رغم انتهاء ملف الأسرى.. لماذا تحتجز إسرائيل 1700 جثمان فلسطيني؟

معسكر سدي تيمان في النقب يعد أبرز موقع موثق لتجميع الرفات بعد طوفان الأقصى
تراكم لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مدى سنوات مخزون كبير من جثامين ورفات الفلسطينيين، بدأ ضمن سياسة ربطت الاحتجاز بملفات الأسرى والمفقودين وصفقات التبادل، ثم اتسع بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ليشمل مئات الحالات الجديدة.
وبحلول أغسطس/آب 2026 وصل التقدير المتداول داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى نحو 1700 جثمان، موزعة بين منشآت تبريد عسكرية ومقابر مغلقة، فيما بقيت هويات عدد كبير من أصحابها وأماكن احتجازهم غير معلنة.

ما قصة الجثامين؟
كشفت صحيفة “هآرتس” في 10 أغسطس أن إسرائيل تحتجز نحو 1700 من جثامين ورفات الفلسطينيين، في وقت يقود فيه رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” دافيد زيني توجهًا لإبقائها في حيازة تل أبيب تحسبًا لعمليات أسر مستقبلية، ويحظى موقفه بتأييد جيش الاحتلال.
يأتي ذلك رغم إغلاق ملف الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة منذ 26 يناير/كانون الثاني 2026، حين أعلن الجيش استعادة رفات ران غويلي، آخر محتجز إسرائيلي بقي في القطاع.
وتقول "هآرتس": إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تصنف "الغالبية الساحقة" من أصحاب الجثامين ضمن المشاركين في هجوم 7 أكتوبر 2023 أو في القتال والهجمات اللاحقة، فيما تضم المجموعة عددًا غير محدد من الفلسطينيين الذين لم يشاركوا في أعمال هجومية.
وتشمل المجموعة أيضًا 13 جثمانًا لفلسطينيين يحملون الجنسية الإسرائيلية (من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948)، فيما بقيت الأسماء الكاملة والتوزيعات الجغرافية وأعداد كل فئة غير معلنة.
وكانت "هآرتس" قد نشرت مطلع فبراير/شباط 2026 تحقيقًا أحصى 776 جثمانًا معروف الهوية، منها 766 لفلسطينيين وعشرة لأجانب، أصبح 373 منها لدى الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023، بينما تعود بقية الحالات إلى سنوات سابقة.
وضمت القائمة 77 طفلًا دون الثامنة عشرة و10 نساء، إضافة إلى 88 شخصًا توفوا أثناء وجودهم في السجون ومعسكرات الاعتقال الإسرائيلية، بينهم 53 من قطاع غزة و32 من الضفة الغربية وثلاثة من فلسطينيي 48.
وأشارت الصحيفة في التحقيق نفسه إلى وجود رفات أخرى مجهولة الهوية بقيت خارج قائمة الـ776، بعضها يعود إلى مواجهات ووقائع سابقة تمتد إلى عقود. وتضم الجثامين المحتجزة فلسطينيين استشهدوا داخل سجون الاحتلال ومنشآته العسكرية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023 كشفت "هآرتس" وفاة عاملين من قطاع غزة أثناء احتجازهما في منشآت عسكرية بالضفة الغربية، بعدما اعتقل الجيش آلاف العمال الغزيين الذين كانوا داخل الأراضي المحتلة بتصاريح عمل عند اندلاع العدوان.
وتشير بيانات فبراير إلى أن 520 من الجثامين المعروفة الهوية كانت محفوظة في ثلاجات داخل منشآت عسكرية، بينما دُفن 256 في أربع مقابر عسكرية مغلقة تعرف فلسطينيًا باسم "مقابر الأرقام"؛ حيث يرتبط كل قبر برقم في سجلات سلطات الاحتلال بدل كتابة اسم صاحبه على الشاهد.
ويظهر معسكر سدي تيمان في النقب بوصفه أبرز موقع موثق لتجميع الرفات بعد طوفان الأقصى، ففي أبريل/نيسان 2025 كشف موقع يديعوت أحرونوت أن الحاخامية العسكرية أعادت فحص 1660 كيسًا من الرفات المصنفة حينها بصفتها تعود إلى مهاجمي 7 أكتوبر، بعد الاشتباه بوجود بقايا إسرائيليين بينها، وهو ما أثبتته الفحوص لاحقًا.
وفي سبتمبر/أيلول وصف العقيد احتياط أفنير كوهين، القائد السابق لمركز التعرف إلى القتلى في معسكر "شورا"، منشأة سدي تيمان بأنها "محطة تجميع قتلى العدو"، وقال: إن بعض الجثامين تدفن فيما تبقى أخرى مجمدة.
بدوره تحدث جندي احتياط في شهادة نشرها الموقع في يونيو/حزيران 2026 عن تخزين نحو 1600 جثمان في حاويات بالموقع خلال المرحلة الأولى بعد 7 أكتوبر.
وتظهر في السجلات الإسرائيلية العلنية مقبرتان عسكريتان بالاسم، ففي مايو/أيار 2016، أبلغت حكومة الاحتلال مركز "هموكيد" الإسرائيلي لحقوق الفرد، الذي يتابع قضايا الفلسطينيين أمام المحاكم، بوجود مقبرة لـ"قتلى العدو" قرب جسر آدم في غور الأردن وأخرى في معسكر عميعاد شمال فلسطين المحتلة.
وفي سبتمبر 2017، كشفت يديعوت أحرونوت، استنادًا إلى إفادة قدمتها دولة الاحتلال للمحكمة العليا، دفن أربعة فلسطينيين في الموقع القريب من جسر آدم.
أما "الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين" فتوثق 4 "مقابر أرقام" تاريخية، بينها جسر آدم وجسر بنات يعقوب وموقعان آخران في شمال فلسطين المحتلة وغور الأردن.
فيما أحصى تحقيق "هآرتس" في فبراير 2026 وجود 256 جثمانًا معروف الهوية في 4 مقابر من دون نشر أسمائها كاملة أو توزيع الجثامين بينها.
ويؤدي المركز الإسرائيلي للطب الشرعي "أبو كبير"، التابع لوزارة الصحة الإسرائيلية في جنوب تل أبيب، إلى جانب معسكر "شورا" قرب الرملة، دورًا في فحص الجثامين وتشريحها والتعرف إلى الهوية.
وينص إجراء رسمي لشرطة الاحتلال على نقل الجثامين إلى أبو كبير لاستكمال الإجراءات قبل نقلها إلى الجيش، بينما تحول "شورا" بعد 7 أكتوبر إلى مركز واسع لفحص الرفات بالحمض النووي والبصمات والأسنان.
وبعد انتهاء إجراءات الفحص والتعرف، تُنقل الجثامين إلى منشآت الجيش، حيث تحفظ في الثلاجات العسكرية أو تدفن في المقابر المغلقة.

شرعنة احتجاز الجثامين
تستند سلطات الاحتلال في احتجاز الجثامين إلى المادة 133(3) من أنظمة الدفاع للطوارئ الصادرة عام 1945 إبان الانتداب البريطاني، وهي مادة تمنح القائد العسكري سلطة تحديد مكان دفن الجثمان.
عام 2004 تبنى المستشار القضائي للحكومة آنذاك ميني مزوز موقفًا يقيد الاحتفاظ بالحالات التي تحمل قيمة تفاوضية محددة أو ترتبط بظرف أمني ملموس.
وفي يناير 2017، أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية "الكابينت"، سياسة موحدة للتعامل مع جثامين منفذي الهجمات، ربطت إعادتها بشروط تفرضها تل أبيب على الدفن والجنازات، واستثنت حالات مرتبطة بحركة المقاومة الإسلامية حماس وعمليات صنفتها “استثنائية”.
وجاء ذلك بهدف تعزيز الضغط في ملف الجنود والمستوطنين الإسرائيليين الذين كانت حماس تحتجزهم في قطاع غزة.
وصل الملف في ديسمبر/كانون الأول 2017 إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، ضمن التماسات قدمتها عائلات فلسطينيين تحتجز سلطات الاحتلال جثامينهم، بينها عائلة بهاء عليان.
وقضت الأغلبية بأن النص الموروث من الانتداب لا يوفر تفويضًا واضحًا لاستخدام الجثامين في المساومة، ومنحت الحكومة ستة أشهر لإقرار تشريع صريح إذا أرادت مواصلة ذات السياسة.
وبعد طلب الحكومة إعادة النظر، أصدرت هيئة موسعة من سبعة قضاة حكمًا جديدًا في 9 سبتمبر 2019 بأغلبية أربعة مقابل ثلاثة، وسمحت للقائد العسكري بـ"الدفن المؤقت" لجثامين من تصفهم سلطات الاحتلال بمنفذي الهجمات أو "قتلى العدو" لأسباب أمنية.
ويشمل ذلك استخدامها في مفاوضات لاستعادة عسكريين وجثامين جنود ومستوطنين إسرائيليين تحتجزهم الفصائل الفلسطينية.
وشدد الحكم على مراجعة استمرار الاحتجاز بصورة دورية، فيما ربط القاضي في المحكمة العليا نيل هندل إبقاء الجثمان بوجود مفاوضات أو احتمال فعلي لها وبالقيمة التي يمكن أن يحملها في تلك المفاوضات.
وكانت الدولة قد قدمت للمحكمة تقديرات أمنية تقول: إن الاحتفاظ بالجثامين يساعد في استعادة إسرائيليين، وهي الحجة التي قبلتها الأغلبية في ظل وجود ملف أسرى ومفقودين قائم آنذاك.
وفي سبتمبر 2020 وسع “الكابينت” هذه السياسة، بحيث أصبح من الممكن احتجاز جثامين منفذي هجمات من تنظيمات مختلفة وفق خصائص العملية والتقديرات الأمنية.
وأيدت المحكمة العليا السياسة الموسعة في أغسطس 2021، وبقيت الأحكام خلال تلك المرحلة مرتبطة بمن تصنفهم سلطات الاحتلال منفذي هجمات أو “قتلى عدو”.
ثم امتدت السياسة بعد 7 أكتوبر إلى فلسطينيي 1948، ففي يونيو 2024 قرر الكابينت الاحتفاظ بجثامين سبعة منهم، بينهم الأسير الفلسطيني وليد دقة الذي استشهد داخل سجون الاحتلال في أبريل من العام نفسه.
وفي 30 سبتمبر، أيدت المحكمة العليا استمرار احتجاز جثمان دقة بعدما دفعت الحكومة بأنه يحمل قيمة رمزية يمكن أن تستخدمها في مفاوضات الأسرى والمفقودين.
وفي 5 يناير 2025 رفضت المحكمة التماسات قدمتها عائلات 6 فلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، وسجل القاضي دافيد مينتس أن نحو مئة إسرائيلي كانوا ما يزالون محتجزين في غزة، وأن هذا الملف يقع ضمن معادلة وصفتها المحكمة بعبارة "جثامين مقابل جثامين".
وبقي ملف الأسرى الإسرائيليين حاضرًا في المبررات التي قدمتها سلطات الاحتلال أمام القضاء حتى مطلع 2026. وفي 26 يناير من نفس العام، أعلن الجيش استعادة رفات الشرطي الإسرائيلي ران غويلي، آخر محتجز إسرائيلي متوفى بقي في غزة.
وبعد إغلاق ملف المحتجزين الإسرائيليين، كشفت "هآرتس" أن زيني وجيش الاحتلال يؤيدان إبقاء الجثامين تحسبًا لعمليات أسر مستقبلية، فيما يرى المستشار القانوني للشاباك أن استمرار احتجاز جثمان شخص ثبت عدم مشاركته في القتال يفتقر إلى أساس قانوني قائم.

الجثامين وصفقات التبادل
دخلت الجثامين في صفقات تبادل منذ عقود، ففي سبتمبر 1991 أفرجت إسرائيل عن 51 معتقلًا لبنانيًا وأعادت القيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين علي عبد الله أبو هلال، إلى الضفة الغربية مقابل جثمان الجندي الإسرائيلي سمير أسعد الذي فُقد في لبنان عام 1983.
وفي يوليو/تموز 1996 استعادت جثماني الجنديين يوسف فينك ورحاميم الشيخ من حزب الله مقابل تسليم 105 جثامين.
وفي يونيو 1998 استعادت إسرائيل رفات إيتامار إيليا، أحد عناصر الكوماندوز البحري الذين قتلوا في عملية أنصارية عام 1997، مقابل 40 جثمانًا و60 معتقلًا لبنانيًا.
ثم استعادت في يناير 2004 الإسرائيلي إلحانان تننباوم، الذي كان حزب الله يحتجزه حيًا، إلى جانب جثامين ثلاثة جنود هم بني أبراهام وعدي أفيتان وعمر سواعد ضمن صفقة واسعة شملت إطلاق مئات الأسرى والمعتقلين.
وجاءت صفقة يوليو 2008 مع حزب الله كواحدة من أبرز السوابق في استخدام مخزون كبير من الجثامين، حين استعادت إسرائيل جثماني الجنديين إيهود غولدفاسر وإلداد ريغف، وأطلقت الأسير اللبناني سمير القنطار وأربعة من عناصر حزب الله وسلمت رفاتًا كانت تحتجزها.
وتحدث موقع "واللا" العبري وتقييم صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عن 199 جثمانًا، كما استُخرجت رفات من مقبرة قرب كيبوتس عميعاد في الجليل الأعلى شمال فلسطين المحتلة قبل نقلها إلى لبنان.
ومع احتجاز حماس جثماني الجنديين هدار غولدين وأورون شاؤول منذ عام 2014 ومستوطنين إسرائيليين في غزة، دخل الاحتفاظ بالجثامين في سياسة حكومية أكثر انتظامًا.
وربط قرار الكابينت الصادر عام 2017 احتجاز الجثامين بملف الأسرى والمفقودين، وفي العام نفسه أعلن يوآف مردخاي، منسق أعمال حكومة الاحتلال بالأراضي الفلسطينية آنذاك، ربط السماح لحماس والجهاد الإسلامي باستخراج جثامين عناصرهما من نفق قصفه الجيش قرب غزة بتحقيق تقدم في ملف الإسرائيليين المحتجزين.
وخلال اتفاق وقف إطلاق النار الهش بغزة في أكتوبر 2025 أصبحت الجثامين جزءًا من معادلة كمية معلنة، إذ نصت الترتيبات على إعادة 15 جثمانًا فلسطينيًا مقابل كل جثمان إسرائيلي يعاد من القطاع.
وفي 29 يناير 2026 أفادت يديعوت أحرونوت أن إسرائيل أعادت 15 جثمانًا فلسطينيًا إلى قطاع غزة ضمن تنفيذ الاتفاق. ثم جاء كشف أغسطس ليضع المخزون المتبقي في سياق مختلف، بعدما أصبح التوجه الذي يقوده زيني يقوم على الاحتفاظ به تحسبًا لعملية أسر إسرائيلية جديدة.
وسجلت المؤسسة الأمنية مواقف أكثر انتقائية في سنوات سابقة، ففي أبريل 2022 أيد الجيش والشاباك إعادة خمس جثامين بعد تقييم قيمتها الأمنية، فيما عارضت الشرطة القرار بسبب مخاوف مرتبطة بالجنازات، كما شددت المحكمة العليا في حكم 2019 على إعادة فحص القيمة التفاوضية لكل حالة.
وعلى امتداد صفقات التسعينيات والعقد الأول من الألفية، كانت الجثامين تدخل التفاوض عند نضوج اتفاق محدد، ثم تحولت منذ 2017 إلى رصيد يُحتجز في ظل وجود أسرى ومفقودين إسرائيليين بالفعل.
وفي أغسطس 2026 اتسعت السياسة مجددًا مع دفع قيادة الشاباك وجيش الاحتلال نحو إبقاء ما يقارب 1700 جثمان بعد انتهاء الملف القائم، لاستخدامها في أي مفاوضات قد تفرضها عمليات أسر مستقبلية.
المصادر
- כ־1,700 גופות פלסטינים מוחזקות בישראל, במערכת הביטחון תומכים בהשארתן למו"מ עתידי
- ישראל מחזיקה ב־776 גופות של פלסטינים וזרים שזהותם ידועה
- חשיפה: במחנה שורה יש עדיין שתי מכולות עם חלקי גופות שלא זוהו מ-7 באוקטובר
- "אחד מאנשיי התאבד, כמה אושפזו והרבה בטראומה" | מפקד מרכז זיהוי קורבנות 7/10 מדבר
- בעקבות עתירה לפי חוק חופש המידע: המדינה חשפה חלק מהנהלים העוסקים בטיפול וקבורה של גופות פלסטינים, אך מסרבת בשלב זה לאפשר עיון במסמכי ועדת ארדיטי שדנה בנושא בשנת 1999
- חוזרים הביתה: עסקאות השבויים של ישראל
- הערכה אסטרטגית לישראל


















