السفن الروسية في طبرق.. هل تتحول ليبيا إلى جسر موسكو نحو إفريقيا؟

تزامن الإمدادات الروسية والهجمات البحرية يهدد بتحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة دولية
عند ميناء طبرق شرقي ليبيا، كشفت صور أقمار صناعية التُقطت في 13 سبتمبر/ أيلول 2026، عن وجود ثلاث سفن روسية، في تحرك أعاد طرح سؤال يتجاوز طبيعة حمولتها: ماذا تبني موسكو على الساحل الليبي؟
فالقافلة التي ربطت تقارير وصولها بنقل مدرعات ومعدات إمداد، تتزامن مع توسع منشآت عسكرية في الداخل، وعلاقة متنامية مع قوات الجنرال خليفة حفتر، ومسارات نقل تمتد إلى دول الساحل الإفريقي.
تبدأ القصة من البحر، لكنها لا تنتهي عند أرصفة التفريغ، فخلف طبرق، توجد قواعد جوية وطرق برية تمنح الإمدادات منافذ إلى الشرق والوسط والجنوب، وتضع ليبيا عند تقاطع الحضور الروسي في البحر المتوسط وعملياته في إفريقيا.
وفي المقابل، تكثف قوى غربية مراقبتها، فيما يستمر الغموض بشأن وجهة الشحنة وحدود الترتيبات التي تسمح باستقبالها.
فكيف توظف موسكو الموانئ الليبية لبناء هذه الشبكة؟ وهل تؤسس هذه التحركات لحضور طويل الأمد، أم تبقى تسهيلات مرتبطة بحسابات الحلفاء المحليين؟ وما الذي تكسبه روسيا، وما الثمن الذي قد تدفعه ليبيا حين تصبح سواحلها جزءًا من تنافس يتجاوز حدودها؟

طبرق.. الميناء وما وراءه
تكونت القافلة من سفينتي الشحن "أناستاسيا" و"يوري أرشينيفسكي"، وسفينة الإنزال "ألكسندر شابالين". ووفق تحليل صور نقلته وكالة "نوفا" الإيطالية، ظهرت الأولى داخل ميناء طبرق، والثانية عند مدخله، فيما كانت الثالثة أبعد في البحر. وكانت السفن قد توقفت عن بث بيانات التعريف الآلي علنًا، قبل أن تكشف الصور مواقعها.
أما الحديث عن الحمولة، فيستند إلى صور أقدم التُقطت في قاعدة بالتيسك الروسية، وأظهرت شاحنات "أورال" فوق "أناستاسيا"، ومدرعات قرب "يوري أرشينيفسكي"، صُنفت بوصفها ناقلات جنود ومركبات مقاومة للألغام والكمائن.
وهذا فارق أساسي؛ فالصور تربط القافلة بمعدات عسكرية، لكنها لا تكشف وحدها المستفيد النهائي أو مسار كل مركبة بعد الوصول.
واختيار طبرق مفهوم جغرافيًا وعسكريًا ووظيفيًا، فالميناء يقع ضمن مناطق سيطرة قوات حفتر، وتجاوره قاعدة بحرية، فيما تقع جنوبه قاعدة جمال عبد الناصر الجوية في العدم.
ولهذه الوظيفة سوابق؛ إذ شهد الميناء في أبريل/ نيسان 2024 تفريغ مدفعية وشاحنات ومدرعات ومنظومات إطلاق صواريخ روسية، ثم استقبال قطع بحرية أعلنت قيادة حفتر أنها جاءت للتدريب وتبادل الخبرات.
وأعلنت القيادة، في يوليو/ تموز 2026، أعمال صيانة وتطوير بقاعدة جمال عبد الناصر، شملت المهابط والمقرات واستحداث أسراب، بما يعزز إمكان الربط بين الإمداد البحري والنقل الجوي نحو القواعد الداخلية.
لكن تكرار الوصول لا يعادل إعلان قاعدة روسية؛ فالتحول إلى مركز إمداد ثابت يتطلب معرفة انتظام الرحلات، وحجم التخزين والصيانة، وطبيعة الوجود العسكري.
وحتى تتضح هذه العناصر، تبدو طبرق منفذًا يمكن توسيع استخدامه، بينما تبقى تفاصيل الترتيبات والوجهات التالية للشحنات خارج ما تثبته الصور المتاحة.
ست قواعد وجسر إلى إفريقيا
وحاليًا، وراء المنفذ البحري، تتوزع شبكة روسية على قواعد الخادم والجفرة والقرضابية وتمنهنت وبراك الشاطئ ومعطن السارة، وهي منشآت ليبية يُرصد فيها حضور روسي، وليست ست قواعد روسية مستقلة أُنشئت من الصفر، وهو تمييز يوضح كيف تستفيد موسكو من بنية قائمة وتطور قدرتها على استخدامها.
وفي دراسة نشرها مشروع "تيرلاين" في يونيو/ حزيران 2026، وأعدها باحثون بجامعة تكساس بالتعاون مع الوكالة الأميركية للاستخبارات الجغرافية المكانية، رُصدت إنشاءات وتجديدات في المواقع الست.
وشملت الأعمال حظائر وثكنات وممرات وساحات للطائرات، بينها ثلاث حظائر جديدة في الخادم، لكنها حذرت من أن الأدلة لا تنسب تمويل كل توسع إلى الكرملين، ولا تستبعد مبادرات ليبية مستقلة.
ومع ذلك، يرجح الباحثون أن تطوير المواقع التي يستخدمها "الفيلق الإفريقي" يدعم العمليات الروسية في شمال إفريقيا والساحل.
فمعطن السارة، قرب حدود تشاد والسودان، توفر عمقًا جنوبيًا للشبكة، بينما تتيح منشآت الإقامة والصيانة والإمداد استمرار التشغيل، بدلًا من الاقتصار على استقبال رحلات عابرة.
وتبعًا لهذه الوظيفة، يصبح تطوير المهابط والحظائر استثمارًا مباشرًا في القدرة على الاحتفاظ بالقوات وتحريكها عند تغير الاحتياجات الميدانية.
وتكشف حركة الطيران جانبًا أكثر تحديدًا من وجهة الإمدادات. فقد أحصى مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة "سي فور إيه دي إس"، ومقره واشنطن، 75 رحلة مرتبطة بالأنشطة العسكرية الروسية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بين يناير/ كانون الثاني 2025 ويوليو/ تموز 2026. ووجد أن المسار الأكثر شيوعًا يمر من روسيا عبر حميميم السورية، ثم قواعد ليبية، وصولًا إلى الساحل.
وتمنح هذه البيانات معنى عمليًا للانتشار؛ إذ تبدو ليبيا محطة وسيطة تساعد على إبقاء القوات البعيدة مزودة بالأفراد والمعدات.

حفتر.. شراكة تتجاوز شحنات السلاح
لا سيما أن شبكة الإمداد تحتاج إلى شريك يفتح الموانئ والقواعد، وهنا تظهر علاقة موسكو بخليفة حفتر.
ففي يناير/ كانون الثاني 2017، صعد قائد قوات الشرق إلى حاملة الطائرات "الأدميرال كوزنيتسوف" قبالة ليبيا، وتحدث مع وزير الدفاع الروسي آنذاك سيرغي شويغو عبر اتصال مرئي، في مشهد سبق اتساع الحضور العسكري الروسي.
لاحقًا، تمددت مجموعة "فاغنر" داخل مناطق نفوذ حفتر، قبل أن تبدأ موسكو، منذ أغسطس/ آب 2023، إعادة تنظيم هذا الحضور تحت إشراف وزارة الدفاع. ومع صعود "الفيلق الإفريقي"، وتكرار زيارات نائب الوزير يونس بك يفكوروف، باتت الصلة أكثر ارتباطًا بالمؤسسة العسكرية الروسية، وأقل اعتمادًا على الواجهة التي وفرتها المجموعة.
ويرى جلال حرشاوي، الباحث المساهم بالمعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة، أن القافلة الجديدة تقدم إشارات إضافية إلى تعزيز الحضور الروسي، مرجحًا، في حديث لصحيفة "الشرق الأوسط"، توجيه الشحنات إلى قوات حفتر.
وهذا الاحتمال يعني أن الإمدادات قد تخدم توازن القوى داخل ليبيا، بالتوازي مع الوظيفة الإفريقية للقواعد.
وتتجاوز العلاقة تسليم المعدات؛ فالخبير الروسي كيريل سيمونوف يربط تشغيل بعض منظومات الدفاع الجوي لدى قوات الشرق بالاستعانة بكوادر روسية، ويتحدث عن تدريب خالد وصدام حفتر.
وتندرج زيارتا صدام إلى موسكو هذا العام، ولقاؤه الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الدفاع في أغسطس/ آب 2026، ضمن بناء صلات مع الجيل التالي للقيادة.
وعندما يحتاج تشغيل المعدات إلى خبراء وصيانة وقطع غيار من المورد نفسه، تصبح صفقة التسليح علاقة اعتماد عسكري ممتدة.

موطئ قدم يراقبه الغرب
وعلى الضفة الأخرى للمتوسط، تُقرأ التحركات بوصفها جزءًا من إعادة توزيع الحضور الروسي، لا مجرد شحنة أسلحة إضافية لحليف.
لكن اختزال ليبيا في بديل عن سوريا يتجاهل استمرار الإمداد إلى الساحل السوري؛ فقد وثقت وكالة "رويترز" وصول أربع سفن إلى طرطوس في 7 سبتمبر/ أيلول 2026، بعد تفاهم موسكو ودمشق بشأن الوجود العسكري الروسي.
لذلك تبدو فرضية توزيع منافذ الوصول أقرب إلى الوقائع من افتراض الاستبدال الكامل؛ إذ تستطيع موسكو الاحتفاظ بالمنشآت السورية، مع تطوير الخيارات الليبية لتقليل اعتمادها على ترتيبات سياسية واحدة.
وفي دراسة نشرها المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة مطلع 2025، أوضح إدوارد بلاك وسيدهارث كوشال أن طبرق تواجه قيودًا تتعلق بالصيانة والأرصفة وغياب الحوض الجاف.
وميزا بين الحصول على منفذ للسفن وامتلاك قاعدة تدعم بقاءها طويلًا، إذ يتطلب الثاني استثمارات وتجهيزات لا يوفرها رسو السفن وحده.
فالقدرة على تزويد السفن بالوقود لا تغني عن إصلاحها، وتخزين الذخائر، وتوفير مرافق مخصصة لعمل الأطقم وإدامة الانتشار.
مع ذلك، تكفي إمكانية ترسيخ الحضور لإثارة اهتمام روما. فقد تابعت طائرة دورية إيطالية القافلة في 10 سبتمبر/ أيلول، ثم رصدت طائرة استطلاع أميركية قبالة طبرق بعد أربعة أيام. وتزامن العبور مع زيارة رئيس أركان الدفاع الإيطالي لوتشانو بورتولانو إلى طرابلس.
وقال بورتولانو إن "ليبيا تبقى دولة محورية لحماية المصالح الحيوية والإستراتيجية لإيطاليا"، رابطًا التعاون بالأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية وحماية إمدادات الطاقة.
وبذلك، لا يتعلق القلق بالسفن وحدها، بل بإمكان امتلاك موسكو قدرة مستمرة على العمل بمحاذاة طرق الملاحة والمصالح الأوروبية، انطلاقًا من بلد ترتبط به روما اقتصاديًا وأمنيًا.

السيادة في اختبار التنافس الدولي
لكن ليبيا لا تتحرك داخل استقطاب بسيط بين شرق روسي وغرب غربي. فقوات حفتر تحتفظ بقنوات مع واشنطن، واستضافت سرت في أبريل/ نيسان 2026 جزءًا من مناورات "فلينتلوك 2026" بقيادة أميركية ومشاركة إيطالية.
ويكشف ذلك أن الشركاء المحليين يحاولون تنويع علاقاتهم، بينما تتنافس القوى الخارجية على المرافق والاتصالات نفسها.
وتحد هذه التشابكات من حرية موسكو أيضًا. فتحليل المعهد البريطاني ينبه إلى أن تعدد شركاء حفتر قد يفرض شروطًا على الوصول الروسي، خلافًا لعلاقة الاعتماد التي جمعت موسكو بنظام الأسد.
ويضيف الوجود التركي في ليبيا ومصالح مصر المحاذية للشرق الليبي حسابات لا يستطيع أي اتفاق ثنائي إلغاءها.
ويظهر الخطر المباشر عند الساحل؛ فقد ربط تقرير لشبكة "سي إن إن" هجمات على سفن مرتبطة بروسيا بنشاط أوكراني انطلاقًا من غرب ليبيا. لكن وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية نفت وجود اتفاق أو تنسيق يسمح باستخدام مصراتة أو منشآت ليبية لتنفيذ هجمات خارجية.
ووسط هذا التنازع، تبقى طبيعة النشاط الأوكراني ونطاقه موضع تضارب بين الروايات المتاحة حاليًا.
ويرى الباحث الليبي مصطفى الكوت، في حديثه إلى "يورونيوز"، أن تزامن الإمدادات الروسية والهجمات البحرية يهدد بتحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة دولية.
ويضيف أن الاعتماد، في الداخل، على دعم أجنبي لتشغيل السلاح وحماية المواقع يطرح معضلة أخرى: كيف يمكن توحيد مؤسسة عسكرية ترتبط أجزاء منها بشبكات دعم متنافسة؟ وكلما ترسخت تلك الروابط، تعقد فك الارتباط بها.

















