عودة الإعدام إلى شرق ليبيا.. أين تنتهي سلطة القضاء وأين تبدأ سلطة العسكريين؟

داود علي | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

عادت أحكام الإعدام إلى التنفيذ في شرق ليبيا؛ حيث منطقة نفوذ وسيطرة خليفة حفتر، لتضع عشرات السجناء أمام خطر الإعدام بعد محاكمات عسكرية تصفها منظمة العفو الدولية بأنها سِرية وجائرة، وشابتها اعترافات انتزعت تحت التعذيب.

ومنذ إعلان استئناف تنفيذ الأحكام في 23 أغسطس/ آب 2026، وثّقت منظمات حقوقية إعدام أكثر من 30 شخصًا، فيما حذَّرت المنظمة من خطر وشيك يهدد 50 رجلًا آخر على الأقل في سجن قرنادة.

وبين رواية السلطات عن معاقبة مدانين بالإرهاب والاغتيالات، وشهادات حقوقية عن انتهاك ضمانات الدفاع وحرمان عائلات من توديع أبنائها، يعود ملفا صراعات بنغازي ودرنة إلى الواجهة، وتتزايد معه أسئلة تتجاوز العقوبة إلى استقلال القضاء وسلطة العسكريين على المدنيين.

فالإعدامات أنهت توقفًا فعليًا لتنفيذ العقوبة منذ عام 2010، بينما لا تزال المؤسسات الليبية منقسمة، ومسارات الرقابة والمساءلة موضع نزاع.

فلماذا استؤنفت أحكام الإعدام الآن؟ ومن هم الذين أعدموا والذين ينتظرون المصير نفسه؟ وكيف جرت محاكماتهم؟ وهل تستطيع الاعتراضات الحقوقية والتحركات المحلية والدولية وقف التنفيذ قبل أن تصبح مراجعة الأحكام متأخرة عن إنقاذ أصحابها؟

خلف أبواب مغلقة

تعود جذور القضايا إلى سنوات القتال بين قوات خليفة حفتر وخصومها في شرق البلاد؛ فقد اعتُقل كثير من المحكوم عليهم خلال النزاع أو بعده، ثم أمضوا فترات طويلة في الاحتجاز قبل إحالتهم إلى محاكم عسكرية، لتصل ملفات تعود إلى صراعات سابقة إلى مرحلة التنفيذ بعد سنوات من انتهاء المعارك الكبرى.

وفي إعلانه الأول، قال مكتب المدعي العام العسكري: إن 10 أشخاص أعدموا بعد إدانتهم بالانضمام إلى تنظيمات محظورة واغتيال عسكريين ومدنيين، مؤكدًا استكمال إجراءات الادعاء والدفاع.

وتتابعت لاحقًا عمليات التنفيذ، حتى وثقت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» إعدام 31 شخصًا بحلول 10 سبتمبر/ أيلول 2026، في بيان نشرته يوم 21 من الشهر نفسه.

غير أن الأحكام المسببة وملفات القضايا لم تُتَح للفحص المستقل، فيما وثقت جهات حقوقية قيودًا على اتصال المتهمين بمحاميهم، والاطلاع على الأدلة، وتقديم الدفوع.

وقالت منظمة العفو الدولية: إن 5 أشخاص على الأقل تعرضوا للإخفاء القسري أو الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، فيما تعرض 4 على الأقل للتعذيب لانتزاع اعترافات، بوسائل شملت الصعق والحرق والضرب. وحُرم بعض المتهمين من مقابلة محاميهم على انفراد قبل المحاكمة وأثناء انعقادها.

وتكشف المنظمة واقعة أكثر التباسًا؛ إذ إن شخصين على الأقل ممن أعدموا كانت محكمة عسكرية أعلى قد خفضت عقوبتيهما من الإعدام إلى السجن المؤبد، بعد صدور الحكمين عام 2019، دون أن يتضح لها الأساس القانوني لتنفيذ الإعدام بحقهما.

وتنقل هذه الواقعة النزاع من سلامة إجراءات التحقيق إلى مدى مطابقة العقوبة المنفذة للحكم القضائي نفسه.

فمع غياب القرارات التفصيلية، تبقى أسئلة التهمة الفردية، وأدلة الإدانة، ومسار الاستئناف، والجهة التي أجازت التنفيذ، معلقة خلف أبواب المحاكم والسجون، بما يحول دون معرفة ما إذا كانت المراجعة القضائية قد وفّرت حماية فعلية للمتهمين.

محاكمات تتحدى حكمًا دستوريًا

تبدأ الإشكالية القانونية من المحكمة التي نظرت في هذه الملفات؛ ففي عام 2017، وسع مجلس النواب اختصاص القضاء العسكري ليشمل مدنيين متهمين بجرائم ضد الدولة والحكومة غير المعترف بها دوليًا، مانحًا قوات حفتر دورًا يتجاوز محاكمة منتسبيها والجرائم العسكرية البحتة.

لكن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا قضت في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، في الطعن رقم 22 لسنة 71 قضائية، بعدم دستورية القانون رقم 4 لسنة 2017 في شقه المتعلق بإسناد محاكمة المدنيين في الجرائم ضد شخصية الدولة إلى المحاكم العسكرية.

واستند الحكم إلى المساواة أمام القانون، والحق في القاضي الطبيعي، وحظر القضاء الاستثنائي، دون أن يعني الاعتراض على الاختصاص إسقاط المسؤولية الجنائية.

ويضع ذلك شرعية الاختصاص في صلب الاعتراضات، فوجود عقوبة الإعدام في التشريع لا يحسم صلاحية الجهة التي أصدرت الحكم، كما أنّ اتهام مدني بجريمة خطيرة لا يسقط حقه في محكمة مختصة ومستقلة.

ووسط هذا الوضع، يطرح توقيت استئناف التنفيذ سؤالًا سياسيًا وأمنيًا؛ فقد جاء الإعلان الأول بعد نحو أسبوعين من مقتل رئيس الاستخبارات العسكرية فوزي المنصوري في تفجير استهدفه ببنغازي في 10 أغسطس/ آب 2026، وهو تقارب زمني أوردته منظمة العفو الدولية.

ولا يعني هذا التزامن عدّ المعدومين متهمين بهذه العملية لمجرد تنفيذ العقوبة بعدها. لكن التوقيت يفتح باب قراءة الإعدامات ضمن رسائل الردع التي أعلنتها السلطات، في مواجهة ما تصفه بالتنظيمات الإرهابية وشبكات الاغتيال.

وفي 26 أغسطس/ آب، ترأس صدام حفتر، بصفته القائد العام المكلف، اجتماعًا ضمّ رئيس المحكمة العسكرية العليا والمدعي العام العسكري ومدير إدارة الشرطة والسجون العسكرية. وبحث الاجتماع تنفيذ الأحكام النهائية، وأشاد صدام بجهود الجهات القضائية، وفق وكالة أنباء «المستقبل» التابعة لمؤسسة الخدمات الإعلامية بمجلس النواب.

ويرى المحلل السياسي الليبي إلياس الباروني، في حديثه مع موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، أن جوهر القضية يتعلق بمن يملك إصدار الأحكام وتنفيذها في دولة منقسمة، وبقدرة القضاء على الاستقلال عن القوة المسيطرة.

ومن هذا المنظور، تصبح علنية الإجراءات وإتاحة الأدلة معيارًا للفصل بين محاسبة جنائية قابلة للمراجعة، واستخدام مؤسسات العدالة لترسيخ النفوذ العسكري لحفتر وقواته.

هويات متنازع عليها وأسر محاصرة

وتنعكس هذه المعركة على تعريف المحكوم عليهم أنفسهم. فمن بين الحالات الـ31 التي أعدمت ووثقتها «ميدل إيست آي»، ينحدر 8 من درنة و23 من بنغازي، دون نشر ملفات تسمح بتحديد مسؤولية كل شخص وانتمائه التنظيمي.

وبشأن الدفعة الأولى، قالت منظمة التضامن لحقوق الإنسان: إن 3 من محتجزي الكويفية كانوا معلمي قرآن اعتقلوا عام 2014، وإن 6 من محتجزي قرنادة من سكان درنة شاركوا في قتال تنظيم الدولة، وهذه رواية حقوقية تنازع تصنيفهم جميعًا بالإرهاب.

بينما تتجاوز معاناة الأسر هذا السجال. فقد وثقت المنظمة الحقوقية تلقي بعض العائلات اتصالات من مجهولين للحضور إلى مركز بنغازي الطبي والتعرف على الجثامين، قبل نقلها بواسطة الهلال الأحمر لدفنها، دون إخطار رسمي مسبق أو تسليم شهادات وفاة وتقارير طب شرعي.

وتحدثت تقارير أخرى عن قيود على مراسم العزاء، ومراقبة أمنية لبعض الأسر، بما يضيّق قدرتها على طلب المعلومات والاعتراض. وتطالب المنظمات بحمايتها من الترهيب أو الانتقام بسبب تحركها.

ولا تتوافر قائمة رسمية كاملة بأسماء من نفذ فيهم حكم الإعدام، ولا بيانات فردية موثقة تتيح تصنيف المهددين بالإعدام قبليًا أو سياسيًا.

وقف التنفيذ يحتاج قرارًا نافذًا

وأمام هذا الانسداد، تتوزع مطالب وقف الإعدامات بين السلطات المسيطرة على السجون، والمؤسسات القضائية الليبية، والجهات الدولية. فالقدرة المباشرة على تعليق التنفيذ تقع لدى سلطات الشرق والأجهزة التي تنفذه، بينما يتطلب فحص الانتهاكات وصولًا إلى الملفات والمحتجزين والشهود.

وفي 16 سبتمبر/ أيلول، أعلنت البعثة الأممية أنها أجرت اتصالات مكثفة مع السلطات على المستويين السياسي والفني، وحثتها على تعليق الإعدامات ومراجعة الحالات، لكنها أبدت أسفها لاستمرار التنفيذ.

وتطالب منظمة العفو الدولية بوقف رسمي للتنفيذ، وإلغاء الأحكام الصادرة إثر محاكمات جائرة، وإعادة محاكمة المتهمين بجرائم جنائية معترف بها أمام قضاء مدني، مع استبعاد الأدلة المنتزعة بالتعذيب. كما تدعو إلى تحقيقات مستقلة والسماح للمراقبين الدوليين بدخول قرنادة وغيره من أماكن الاحتجاز.

محليًا، توجه منظمة «رصد» الحقوقية الليبية مطالبها إلى النائب العام لفتح تحقيق في ظروف الاعتقال والمحاكمة والتنفيذ، وإلى الادعاء العسكري لنشر الأحكام والضمانات التي أتيحت للدفاع، وتمكين الأسر من الوثائق الطبية والقانونية.

وقد أحالت نداءً عاجلًا إلى 3 مقررين أمميين معنيين بالإعدام واستقلال القضاء وحقوق الإنسان في مكافحة الإرهاب.

غير أن استمرار الانقسام المؤسسي يضعف قدرة الجهات المدنية على فرض مراجعة موحدة، ويظل وقف التنفيذ الخطوة التي تحفظ إمكان تصحيح الأخطاء، بينما تتطلب المحاسبة اللاحقة تحديد مسؤولية كل جهة في التحقيق والحكم والتصديق والتنفيذ.

وبالنسبة إلى المحكوم عليهم الذين حذرت المنظمات من اقتراب إعدامهم، يتوقف أثر هذه المطالب على وصولها إلى إدارات السجون في صورة أوامر واجبة التنفيذ.

فإتاحة الدفاع ونشر الملفات والتحقيق في التعذيب إجراءات تفقد قدرتها على إنقاذ أصحابها إذا سبقتها رصاصات الإعدام، ولو أثبتت لاحقًا براءتهم أو بطلان محاكماتهم.

جرائم حفتر في شرق ليبيا

وقد سبقت الإعدامات في شرق ليبيا سنوات من القتل خارج القضاء في مناطق سيطرة خليفة حفتر، شملت أسرى ومحتجزين، ووصلت ملفاتها إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ففي عامي 2017 و2018، أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق محمود الورفلي، القيادي بقوات الصاعقة التابعة لحفتر، للاشتباه بارتكابه أو إصدار أوامر بجرائم قتل طالت 33 شخصًا في 7 وقائع، ثم قتل 10 آخرين أمام مسجد ببنغازي. وانتهت الإجراءات بحقه عام 2022 بعد وفاته، دون محاكمته.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2017، عثر على جثث 36 رجلًا قرب الأبيار. ورجحت هيومن رايتس ووتش مسؤولية جماعات موالية لقوات حفتر، استنادًا إلى صور وشهادات، بينها إفادات أقارب 6 ضحايا اعتقلوا قبل مقتلهم. وأمر حفتر بتحقيق، لكن المنظمة قالت: إن نتائجه لم تكن معلنة عند نشر تقريرها.

وامتد التوثيق إلى لواء طارق بن زياد بقيادة صدام حفتر؛ إذ سجلت منظمة العفو الدولية العثور على 3 مختفين قسرًا قتلى في بنغازي، ونقلت شهادات عن وفاة 5 سجناء على الأقل بالتعذيب أو الحرمان من العلاج.

وطالبت بتحقيق جنائي في مسؤولية صدام ونائبه عمر امراجع، مقدرة أنهما كانا يعلمان، أو يفترض أن يعلما، بجرائم مرؤوسيهما دون منعها أو معاقبتهم.

وتتجاوز أسئلة المسؤولية أفعال المقاتلين، فقد حلل الخبيران القانونيان رايان غودمان وأليكس وايتنغ تسجيلًا منسوبًا إلى حفتر عام 2015، وعدّا عباراته توجيهًا بعدم أخذ أسرى، بما يثير شبهة إصدار أوامر بجرائم حرب.