حرب شاملة.. لماذا اختار العليمي هذا التوقيت لحسم المعركة مع الحوثيين؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

دخل اليمن مرحلة عسكرية جديدة مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بدء عمليات عسكرية شاملة لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعد سنوات من التهدئة والمفاوضات امتدت منذ إعلان الهدنة في أكتوبر/ تشرين الأول 2022.

ويطرح هذا التحول تساؤلات عدة بشأن توقيته، ومدى قدرة القوات الحكومية المعترف بها دوليًا على ترجمة القرار إلى تقدم ميداني، إلى جانب تنفيذ تعهداتها بحماية المدنيين، والعفو عمن يترك السلاح، وإعادة الرواتب والخدمات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين.

توقيت التحول

اختارت الحكومة هذا التوقيت بعدما قال العليمي: إن فرص التهدئة استُنفدت، وإن الحوثيين واصلوا الحشد والتصعيد والهجمات والتهديدات ضد المدنيين والمنشآت ودول الجوار والممرات البحرية الدولية.

ويعزز التصعيد الميداني هذا التفسير، إذ أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات في صنعاء وصعدة وميدي وباقم والجوف ومأرب والبيضاء ولحج، مع تركيز الجهد على تعز، وقالت إنها نفذت 257 عملية استهداف دقيقة، بالتزامن مع اتساع المواجهات على جبهات متعددة.

وقال الكاتب والمحلل السياسي اليمني أحمد الصدقة: إن اليمن دخل "مرحلة جديدة من الحرب والتصعيد"، مقدرا أن الإعلان يمثل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل الحكومة، وأن المسألة باتت تتعلق باستعادة زمام المبادرة وإثبات القدرة على فرض سلطة الدولة.

وأضاف الصدقة، في تصريح لـ"الاستقلال"، أن الحوثيين استثمروا سنوات التهدئة في تثبيت سلطتهم وترتيب قواتهم وتطوير قدراتهم العسكرية، ثم وسعوا التصعيد إلى البحر الأحمر ومناطق خاضعة للحكومة، وبالتالي فإن استمرار التهدئة من جانب واحد لم يعد منتجًا لتسوية، بل سمح بتغيير ميزان القوة تدريجيًا وبوضوح لمصلحتهم.

ورأى الخبير اليمني أن إعلان العليمي سيبقى مرهونًا بما يحدث ميدانيًا؛ لأن الإعلان السياسي لا يكفي دون قيادة عسكرية موحدة وخطة عمليات وتحرك متزامن للجبهات، إضافة إلى إسناد مستدام، واصفًا المواجهة بأنها "آخر العلاج الكي"، وقال إن اللجوء إليها تأخر وأصبح أكثر إلحاحًا.

ولا يرتبط توقيت الانتقال إلى الحرب الشاملة بإعلان سياسي منفصل عن التطورات العسكرية؛ فالجيش أعلن ضربات واسعة، ومحور تعز أعلن السيطرة على المقارمة والزكيرة وحصن سامع، فيما أعلن الحوثيون هجمات مقابلة.

كما ربط العليمي العمل العسكري بمسارات سياسية موازية، إذ جدد التزامه بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي-الجنوبي الذي ترعاه السعودية، كما طلب دعم الحلفاء للحكومة والقوات المسلحة والجهود الإنسانية وبرامج الإعمار.

اختبار القوة

وتظهر رسالة العليمي إلى سكان المناطق الخاضعة للحوثيين جانبًا مهمًا من حسابات التوقيت، إذ أكد أن العمليات لا تستهدف السكان ولا تمثل حربًا على مذهب أو قبيلة، ودعا المدنيين إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات وطرق الإمداد. كما عرض العودة الآمنة والعفو عمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال.

ووفق المعطيات العسكرية المعلنة، فإن القوات الحكومية لا تبدأ المواجهة من وضع دفاعي؛ إذ تحدث أحمد الصدقة عن انتشار جغرافي واسع للقوات وإمكان الضغط عبر 8 محاور وجبهات، لافتًا إلى أن تعدد المحاور قد يجبر الحوثيين على توزيع القوات والاحتياطيات والقدرات النارية على مسرح عمليات واسع.

من جهته، أكد العميد السابق محمد الكميم، خلال مقابلة تلفزيونية في 4 أكتوبر/ تشرين الأول، أن الاختلالات الرئيسية في معركة الساحل الغربي كانت في "إدارة المعركة وتنظيم النيران وغرفة العمليات"، موضحًا أن القوات كانت كبيرة ومؤهلة وجاهزة ومدربة ومنظمة، لكن مشكلات الإدارة أثرت في الاستخدام الفعلي السليم لها.

وأشار الكميم إلى اختلالات في توزيع القطاعات العسكرية بين الساحل الغربي ومحور تعز، مستشهدًا بفجوات بين محاور وقطاعات استغلها الحوثيون للتقدم، وقال إن هذه الأخطاء جرى تلافيها عبر إعادة تنظيم إدارة المعركة وغرفة العمليات، بما يسمح للتشكيلات القتالية بالعمل ضمن إطار من التنظيم والتعاون المشترك.

ووفقًا للكميم، أصبحت القوات المسلحة اليمنية في حالة جاهزية عالية واستعداد قتالي مرتفع جدًا، مع نشر قوات كبيرة على جبهات متعددة، مبينًا أن المقاومة الشعبية تؤدي دورًا استثنائيًا، وأن هناك تعبئة عامة وخطة لاستقبال 100 ألف مقاتل إلى جانب القوات المسلحة، مع توفر الأسلحة اللازمة.

وفي هذه النقطة، رأى الصدقة أن الدعم السعودي سيكون عاملًا حاسمًا إذا تحول من دعم سياسي وعسكري متفاوت إلى التزام متكامل بالحملة، يشمل الاستخبارات والاستطلاع والإسناد الجوي والدفاع الجوي والإمداد والذخائر والقيادة والسيطرة وتأمين خطوط الإمداد، مؤكدًا أن حجم الإسناد سيؤثر في قدرة القوات على الحفاظ على أي تقدم.

معركة معقدة

غير أن القدرة على تنفيذ ضربات لا تعني وحدها تحقيق اختراق مستدام؛ فقد أعلنت القوات الحكومية استهداف مراكز قيادة وسيطرة وتجمعات وخطوط إمداد، إلى جانب تنفيذ ضربات في عدة جبهات. كما أسقطت الدفاعات الجوية مسيرات حوثية، وأعلن الجيش السيطرة على مواقع في تعز، ما يجعل ثبات التقدم الاختبار الأهم.

وتظهر تجربة الساحل الغربي، بحسب الكميم، أن القوات والتدريب والتسليح قد لا تمنع التعثر إذا اختلت إدارة المعركة وتنظيم النيران وتوزيع القطاعات. ومن ثم، فإن إصلاح المشكلات الإدارية يمثل جزءًا مهمًا من اختبار قدرة القوات الحكومية على تحويل الجاهزية إلى نتائج فعلية ملموسة.

أما العقبات الميدانية فتشمل الألغام والتحصينات والطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى جانب الخبرة القتالية الطويلة. وقال الكميم إن الحوثيين يمتلكون أسلحة إيرانية متطورة وتقنيات مرتبطة بالأقمار الصناعية، واستخدموا أسلحة باليستية وصواريخ متطورة وأسلحة ذكية بإحداثيات دقيقة، ما يعقد مهمة القوات الحكومية ميدانيًا وفي مختلف الجبهات.

وتتداخل هذه العقبات مع طبيعة المناطق الخاضعة للحوثيين، واحتمال انتقال القتال إلى مناطق أكثر كثافة بالسكان، وما قد ينتج عنه من خسائر ونزوح وتضرر للبنية التحتية. وفي المقابل، تشير المعطيات إلى أن الحكومة حققت تقدمًا في مواقع بتعز، فيما تستمر المواجهات والهجمات المتبادلة على جبهات عدة.

كما يمثل امتداد المعارك من مأرب والجوف شمالًا إلى تعز ولحج جنوبًا، بالتزامن مع التصعيد في صعدة، تحديًا لوجستيًا وعملياتيًا واضحًا، بحسب ما تعكسه التطورات المعلنة. وفي ظل تعدد المناطق والجبهات، يصبح تنسيق النيران والإمداد والقيادة ضروريًا لمنع تكرار الفجوات التي شهدتها معارك الساحل الغربي.

وهنا، يرى الصدقة أن تعدد التشكيلات والقوى المناهضة للحوثيين يمثل إحدى أبرز نقاط ضعف المعسكر، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في نقص المقاتلين بقدر ما ترتبط بتعدد مراكز القيادة والولاءات وسلاسل الأوامر والأهداف السياسية، وأن كثرة القوات لا تعني تلقائيًا امتلاك جيش قادر على تنفيذ عملية إستراتيجية واحدة.

وأشار الصدقة إلى إمكانية تحويل هذا التعدد جزئيًا إلى عنصر قوة من خلال غرفة عمليات مشتركة وقيادة موحدة تحدد الأهداف وتوزع الأدوار وتربط الجبهات وتمنع التنافس أو التعارض، موضحًا أن تحرك مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي والجوف وغيرها ضمن تصور واحد سيصعب مهمة الحوثيين.

عودة الدولة

وتعطي تصريحات الكميم دعمًا لهذا المسار من زاوية مختلفة، إذ تحدث عن إعادة تنظيم غرفة العمليات وإدارة المعركة وربط التشكيلات بقطاعات النيران والقطاعات الجغرافية، ما يعني أن معالجة مشكلة التعدد تحتاج إلى تنظيم تعاونها داخل هيكل عملياتي واحد ومتناسق.

وتبقى حماية المدنيين والقدرة على إدارة المناطق المستعادة من أوسع الاختبارات، فقد أكد العليمي أن العمليات ليست موجهة ضد السكان، وأن الحكومة ملتزمة بالقانون والعودة الآمنة والعفو المعلن قانونيًا، كما وجه بإعداد برنامج لاستئناف الرواتب ومعالجة المتأخرات وإصلاح البنية التحتية والخدمات وتهيئة ظروف عودة النازحين.

ووضع الصدقة هذه المهمة في صلب المعركة، مؤكدًا أن "استعادة الأرض أسهل من إعادة الدولة إليها"، محذرًا من أن حماية المدنيين وإعادة النازحين وإعادة الخدمات ستكون من أصعب الاختبارات إذا توسعت العمليات، ومشددًا على أن الملف الإنساني يجب أن يكون جزءًا من الخطة منذ بدايتها.

وبحسب الخبير اليمني، تحتاج الحكومة إلى مسار موازٍ للعملية العسكرية تشارك فيه السعودية بصورة رئيسة، إلى جانب الأمم المتحدة والمانحين والمنظمات الإنسانية، لتوفير ممرات آمنة وإزالة الألغام والإغاثة وإعادة الكهرباء والمياه والصحة وتأهيل الإدارة المحلية والأجهزة الأمنية، لأن الموارد الحكومية الحالية لا تكفي لتحمل العبء.

وتكشف موجات النزوح في حيس والخوخة وأربع مديريات في تعز، أبرزها المخا وباب المندب، حجم التحدي الإنساني المتصل بالتصعيد. كما أن مخلفات الحرب وتدمير البنية التحتية واحتمال انتقال المعارك إلى مناطق مأهولة يضعان التعهدات الحكومية أمام اختبار عملي لا يقتصر على الخطاب السياسي أو الإعلان العسكري.

وفي المحصلة، تضع الحكومة نفسها أمام مهمتين: تحقيق تقدم عسكري ثم تثبيت سلطة الدولة، وفق تدوينة نشرها الإعلامي اليمني علي الفقيه على منصة "إكس" في 4 أكتوبر/ تشرين الأول، رأى فيها أن خطاب العليمي الأخير قد يكون "الأول في مرحلة جديدة ومختلفة أو الأخير".

وفي السياق ذاته، وصف الناشط السياسي اليمني هزاع البيل، في تدوينة على "إكس" في 4 أكتوبر/ تشرين الأول، الحرب التي أعلنها العليمي على الحوثيين بأنها "معركة وجود"، كونها تتعلق بأرض اليمنيين وتاريخهم وحياتهم، ومن أجل أبنائهم وأعراضهم وأرضهم وكل ما ينتمون إليه.