من ميشيغان إلى واشنطن.. هل يتراجع نفوذ إسرائيل في السياسة الأميركية؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أمام مرحلة جديدة من التحولات السياسية، في ظل تزايد الأصوات الأميركية المنتقدة لسياسات الحكومة الإسرائيلية، وتراجع قدرة جماعات الضغط المؤيدة لكيان الاحتلال على ضمان الدعم السياسي غير المشروط داخل الحزبين الأميركيين.

وفي هذا السياق، سلطت صحيفة "إلباييس" الإسبانية الضوء على نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، مقدرة أنها تعكس تراجعا ملحوظا في النفوذ السياسي التقليدي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.

اختبار مهم

وركز التقرير على الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في ولاية ميشيغان التي شكلت، وفق الصحيفة، اختبارا مهما لتأثير المال السياسي والجماعات المؤيدة لإسرائيل في المشهد الانتخابي الأميركي.

فقد تمكن المرشح التقدمي عبدول السيد من تحقيق فوز لافت على منافسته هالي ستيفنز، رغم الدعم المالي الكبير الذي حظيت به من جانب جهات مرتبطة باللوبي المؤيد لإسرائيل.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بسبب حجم الأموال التي أنفقت خلال السباق الانتخابي.

فقد وصل الدعم المالي الموجه لحملة هيلي ستيفنز إلى نحو 30 مليون دولار، في محاولة واضحة لمنع فوز السيد الذي جعل من انتقاد نفوذ جماعات الضغط والمال السياسي، إلى جانب موقفه من الحرب على غزة، جزءا أساسيا من خطابه الانتخابي.

ومع ذلك، انتهت الانتخابات بفوز السيد بفارق يقارب 15 ألف صوت، في نتيجة عدتها الصحيفة "مؤشرا على تغير المزاج السياسي لدى شريحة من الناخبين الديمقراطيين".

عبدول السيد، وهو ابن مهاجرين مصريين، لا يقدم نفسه فقط بصفته مرشحا تقدميا، بل يخوض معركته السياسية في مواجهة ما يعتبره نفوذا مفرطا للمال السياسي في الانتخابات الأميركية.

كما يتبنى موقفا منتقدا بشدة لسياسات الحكومة الإسرائيلية في قطاع غزة، ويرفض استمرار الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل.

وفي حال تمكنه من الفوز في الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026؛ فقد يدخل السيد التاريخ بوصفه أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأميركي.

ولذلك تجاوزت أهمية معركته حدود ولاية ميشيغان، وتحولت إلى اختبار لمدى قدرة مرشح يتخذ موقفا ناقدا لإسرائيل على مواجهة آلة مالية انتخابية ضخمة، وتحقيق الفوز اعتمادا على الناخبين وحركته السياسية.

ضغوط متزايدة

وتربط "إلباييس" هذه التطورات بتحول أوسع داخل الحزب الديمقراطي، فقد كان الدعم الأميركي لإسرائيل، طوال عقود، أحد الملفات التي حظيت بدرجة كبيرة من التوافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. 

لكن هذا التوافق بدأ يتآكل تدريجيا، خصوصا بعد الحرب على غزة؛ حيث أصبحت سياسات الحكومة الإسرائيلية موضع نقاش متزايد داخل الأوساط الديمقراطية.

وأشارت الصحيفة إلى أن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية قامت تاريخيا على ثلاثة عناصر أساسية: القيم المشتركة، والمصالح المتبادلة، والدعم السياسي من الحزبين.

واستدركت: "إلا أن هذه العناصر تواجه اليوم ضغوطا متزايدة، فقد دفعت الحرب في غزة عددا من الديمقراطيين، خاصة في الجناح التقدمي، إلى المطالبة بإعادة النظر في طبيعة الدعم الذي تقدّمه واشنطن لإسرائيل، سواء على المستوى العسكري أو المالي أو السياسي".

وبرز في هذا السياق الدور المتزايد لمنظمة آيباك، وهي لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية التي تعد من أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة. 

فقد تحولت المنظمة خلال السنوات الأخيرة من قوة ضغط تقليدية إلى لاعب بارز في تمويل الحملات الانتخابية، خصوصا من خلال دعم مرشحين تعدهم أكثر قربا من مواقفها، ومحاولة إضعاف المرشحين الذين ينتقدون إسرائيل.

ووفق الأرقام التي يستعرضها التقرير، ارتفع حجم الأموال التي تنفقها المنظمة في السياسة الأميركية من نحو 29 مليون دولار قبل أربع سنوات إلى حوالي 67 مليون دولار عام 2026. 

غير أن زيادة الإنفاق لم تعد تضمن النتائج السياسية نفسها التي كانت تحققها في السابق. 

فالانتخابات التمهيدية في ميشيغان أظهرت أن ضخ مبالغ مالية ضخمة ضد مرشح معين لا يعني بالضرورة القدرة على إسقاطه.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل، المال السياسي المرتبط بإسرائيل لا يزال يتمتع بتأثير كبير، لكنه لم يعد قادرا بالضرورة على التحكم في النتائج الانتخابية كما كان في السابق. 

فقد أصبح الناخب الديمقراطي أكثر استعدادا لمناقشة العلاقة مع إسرائيل، وأكثر تقبلا للمرشحين الذين ينتقدون سياسات الحكومة الإسرائيلية أو يطالبون بمراجعة المساعدات الأميركية المقدمة إليها.

ولا يقتصر هذا التحول على الحزب الديمقراطي وحده، فحتى داخل الحزب الجمهوري، المعروف تاريخيا بدعمه القوي لإسرائيل، بدأت تظهر مواقف أكثر تعقيدا.

مرحلة جديدة

وأشارت الصحيفة إلى أن بعض الخلافات بين إدارة الرئيس الأميركي والحكومة الإسرائيلية تعكس بداية انتقال من فكرة "الدعم غير المشروط" إلى علاقة تحالف تقوم أيضا على حساب المصالح الأميركية المباشرة.

ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي أصبح مهددا بالانهيار، فواشنطن لا تزال تعد إسرائيل حليفا إستراتيجيا مهما في الشرق الأوسط، كما أن العلاقات العسكرية والأمنية والاقتصادية بين البلدين عميقة ومتجذرة. 

لكن، تبين مؤخرا أن هذه العلاقة لم تعد بمنأى عن النقاش السياسي الداخلي الأميركي، وفق صحيفة "إلباييس" الإسبانية.

وتبرز أهمية هذه النقطة بشكل خاص داخل الحزب الديمقراطي؛ حيث صعد خلال السنوات الأخيرة جيل سياسي جديد أكثر انتقادا لسياسات إسرائيل، وأكثر اهتماما بالقضية الفلسطينية وبالتداعيات الإنسانية للحرب في غزة.

وقد أصبحت أسماء مثل عبدول السيد وزهران ممداني وألكسندريا أوكاسيو-كورتيز جزءا من هذا التحول السياسي، وإن اختلفت مواقف كل شخصية ودرجة انتقادها لإسرائيل.

كما أن دعم شخصيات بارزة لمرشحين ينتقدون السياسات الإسرائيلية يعكس تغيرا في الحسابات الانتخابية، فلم يعد من السهل افتراض أن أي موقف مؤيد لإسرائيل سيجلب تلقائيا أصواتا إضافية، أو أن انتقاد الحكومة الإسرائيلية سيؤدي بالضرورة إلى خسارة المرشح. 

بل أصبحت المسألة أكثر ارتباطا بتوجهات الناخبين، خاصة الشباب والناخبين التقدميين الذين باتوا أكثر اهتماما بالحرب على غزة وبسياسة واشنطن تجاه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

وتطرح الانتخابات المقبلة سؤالا أوسع حول مستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. 

فإذا تمكن مرشحون ينتقدون الدعم غير المشروط لإسرائيل من تحقيق نتائج قوية والوصول إلى الكونغرس، فقد يتغير النقاش داخل المؤسسات الأميركية حول المساعدات العسكرية والمالية، وحول شروط تصدير الأسلحة، وحول مدى استعداد واشنطن لمنح الحكومة الإسرائيلية غطاء سياسيا في مختلف الملفات.

وفي هذا الإطار، تبدو انتخابات ميشيغان، كما تقدمها "إلباييس"، أكثر من مجرد منافسة محلية بين مرشحين ديمقراطيين. 

وقالت: إنها “اختبار لنفوذ المال السياسي، ولقدرة جماعات الضغط على التأثير في إرادة الناخبين، كما أنها مؤشر على التحولات التي يعيشها الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية”.

وخلصت الصحيفة إلى أن "ما يحدث لا يمثل نهاية للتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، وإنما بداية إعادة تعريف سياسية لهذا التحالف، فإسرائيل ما زالت حليفا إستراتيجيا لواشنطن، لكن الدعم الأميركي لها لم يعد يحظى بالإجماع السياسي نفسه الذي تمتعت به لعقود".

وتكشف الانتخابات التمهيدية الديمقراطية أن انتقاد إسرائيل لم يعد بالضرورة عبئا انتخابيا على المرشح الديمقراطي، بل يمكن أن يتحول، في بعض الدوائر الانتخابية، إلى عنصر من عناصر القوة والجاذبية. 

كما أن تنامي الاعتراض على نفوذ جماعات الضغط يشير إلى أن الناخب الأميركي يريد مساحة أكبر للنقاش حول السياسة الخارجية، بعيدا عن تأثير الأموال الانتخابية.

وبذلك، تفتح هذه التطورات الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية؛ مرحلة لن يكون فيها السؤال فقط حول مدى استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل، وإنما حول شروط هذا الدعم وحدوده، ومدى توافقه مع التحولات التي يشهدها المجتمع والسياسة الأميركية.