من الردع إلى المنع.. ماذا تغيّر في العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد ثلاث سنوات على عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية مرحلة إعادة تشكيل واسعة تحت ضغط أكبر إخفاق أمني وعسكري شهدته إسرائيل منذ عقود. 

إذ قام النموذج الأمني الإسرائيلي على الردع والإنذار المبكر والحسم السريع، ثم توسع لاحقًا ليشمل عمليات عسكرية محدودة ومتكررة لإبطاء بناء قدرات الخصوم وإبعاد المواجهة الشاملة.

لكنه اصطدم بهجوم 7 أكتوبر، في وقت كانت فيه القيادة السياسية والعسكرية وأجهزة الاستخبارات تتعامل مع حركة المقاومة الإسلامية حماس بصفتها قوة مردوعة، وتعتمد على منظومة حدودية متقدمة يفترض أن تكشف الخطر قبل تحوله إلى هجوم.

منذ ذلك الحين، أخذ مركز الثقل في التفكير الأمني ينتقل باتجاه العمل الاستباقي وإبعاد القوى المسلحة عن الحدود ومنع إعادة بناء قدراتها ونقل جزء من منظومة الدفاع إلى داخل أراضي الخصوم عبر مناطق أمنية ومواقع عسكرية متقدمة، مع إبقاء القدرة على التدخل بعد انحسار العمليات الواسعة. 

ويضع هذا التحول إسرائيل أمام معادلة مختلفة؛ إذ أصبحت المحافظة على النتائج العسكرية مرتبطة بمراقبة وضربات وانتشار مستمر، ما أثار داخل المؤسسة الأمنية نقاشًا حول تحول منع الحرب المقبلة إلى حرب ممتدة.

اهتزاز الردع

بُني التصور الأمني الإسرائيلي منذ عهد دافيد بن غوريون، أول رئيس حكومة لإسرائيل وأحد أبرز مؤسسيها، على ثلاث ركائز مركزية هي الردع والإنذار المبكر والحسم، في ظل افتقارها إلى عمق جغرافي يسمح لها بتحمل حرب طويلة. 

وفي أبريل/نيسان 2006، قدمت لجنة ترأسها دان مريدور، وهو سياسي إسرائيلي تولى مناصب بينها وزير القضاء والمالية والاستخبارات ونائب رئيس الحكومة، مراجعة للعقيدة أضافت الدفاع إلى الركائز القديمة مع تصاعد خطر الصواريخ والمنظمات المسلحة على الجبهة الداخلية.

ومع تطور القوة الجوية والاستخباراتية والسيبرانية، توسعت سياسة "المعركة بين الحروب"، وهي عمليات عسكرية محدودة ومتكررة تنفذها إسرائيل بين المواجهات الكبرى بهدف إبطاء بناء قدرات الخصوم وإبعاد الحرب الشاملة.

وفي دراسة نشرها مركز دادو للدراسات العسكرية عام 2019، شرح اللواء احتياط نيتسان ألون القائد السابق للمنطقة الوسطى بالجيش ورئيس شعبة العمليات سابقًا، والباحثة العسكرية دانا برايسلر-سويري أن هذا النموذج يستهدف تقليص التهديدات وإبطاء بناء القوة وتعزيز الردع وإبعاد الحرب التالية.

وأدخل 7 أكتوبر هذا التصور في أعمق مراجعة له منذ عقود، ففي 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 نشر جيش الاحتلال خلاصة عمل فريق الخبراء الذي راجع التحقيقات الداخلية المتعلقة بالهجوم، ووضع "فشلًا مفاهيميًا" في مقدمة الأسباب التي أدت إلى الانهيار.

كما تحدث عن فشل استخباري وسوء تعامل مع مؤشرات وتحذيرات سبقت الهجوم، ومشكلات داخلية تراكمت داخل المؤسسة العسكرية، بينها ترسخ تقديرات قللت من خطورة التهديد، وفجوة بين السيناريوهات التي كان الجيش يعرف أنها ممكنة وبين مستوى القوات والاستعداد الفعلي لمواجهتها.

وخلص الفريق إلى أن الأجهزة امتلكت معلومات غير عادية كان ينبغي أن تفضي إلى تحذير، فيما أخفقت شعبة الاستخبارات والقيادة الجنوبية وفرقة غزة في تحويلها إلى جاهزية تمنع الهجوم، وأوصى بجعل احتمال "الحرب المفاجئة" مرجعًا دائمًا لبناء القوة والاستعداد. 

وكان الاعتقاد بأن "حماس مردوعة" أحد أوضح تعبيرات الأزمة؛ إذ كتب أمير لوبوفيتشي، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في مارس/آذار 2024 أن الردع احتفظ طويلًا بموقع مركزي في التفكير الأمني الإسرائيلي.

لكن، أظهرت السنوات السابقة للهجوم إشارات متكررة إلى محدودية أثره على الحركة جرى تفسيرها انطلاقًا من فرضية أنها لا تريد مواجهة واسعة. ويتواصل الخلاف داخل الأوساط الأمنية حول موضع الفشل الحقيقي.

إذ كتب عيدو هيخت، الباحث في التاريخ والنظرية العسكرية في مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية بجامعة بار إيلان، في 7 أكتوبر 2024 أن الأزمة تراكمت خلال ثلاثة عقود من التغييرات في فهم الحرب وبناء الجيش وتطبيق مبادئ الردع والإنذار والحسم.

ويعكس هذا الخلاف سؤالًا بقي حاضرًا بعد الحرب حول موضع الخلل بين مبادئ العقيدة نفسها وطريقة تطبيقها، لكن التخطيط العسكري اتجه في الحالتين نحو الاستعداد لاحتمال فشل الردع والإنذار معًا، وإعطاء قدرات الخصم وزنًا أكبر في تقدير الخطر.

ملامح العقيدة الجديدة

بعد 7 أكتوبر، اتجه النقاش الأمني داخل إسرائيل نحو تقليص الاعتماد على الردع وحده، ومنح العمل الاستباقي موقعًا أكبر في التعامل مع التهديدات وبرزت في هذا السياق مفاهيم مثل "المنع"، وإبعاد التهديد عن الحدود، وإبقاء حرية العمل العسكري لمنع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم.

وفي 17 سبتمبر/أيلول 2024، نشر يديديا يعاري، القائد السابق لسلاح البحرية والرئيس التنفيذي السابق لشركة رافائيل للصناعات العسكرية، مقالًا في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعنوان "استبدال الردع بالمنع"، دعا فيه إلى إعطاء منع الهجوم قبل تنفيذه موقعًا متقدمًا في التعامل مع التهديدات.

وفي وثيقة سياسة للعامين 2025 و2026، اقترح معهد دراسات الأمن القومي إضافة "المنع" إلى ركائز العقيدة الأمنية إلى جانب الردع والإنذار والحسم والدفاع، وربطه باكتشاف التهديدات الناشئة وإحباطها في مرحلة مبكرة، مع الإشارة إلى جذوره في سياسة "المعركة بين الحروب".

وقال وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس في 24 مارس/آذار 2026 خلال تقييم للوضع العسكري: إن الجيش سيحتفظ بمنطقة أمنية داخل لبنان تصل إلى نهر الليطاني، وربط بقاءها بإزالة تهديد حزب الله عن الحدود.

وفي 30 يونيو/حزيران 2026، قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو خلال توغله في جنوب لبنان إن إنشاء "مناطق عازلة وأمنية" في الجانب الآخر من الحدود يمثل "تغييرًا في المفهوم"، وربطه بما يطبقه الجيش في لبنان وغزة.

وجاءت الصياغة العسكرية الأوضح في 9 يوليو/تموز 2026، حين قال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير: إن الجيش "يطبق عقيدة أمنية جديدة"، وحدد عناصرها في ضرب العدو وإزالة التهديدات مسبقًا، وتمركز القوات بين مصادر التهديد والتجمعات الإسرائيلية على امتداد الحدود، وإنشاء مناطق منزوعة السلاح داخل أرض الخصم.

وفي 11 سبتمبر/أيلول 2026، قدّر المحلل العسكري رون بن يشاي في موقع "يديعوت أحرونوت" أن قوات الاحتلال تسيطر عملياتيًا على نحو 1220 كيلومترًا مربعًا في غزة ولبنان وسوريا، وتحتفظ بـ63 موقعًا عسكريًا فيها.

ويختلف التطبيق من جبهة إلى أخرى، ففي غزة ترتبط السياسة بالاحتفاظ بحرية العودة العسكرية وملاحقة محاولات حماس والجهاد الإسلامي استعادة قدراتهما، وفي لبنان تتركز على إبعاد حزب الله عن الحدود وضرب إعادة تسليحه وطرق إمداده.

وبدورها، تقوم في سوريا على مواقع متقدمة وضربات تستهدف منع تمركز قوى تعتبرها حكومة الاحتلال مصدر تهديد، فيما يأخذ مفهوم المنع تجاه إيران بعدًا يرتبط بالصواريخ والقدرات الإستراتيجية بعيدة المدى.

ويكمن الفارق عن "المعركة بين الحروب" في اتساع المهمة؛ إذ انتقل التركيز من إبطاء بناء قدرات الخصوم وإبعاد المواجهة المقبلة إلى الضرب الاستباقي، والانتشار البري، والمناطق الأمنية، ومنع إعادة بناء القوة.

من الحرب إلى الاستنزاف 

لكن هذا النموذج يفرض كلفة متزايدة على جيش يعتمد بدرجة كبيرة على قوات الاحتياط، ويتطلب في الوقت نفسه انتشارًا طويلًا على أكثر من جبهة. 

ومع إطالة أمد القتال، تتزايد الضغوط على القوى البشرية والاقتصاد والإنفاق العسكري، وهو ما فتح داخل إسرائيل نقاشًا حول قدرة الجيش والدولة على تحمّل حرب ممتدة بهذا الشكل.

العميد احتياط مئير فينكل، رئيس مجال البحث في مركز دادو للتفكير العسكري، كتب في 5 مايو/أيار 2026 أن الجمع بين طول الحرب وتعدد ساحاتها خلق تحديات تختلف عن الحروب التي صممت حولها خطط الجيش السابقة، بما يفرض تحديث الاستراتيجية العسكرية وأنماط التخطيط وبناء القوة.

وتظهر حدود هذا النموذج في أزمة القوى البشرية؛ إذ إن كتيبة الاحتياط الواحدة خدمت في المتوسط نحو 140 يومًا خلال 2025، بعد تشغيل 207 كتائب احتياط في 2024 و214 كتيبة في 2025، فيما استهدفت الخطة الأصلية لعام 2026 خفض متوسط الخدمة إلى نحو 60 يومًا إذا سمح الوضع العملياتي .

وفي 10 مايو 2026، حذر زامير خلال جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست من أن "جيش الاحتياط سينهار على نفسه" إذا استمرَّ العبء من دون توسيع قاعدة المجندين وتعديل مدة الخدمة.

بعد أيام قدم العميد شاي طيب، رئيس شعبة التخطيط وإدارة القوى البشرية في هيئة الأركان، أرقامًا تشير إلى نقص بنحو 12 ألف جندي نظامي يمكن أن يرتفع إلى 17 ألفًا مطلع 2027 إذا بقيت ترتيبات الخدمة على حالها، بالتزامن مع توقع وصول عدد الحريديم (اليهود المتدينين) المصنفين متخلفين عن التجنيد إلى نحو 90 ألفًا.

وتتراكم الكلفة المادية بالتوازي مع أزمة القوى البشرية؛ إذ أظهر تقرير للحساب العام بوزارة المالية في سبتمبر 2026 أن الإنفاق الحكومي المباشر المرتبط بالحرب بلغ نحو 231 مليار شيكل بين 2023 و2025، بينها قرابة 166 مليارًا للنفقات الأمنية (الدولار يساوي 3 شواكل).

فيما بلغت مدفوعات خدمة الاحتياط نحو 37 مليار شيكل في 2024 و32 مليارًا في 2025، مقارنة بـ8.7 مليارات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2023.

وفي 6 يوليو 2026، قدّر بنك إسرائيل المركزي، عجز الموازنة بنحو 4.9 بالمئة من الناتج ونسبة الدين قرب 69 بالمئة، فيما حذر في تقرير لاحق خلال الشهر نفسه من أن رفع موازنة الأمن إلى نحو 183 مليار شيكل قد يدفع العجز إلى قرابة 5.5 بالمئة.

وتشكل المساعدة العسكرية الأميركية عنصرًا رئيسا في قدرة إسرائيل على الحفاظ على هذا المستوى من النشاط العسكري؛ إذ توضح خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي أن مذكرة التفاهم الحالية للفترة 2019-2028 تبلغ قيمتها 38 مليار دولار.

وجاء ذلك بواقع 3.3 مليارات دولار سنويًا من التمويل العسكري الخارجي و500 مليون دولار للدفاع الصاروخي، إلى جانب المخصصات الإضافية التي أقرها الكونغرس خلال الحرب. 

وفي يونيو 2026 بدأت وزارتا الجيش الإسرائيلية والحرب الأميركية مفاوضات بشأن إطار تعاون جديد لما بعد 2028، في وقت رفع فيه العدوان العسكري الطويل استهلاك الذخائر ومنظومات الاعتراض والحاجة إلى إعادة ملء المخزونات.

ومع اتساع تعريف التهديد المطلوب إزالته، تصاعدت داخل إسرائيل التحذيرات من الكلفة الإستراتيجية لهذا المسار؛ إذ رأت دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي في أبريل 2026 أن السعي إلى "الأمن المطلق" يدفع إسرائيل باتجاه "حرب دائمة".