إسرائيل ترحب وبنكيران يشكك.. ماذا ينتظر المغرب من حكومة فاطمة المنصوري؟

"المغرب سيجعل من تعيين أول امرأة على رأس الحكومة خبطة إعلامية دولية للظهور بمظهر البلد الحداثي"
أنهى العاهل المغربي حالة الترقب التي خيمت على المشهد السياسي طوال الأشهر الماضية بشأن هوية رئيس الحكومة الذي سيخلف رجل الأعمال عزيز أخنوش، وجاء القرار بتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات.
وأفاد بيان صادر عن الديوان الملكي في 29 سبتمبر/أيلول 2026، بأنه جرى، تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها.
وجاء التعيين عقب تصدر حزبها الانتخابات التشريعية التي أجريت في 23 سبتمبر، بحصوله على 97 مقعدا، تلاه حزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما حل حزب العدالة والتنمية الإسلامي رابعا بـ54 مقعدا.
وسجل حزب العدالة والتنمية أفضل نتائجه مقارنة بانتخابات 2021؛ إذ ضاعف عدد أصواته مرتين ورفع عدد مقاعده إلى أربعة أضعاف تقريبا، بعدما كان يمتلك 13 مقعدا فقط في الولاية البرلمانية المنتهية.
وفي تصريح نقلته وكالة الأنباء الرسمية، قالت المنصوري عقب تعيينها: إنها ستعمل على "اقتراح حكومة تكون في مستوى انتظارات جلالة الملك وجميع المواطنات والمواطنين"، إلى جانب "تقديم برنامج يقترح حلولا حقيقية وواقعية".
وأضافت أن الاستقبال الملكي "شكّل فرصة لتلقي التوجيهات السامية لجلالته من أجل تدبير المرحلة المقبلة".
ووصفت المنصوري تعيينها بأنه لحظة تاريخية، مشيرة إلى أنها المرة الأولى في تاريخ المملكة التي تتولّى فيها امرأة رئاسة الحكومة، وأضافت: "هذا مبعث فخر لي ولجميع نساء الوطن".
وأوضحت أنها ستبدأ بإجراء مشاورات داخلية على مستوى حزبها، على أن تعقبها مشاورات مع مختلف الأحزاب السياسية.

تهنئة صهيونية
هنأ رئيس الكيان الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، فاطمة الزهراء المنصوري، بمناسبة تعيينها رئيسة للحكومة المغربية من طرف الملك محمد السادس، معربا عن تمنياته لها بالنجاح في مهامها الجديدة.
وقال هرتسوغ في منشور على حسابه الرسمي بمنصة "إكس": إنه يتقدم "باسم دولة إسرائيل بأحرّ التهاني إلى فاطمة الزهراء المنصوري بمناسبة تعيينها التاريخي في منصب رئيسة الحكومة بالمملكة المغربية". مضيفا: "أتمنى لها كل النجاح في هذه المهمة".
وأشاد رئيس الكيان الإسرائيلي بما وصفه بـ "القيادة الكبيرة للملك محمد السادس، خصوصا في ما يتعلق بجهوده من أجل السلام وتعزيز الروابط التاريخية بين الشعبين المغربي والإسرائيلي". على حد وصفه.
وختم دولة الاحتلال الإسرائيلي تهنئته بالتعبير عن أمله في مواصلة العمل المشترك من أجل "توسيع دائرة السلام والتسامح" في المنطقة. وفق تعبيره.
كذلك تفاعل موقع "ynet" العبري مع الحدث بمادة نشرها تحت عنوان: "أول رئيسة وزراء للمغرب ترتبط ارتباطا وثيقا بالجالية اليهودية: ستسير على طريق الملك".
ونقل الموقع تصريحا لرئيسة الجالية اليهودية في المنطقة، جاكي كادوش، حول التعيين وتداعياته على المجتمع اليهودي في البلاد، قال فيه: "لقد نشأت معنا. والدها، عبد الرحمن المنصوري، كان محاميا بارزا".
وذكرت كادوش أن المنصوري سبق أن "أحضرت عدة وفود إلى منزلها كجزء من دورها كعمدة لمراكش، وشعرنا وكأننا في وطننا هناك".
وأوضحت المتحدثة ذاته أن المجتمع اليهودي في مراكش يدعو تقليديا كبار المسؤولين المغاربة إلى الكنيس في كل يوم كيبور. مشيرا إلى أن المنصوري سبق أن حضرت قبل عدة سنوات ووقفت في قسم السيدات.
وأردفت: "أعتقد أنها ستقوم بعمل جاد. أعتقد أنها ستؤدي عملها بشكل صحيح، سواء كان ذلك في وضع المرأة في المغرب أو المساعدة لضحايا الزلزال"، مقدرة أن المنصوري "ليست من النوع الذي يطارد المال؛ لأنها تملكه بالفعل. وأنها ستتصرف فقط من أجل مصلحة البلاد، ولن تتسامح مع أجندة الإسلاميين، وستسير ببساطة على مسار الملك".
وكان زعيم تيار "كلنا إسرائيليون" بالمغرب قد أعلن قبيل الانتخابات التشريعية عن دعمه ومجموعته الإعلامية لحزب الأصالة والمعاصرة، وللمنصوري لتكون أول رئيسة حكومة بالمغرب.

خبطة إعلامية دولية
أكد الكاتب والمحلل السياسي إدريس الكنبوري، أنه كان يتوقع تعيين المنصوري لأسباب عدة، وعلى رأسها أن المغرب سيجعل من تعيين أول امرأة على رأس الحكومة خبطة إعلامية دولية للظهور بمظهر البلد الحداثي الذي يؤمن بحرية النساء والتسامح، وتوظيف تلك الصورة خلال تنظيم كأس العالم.
وأضاف الكنبوري في منشور عبر فيسبوك في 29 سبتمبر، "وهذا ما حصل بالفعل، فليست هناك وسيلة إعلامية في العالم إلا ونشرت الخبر في الواجهة، خصوصا في أوروبا وأمريكا، حتى الإعلام الصهيوني اهتمّ بالخبر".
وتابع، كما صار تعيين امرأة على رأس الحكومة المغربية هو العنوان الرئيس لكل النقاشات السياسية، فلم يعد مهما التحالف الحكومي المقبل ولا الملفات الاجتماعية والاقتصادية ولا البرنامج الحكومي بل وجود امرأة على رأس الحكومة.
واستدرك الكنبوري: "هذا صحيح بالطبع، فالملفات الكبرى في المغرب التي تدور حول الاستعداد لكأس العالم ليست بيد الحكومة؛ لأنها بالنسبة للدولة ملفات إستراتيجية".
وشدد الكاتب أن "الملفات الإستراتيجية عادة لا تفوض للحكومات، وفي ظل التحضير لكأس العالم اتسع نطاق ما هو استراتيجي فتقلص هامش الحكومة أكثر"، يقول الكنبوري.
مصالح متضاربة
خلق تعيين المنصوري تفاعلات واسعة بالساحة السياسية والمجتمعية المغربية، ومنه ما صدر عن الأستاذ الجامعية والناشطة الحقوقية النسائية لطيفة البوحسيني، في سلسلة تدوينات عبر فيسبوك في 29 سبتمبر.
وفي هذا الصدد، قالت البوحسيني: "شخصيا لا يمثلني البتة ولا أعترف بالمطلق بمن تحوم حوله شبهات الفساد وتضارب المصالح، رجلا كان أو امرأة..".
وتابعت: "أصحاب حداثة الشاب خالد يصفقون لتعيين امرأة متغافلين بشكل مقصود عن شبهات تضارب المصالح"، مردفة: "بالمناسبة غولدا مايير كانت رئيسة وزراء".
وشدد البوحسيني أنه لا مشكل لديها مع أي انتماء حزبي سياسي، كل مشاكلها هي مع كارتيلات المصالح والفساد والريع، ومع شبهات تضارب المصالح.
بدورها، أكدت الناشطة السياسية سمية العلاكي، أنها لا تستطيع تهنئة رئيسة الحكومة والافتخار بإنجازها والاعتزاز به فقط لأنها من النساء.
وأضافت العلاكي في منشور عبر فيسبوك: "أنا لا أقيم لهذا التمييز النوعي وزنا، لطالما آمنت بالكفاءة وهي لا تتمتع بها فشلت كعمدة لمدينة مراكش وكوزيرة للإسكان، هذا أولا".
ثانيا، تردف الناشطة السياسية: "مادام للنتائج الانتخابية ما يشوبها من عيب ومن عمليات تزوير فإني أطعن في مشروعية تبؤ حزبها الصدارة وبالتبعية لا أعترف بها كرئيسة.
وخلصت العلاكي للقول: "أحب تمثيلية النساء في المناصب لكن بكفاءتهن وعلى دراعهن وبسمعتهن الطيبة".
إخوان بنكيران
مباشرة بعد إعلان النتائج الانتخابية التي بوأت حزب "الجرار" المرتبة الأولى، أكد حزب العدالة والتنمية برئاسة عبد الإله بنكيران، أن له موقفا حازما وجازما بشأن عدم المشاركة في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.
وشدّد بنكيران في كلمة ألقاها خلال انعقاد المجلس الوطني لحزبه، في 26 سبتمبر، على وجود إجماع بين أعضاء الأمانة العامة للحزب حين ناقشت هذه القضية في اجتماعها الأخير، وأنه ليس هناك أي عضو يساند الدخول إلى حكومة حزب الأصالة والمعاصرة.
واستدرك، لكن يجب الانتباه إلى أن موقفنا لا يعني أننا سنعارض هذا الحزب فقط؛ لأنه فاسد وجاء ليتحكم في المجتمع المغربي، بل سنرى ماذا سيفعل، وسنقوم بمعارضة قوية ومعقولة وغير شعبوية".
هذا الموقف أكده بيان للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية الصادر في نفس اليوم، والذي جاء فيه أن المجلس "تداول بكل جدية ومسؤولية وحرية في الموقف الذي اقترحته الأمانة العامة، وقرر بإجماع أعضائه الحاضرين الاصطفاف في موقع المعارضة البرلمانية، كما يضمنها الدستور وخاصة الفصل 10 منه".
وتابع المصدر ذاته، "ومواصلة الحزب أداء أدواره الدستورية والسياسية والنضالية من موقع المعارضة الوطنية المسؤولة والقوية، والاستمرار في الدفاع عن الثوابت الوطنية الجامعة، وعن قضايا أمتنا، والترافع عن الحقوق والانتظارات المشروعة للمواطنين والمواطنات".
تحدي الشفافية
أمام التركة الكبيرة التي خلفتها حكومة عزيز أخنوش بشأن قضايا الفساد واستغلال السلطة، أكد رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، أن المغاربة ينتظرون من حكومة المنصوري إرادة سياسية حقيقية للقطع مع الفساد ونهب المال العام والريع والرشوة والإفلات من العقاب.
وأضاف الغلوسي في مقال نشره عبر فيسبوك، في 29 سبتمبر، أن المغاربة ينتظرون أيضًا "تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة في المؤسسات وتجسير الهوة بين الأغنياء والفقراء عبر توزيع عادل للثروة، وعدالة مجالية تنصف هوامش المدن والقرى التي تم تهميشها لعقود من الزمن".
وشدّد المحامي والناشط المدني أنه لا معنى للسياسة والانتخابات إذا لم يتم التصدي للفساد الذي تغول كثيرا وأصبح هيكليا يستنزف موارد كثيرة ويجهض الأمل والحلم في حياة كريمة، والذي بإمكانه أن يهدم حتى تلك المشاريع والأوراش الكبرى وتصبح كمن يسكب الماء على الرمل كما يقال.
ونبه إلى أن "الفساد يسرق الموارد والخيرات ويجعل الانسان يشعر بامتهان كرامته من خلال اضطراره إلى القبول بالتعايش مع التمييز في إعمال القانون وقواعد العدالة".
وتساءل الغلوسي: "هل سنرى فعلا توجها جديدا يلتقط كل المؤشرات غير السارة ويعطي إشارات ايجابية بالانتقال إلى مرحلة جديدة في عالم مضطرب يسمح بالبقاء للأقوى، أقوى بمؤسساته ومناعتها وباقتصاده القوي وتدبيره الناجع وجبهته الداخلية المحصنة باحترام الحقوق والحريات وتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وإعادة النظر في قانون التصريح بالممتلكات وربط المسؤولية بالمحاسبة".
محاربة الفساد
في قراءتها للتعين وما بعده، أكدت أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط بثينة قروري، أن تعيين المنصوري رئيسة للحكومة، جاء انسجاما مع مقتضيات الفصل 47 من الدستور، الذي يربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.
وأوضحت قروري لـ "الاستقلال"، أن هذا التعيين يؤكد مرة أخرى احترام العرف الدستوري الذي انتهجه الملك محمد السادس منذ دستور 2011 بتعيين الشخصية الأولى في الحزب.
ونبّهت إلى أن التعيين الملكي إن كان قد وقع على امرأة، وبغض النظر عن رمزيته، فهو لا يمنحها أي ميزة تفضيلية، لأن المطلوب هو أن تضطلع مؤسسة رئاسة الحكومة بمهامها الدستورية.
ولذلك، تردف قروري، "ستكون لهذا التعيين دلالة أعمق إن اقترن بإرادة فعلية في محاربة الفساد، وبقدرة على إيجاد حلول ناجعة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها المغاربة، من غلاء المعيشة إلى البطالة وتراجع الخدمات العمومية".
وعبرت الأستاذة الجامعية في أن تأتي رئيسة الحكومة الجديدة بأسلوب في التدبير يقطع مع تضارب المصالح والإثراء غير المشروع اللذين طبعا التجربة الحكومية السابقة، وأن تجعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة والشفافية في تدبير الشأن العام قاعدة لعمل حكومتها.
وشددت على أن "نجاح أول امرأة على رأس الحكومة لن يقاس بكونها امرأة، بل بما ستحققه للمغاربة من إنصاف وكرامة وثقة في المؤسسات".
وخلصت إلى أن معيار التقييم الطبيعي هو القدرة على الإنجاز، ومحاربة الفساد، وحماية المصلحة العامة، والاستجابة لمطالب المغاربة، واحترام قواعد النزاهة والحكامة الجيدة.
بدوره، أكد الكاتب والباحث الأكاديمي التجاني بولعوالي، أن تعيين المنصوري حدث يحمل دلالات سياسية ورمزية متعددة؛ إذ ظل تناوب على رئاسة حكومات المغرب رجال من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة.
وقال بولعوالي لـ "الاستقلال": إن المغرب يدخل تجربة جديدة مع امرأة في موقع سياسي بالغ الحساسية والمسؤولية، ومعه يصبح السؤال القائم هو إن كانت المنصوري تستطيع أن تنجح في إدارة المرحلة.
وأردف، فالنجاح في نهاية المطاف لا تحدده هوية المسؤول بقدر ما تحدده قدرته على العمل، وحسن التدبير، والاستجابة لمطالب المواطنين، وتحويل الوعود إلى سياسات ملموسة.
ونبَّه بولعوالي إلى أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة ينبغي ألا يتحول إلى معركة رمزية بين "الحداثة" و"المحافظة"، ولا إلى معركة بين أنصار المرأة وأنصار الرجل، بل أن ننظر إلى التجربة من زاوية المسؤولية العامة، من حيث ما ستقدمه للمغاربة ومدى قدرتها على النجاح في معالجة الملفات التي ظلت تؤرق المجتمع.
وعليه، نبه الكاتب إلى أن الحكومة المقبلة لن تبدأ عملها في فراغ، وإنما في ظل انتظارات اجتماعية قوية، وملفات اقتصادية وتنموية كبيرة، واستعدادات مرتبطة باستحقاقات كبرى، من بينها مشاريع كأس العالم 2030، إلى جانب قضايا التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية.
وشدّد المتحدث ذاته إلى أن "هذه الملفات تحتاج إلى قرارات واضحة، وإلى قدر كبير من التنسيق والاستمرارية في العمل الحكومي".
واسترسل، صحيح أن المنصوري حصلت على فرصة تاريخية، لكن التاريخ لا يصنعه الوصول إلى المنصب فقط، بل تصنعه أيضا طريقة ممارسة السلطة، والقدرة على تحمل المسؤولية، والنتائج التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وخلص بولعوالي إلى التعبير عن أمله في أن يخرج المغرب من سنوات عجاف صعبة عاشها في الفترة الأخيرة، وأن تتحول التغييرات الجارية إلى فرصة حقيقية لاستعادة الثقة، وتجديد الحياة السياسية، والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتزايدة، وبناء مستقبل يشعر فيه المواطن بأن السياسة قادرة فعلا على تحسين حياته.


















