أزمة أفغانستان وباكستان.. هل تملك أنقرة مفاتيح التهدئة؟

منذ ١١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

الزيارات المتتالية لرئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى أفغانستان وباكستان، تكشف عن تحرك تركي يتجاوز تعزيز التعاون الأمني الثنائي، ليشمل محاولة خفض التوتر المتصاعد بين كابول وإسلام آباد. 

وشملت هذه الجولة كابول وقندهار ثم إسلام آباد؛ حيث تمثّل مسارا استخباراتيا ودبلوماسيا يعكس اعتماد أنقرة على قنوات أمنية مباشرة للتعامل مع الأزمات الإقليمية.

ونشرت وكالة "الأناضول" التركية مقالا للكاتب حياتي أونلو، أوضح في أن هذه التحركات تأتي في ظلّ هشاشة الوضع الأمني في جنوب آسيا، بالتزامن مع تحولات جيوسياسية تمتد من الشرق الأوسط إلى المنطقة. 

وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية الاستخباراتية كأداة تسمح لتركيا بالتواصل المباشر مع الأطراف المعنية، خصوصا عندما تكون القنوات الدبلوماسية التقليدية محدودة القدرة على معالجة الأزمات.

مقاربة مباشرة

وقال أونلو: إن زيارة قالن إلى أفغانستان اكتسبت أهمية خاصة؛ وذلك بسبب شمولها قندهار إلى جانب العاصمة كابل؛ حيث تمثّل قندهار مركزا فعليا لصنع القرار لدى إدارة طالبان، ما جعل الزيارة تشمل مراكز التأثير الرئيسة في المشهد الأفغاني.

وفي كابل، التقى قالن رئيس المديرية العامة للاستخبارات عبد الحق وثيق، ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الملا عبد الغني برادر، ووزير الدفاع المولوي محمد يعقوب مجاهد، ووزير الداخلية سراج الدين حقاني.

وقد أكّدت هذه اللقاءات استمرار قنوات الاتصال المؤسسية بين تركيا والجهات السياسية والأمنية الأفغانية.

وأضاف الكاتب أن المباحثات تركّزت على مكافحة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، وفي مقدمتها تنظيم الدولة-خراسان، إلى جانب مكافحة تجارة المخدرات والسيطرة على طرق الهجرة غير النظامية. 

وقال أونلو: إن هذه الملفات تكتسب أهمية خاصة في ظل استمرار صعوبة اندماج إدارة كابل في النظام الدولي، لذلك، تحافظ تركيا على حوار مباشر مع المؤسسات الأفغانية، انطلاقا من أن عزل أفغانستان بالكامل قد يؤدي إلى فراغات أمنية تستغلها التنظيمات المتطرفة. 

لذلك تركز أنقرة على التعامل مع الواقع القائم، وفتح قنوات اتصال مع الجهات التي تتحكم في الملفات الأمنية داخل البلاد.

في المحطة الثانية من الجولة، التقى قالن في إسلام آباد رئيس الوزراء شهباز شريف، ورئيس هيئة الأركان المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات عاصم مالك.

وتمحورت اللقاءات حول التعاون الأمني، إلى جانب العلاقات المُتَوَتِّرَة بين باكستان وأفغانستان.

ورأى أونلو أن أبرز أسباب هذا التوتر تعود إلى هجمات عناصر حركة طالبان باكستان في المناطق الحدودية والعمليات الأمنية الباكستانية، وقد انعكس ذلك على حركة النقل والتجارة، مع استمرار إغلاق الطرق والمعابر الحدودية، وهو ما أضعف الاتصالات بين البلدين وأضرّ بالتبادل التجاري.

وتتهم إسلام آباد كابل بعدم اتخاذ إجراءات كافية ضد حركة طالبان باكستان، بل وتتهمها بتوفير حماية لعناصرها، بينما ترفض كابل هذه الاتهامات وتتهم باكستان بتهيئة المجال أمام جماعات مرتبطة بتنظيم الدولة. 

ومع استمرار تبادل هذه الاتهامات، أصبحت أزمة الثقة عنصرا أساسيا في العلاقة بين البلدين، يوضح الكاتب التركي.

من هنا تكتسب اتصالات قالن أهمية تتجاوز العلاقات التركية-الباكستانية؛ إذ تركز على محاولة فتح مساحة للحوار الأمني بين كابل وإسلام آباد، وتقليل حدة الخطاب المتبادل الذي يرافق التوتر على الحدود.

دور الوساطة

ولفت الكاتب النظر إلى أن هذه التحركات تعكس اتساع الدور الذي تؤديه المؤسسات الاستخباراتية في إدارة الأزمات، بحيث لا يقتصر عملها على جمع المعلومات، بل يشمل التواصل المباشر وتخفيف التوتر وتهيئة الظروف للحوار.

ولفت إلى أن تركيا تمتلك عوامل تساعدها على أداء هذا الدور؛ أبرزها علاقاتها الإستراتيجية مع باكستان، إلى جانب علاقاتها التاريخية مع مختلف المكونات الأفغانية، كما سبق أن شاركت أنقرة وقطر في مبادرات للحوار ووقف إطلاق النار بين أفغانستان وباكستان.

وفي تعاملها مع الأزمة الحالية، تراعي تركيا المخاوف الباكستانية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وأمن الحدود، في الوقت نفسه تؤكد ضرورة تجاوز العزلة الاقتصادية والسياسية التي تواجهها أفغانستان.

ويتيح الجمع بين المسارين التعامل مع مصالح الطرفين دون حصر التحرك في الجانب الأمني وحده.

وأردف الكاتب التركي بأن تأثير هذه الأزمة الأفغانية-الباكستانية يمتدّ إلى ما هو أبعد من الحدود؛ إذ يرتبط بحركة التجارة والطرق التي تصل جنوب آسيا بآسيا الوسطى وأوراسيا؛ حيث يؤدي إغلاق المعابر والطرق إلى تعطيل التجارة. 

وشدّد على أن أفغانستان تحتاج إلى علاقات مستقرة مع باكستان، حتى تتمكن من تعزيز موقعها كمركز للعبور التجاري بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا. 

في المقابل، تواجه باكستان صعوبات اقتصادية ومخاطر أمنية مرتبطة بالحدود، ما يجعل إقامة نظام حدودي مستدام مع أفغانستان أمرا ضروريا. 

لذلك، فإن فتح المعابر وضمان أمنها من خلال تفاهمات متبادلة يرتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية والأمنية للبلدين.

وتابع بأن التوترات الإقليمية تزيد من أهمية هذا الملف، فتصاعد الصراعات في الشرق الأوسط، والتوترات العسكرية المرتبطة بإيران، والهشاشة التي تواجه خطوط إمدادات الطاقة، تدفع دول المنطقة إلى البحث عن مسارات لوجستية بديلة والحفاظ على الاستقرار الداخلي.

تحرك متعدد

ولفت الكاتب إلى أن تحركات قالن في كابل وقندهار وإسلام آباد تضع ثلاثة ملفات في صلب التحرك التركي؛ وهي احتواء خطر التصعيد العسكري، إعادة تفعيل آليات تبادل المعلومات، والحيلولة دون تحول التوتر بين أفغانستان وباكستان إلى صراع أوسع في جنوب آسيا.

وأضاف “نجد أيضا أن اللافت في هذه الجولة أنها جمعت بين التواصل مع المؤسسات الأمنية والسياسية الأفغانية من جهة، والقيادة السياسية والعسكرية والاستخباراتية الباكستانية من جهة أخرى. وهذا يمنح التحرك التركي بعدا يتجاوز التعاون الثنائي، ويجعله مرتبطا بمحاولة إبقاء قنوات الاتصال بين الطرفين مفتوحة”.

كما أن الجمع بين المخاوف الأمنية الباكستانية والحاجة الأفغانية إلى تجاوز العزلة يتيح لأنقرة التعامل مع جانبي الأزمة في وقت واحد، فاستمرار القطيعة وإغلاق المعابر لا يخدم الاستقرار الأمني ولا المصالح التجارية، بينما يوفّر الحوار المباشر مساحة لمعالجة الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها الإرهاب وأمن الحدود.

وأضاف الكاتب أن جولة قالن تؤكد أن تركيا تتعامل مع الأزمة الأفغانية-الباكستانية بوصفها ملفا أمنيا وإقليميا مترابطا، وليس مجرد خلاف حدودي بين دولتين متجاورتين. 

ومن خلال الانتقال من كابل وقندهار إلى إسلام آباد، وضعت أنقرة قنواتها الاستخباراتية والدبلوماسية في خدمة هدف واضح؛ وهو منع التصعيد، وإبقاء الحوار قائما، ومعالجة القضايا الأمنية التي تغذي التوتر بين الطرفين.

وبذلك لم تعد الدبلوماسية الاستخباراتية مجرد قناة موازية للدبلوماسية التقليدية، بل أصبحت في هذا المسار وسيلة مباشرة لإدارة الأزمة. 

وختم الكاتب بأن "أهمية تحرك قالن تكمن في جمعه بين الطرفين في إطار واحد، وربط أمن الحدود بمكافحة الإرهاب والتجارة والاتصال الإقليمي، ففي ظل استمرار التوتر، يشكل الحفاظ على هذا المسار من الحوار والتواصل الشرط الأساسي لمنع الأزمة من التحول إلى مواجهة أوسع جنوب آسيا".