران، ويرون أن الحرب كشفت عن نقاط ضعف في القدرات العسكرية البحرية الأميركية وأثرت في علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها. 

بالإضافة إلى ذلك، يضع استمرار العمليات من دون تحقيق نتائج واضحة الإدارة أمام معضلة سياسية متزايدة؛ حيث إن أي تصعيد إضافي قد يرفع التكاليف، في حين أن التراجع أو الدخول في مفاوضات قد يفسر داخليا باعتباره تراجعا أمام إيران.

إزعاج الانتخابات

ولا شك أن البعد الداخلي للحرب ربما يكون الأكثر إزعاجا لترامب، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. 

وقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعا واضحا في شعبية الرئيس؛ إذ بلغت نسبة تأييد أدائه نحو 35 بالمائة وفق استطلاع حديث لإبسوس، بينما أظهر استطلاع آخر أن غالبية الأميركيين لا يرون أن الحرب كانت تستحق تكلفتها المالية والبشرية. 

وأضافت الصحيفة أن هذا الاستياء لا يرتبط بالحرب وحدها، بل يتداخل مع الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها الأميركيون نتيجة ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة والوقود.

وتجدر الإشارة إلى أن ترامب حاول خلال الأسابيع الماضية تحويل اهتمام الرأي العام من الملف الاقتصادي والحرب إلى قضايا أخرى، من بينها الأمن والجريمة ومشروعات داخل البيت الأبيض والعاصمة واشنطن. 

وترى الصحيفة أن هذا السلوك يعكس رغبة في إعادة صياغة الأجندة السياسية بعيدا عن الملف الإيراني، بعدما أصبح من الصعب تقديم الحرب للرأي العام بوصفها انتصارا سريعا أو عملية محدودة التكلفة.

ونقلت أن ارتفاع أسعار الوقود يمثل مشكلة خاصة للإدارة الأميركية، نظرا إلى اعتماد قطاعات واسعة من الأميركيين على السيارات في تنقلاتهم اليومية، وأن أي اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية ينعكس سريعا على حياة الأسر وعلى تقييم الناخبين للأداء الاقتصادي للرئيس. 

ولذلك، فإن استمرار أزمة مضيق هرمز قد يحول الحرب من ملف أمني خارجي إلى قضية معيشية داخلية تؤثر بصورة مباشرة في الانتخابات المقبلة.

وقالت الصحيفة: إن وضع القوات الأميركية في المنطقة يضيف بعدا آخر إلى الأزمة. مشيرة إلى ما أثير حول الظروف التي تعيشها طواقم حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، من مشكلات تتعلق بالصحة النفسية والإمدادات والصيانة والاتصالات وظروف الإقامة. 

وأضافت أن الاعتراف بوجود هذه المشكلات، حتى مع نفي المسؤولين وجود نقص في الطعام أو حالات وفاة، يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها القوات بعد أشهر من الانتشار والعمليات العسكرية.

ونوهت إلى أن الجدل حول الحاملة يعكس مشكلة أوسع تتعلق بإرهاق القوات الأميركية واستنزاف الموارد، في وقت تصر فيه الإدارة على أن الحرب لم تستمر لفترة أطول من اللازم. 

غير أن استمرار العمليات لما يقارب ستة أشهر يتناقض مع التقديرات الأولى التي تحدثت عن حرب قصيرة، ويعزز الانطباع بأن واشنطن دخلت في مسار يصعب التحكم في نهايته.

وذكرت الصحيفة أن الحرب باتت أيضا مصدر توتر داخل واشنطن بسبب غياب تفويض واضح من الكونغرس، في ظل مطالبة الإدارة بتمويل إضافي لتغطية تكاليف العمليات العسكرية. 

وأضافت أن الأغلبية الجمهورية الهشة في الكونغرس، إلى جانب اعتراض بعض المشرعين على غياب الموافقة البرلمانية والمعلومات الكافية، قد تجعل تمرير تمويل جديد للحرب أكثر صعوبة، بما يفتح جبهة سياسية إضافية أمام البيت الأبيض.

وختمت الصحيفة بأن مأزق ترامب في إيران لم يعد مجرد مشكلة عسكرية أو دبلوماسية، وإنما أصبح اختبارا شاملا لقدرته على إدارة الأزمات والحفاظ على صورته السياسية في الداخل.

وذكرت أن الرئيس يواجه معادلة صعبة: فاستمرار الحرب يفاقم الاستنزاف العسكري والاقتصادي ويهدد شعبيته، بينما قد يمنحه التراجع فرصة لخفض التكاليف لكنه يعرضه لاتهامات بالفشل والتراجع. 

ومن هذا المنطلق، ستكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان ترامب قادرا على تحويل الحرب إلى تسوية سياسية تحفظ له ماء الوجه، أم أن الصراع الإيراني سيظل أحد أكبر الأعباء التي تهدد موقعه السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي.