استهداف مطار أبو الظهور.. هل بدأت إسرائيل مواجهة النفوذ التركي في سوريا؟

تعرضت قاعدة أبو الظهور لدمار واسع خلال الحرب السورية قبل أن تستعيدها هيئة تحرير الشام في نوفمبر/تشرين الثاني 2024
لم تكد أعمال ترميم قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا تبدأ، حتى حوَّلتها غارة إسرائيلية إلى ساحة جديدة لاختبار حدود النفوذ المتنازع بين إسرائيل وتركيا في سوريا.
ففي 18 أغسطس/آب 2026، قصفت إسرائيل القاعدة الواقعة في محافظة إدلب، بينما كان مسؤولون أتراك يشاركون في جهود ترميمها، في تصعيد يعكس تنامي القلق الإسرائيلي من اتساع الحضور والنفوذ التركي المتنامي في سوريا.
وتكتسب القاعدة أهمية تتجاوز موقعها العسكري؛ فهي تقع على بعد نحو 70 كيلومترا من الحدود التركية، ونحو 300 كيلومتر من الأراضي التي تحتلها إسرائيل، ما يجعلها نقطة حساسة في معادلة أمنية وإقليمية تتداخل فيها حسابات أنقرة وتل أبيب بشأن مستقبل سوريا.
وكانت قاعدة أبو الظهور قد تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب السورية، قبل أن تستعيدها هيئة تحرير الشام في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لتدخل لاحقا مسار إعادة التأهيل.

غضب أميركي
ولم تسفر الضربات عن أي إصابات، رغم أنها ألحقت، بحسب تقارير، أضرارا بمدرج ومستودع في قاعدة أبو الظهور.
غير أن الضربات أثارت انتقادات حادة من السفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، الصديق القديم للرئيس، دونالد ترامب، والمكلف أيضا مبعوثا للرئيس إلى سوريا.
ووصف باراك الهجمات، عبر منصة إكس، بأنها تصعيد غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي، مضيفا أن الحكومة السورية أبدت مرارا تفضيلها تهدئة التوتر مع إسرائيل.
وأدانت الحكومة السورية هجوم الثلاثاء ووصفته بأنه "تصعيد خطير يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة"، داعية مجلس الأمن الدولي إلى "إدانة هذا العدوان بوضوح واتخاذ موقف حازم ضد انتهاكات إسرائيل المتكررة للسيادة السورية".
وبحسب تقرير لمجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركية، فقد تحولت سوريا إلى نقطة خلاف رئيسة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024؛ إذ سعى ترامب إلى تحسين العلاقات مع دمشق منذ بداية ولايته الثانية في يناير/كانون الثاني 2025.
ورفع ترامب معظم العقوبات عن سوريا، وبدا أنه أقام علاقة إيجابية مع الرئيس، أحمد الشرع، المقاتل السابق في تنظيم القاعدة الذي تخلى لاحقا عن الفكر الجهادي وقاد الحملة التي أطاحت الرئيس السابق، بشار الأسد.
وقاد الشرع في السابق تنظيم "هيئة تحرير الشام"، الذي كان يعرف باسم "جبهة النصرة" قبل فك ارتباطه بتنظيم القاعدة عام 2016، لينتقل لاحقا من قائد ميداني إلى رئيس دولة معترف بها دوليا.
وسبق لمجلس الأمن الدولي أن صوّت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بأغلبية 14 صوتا مقابل امتناع عضو واحد، لصالح رفع العقوبات الأممية المفروضة على الشرع وحكومته.
والتقى ترامب الشرع في الرياض في مايو/أيار 2025، في أول لقاء رفيع المستوى يجمع رئيسين؛ أميركيا وسوريا منذ 25 عاما، بحضور ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ومشاركة هاتفية من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.
في المقابل، تعاملت إسرائيل بحذر أكبر مع الحكومة السورية الجديدة؛ إذ احتل جيشها فور تولي الشرع السلطة شريطا من الأراضي جنوب سوريا، وشن حملة غارات جوية استهدفت تدمير عتاد الجيش السابق خشية وقوعه في يد الحكومة الجديدة.

تركيا.. إيران الجديدة؟
وأوضحت المجلة أن تركيا لعبت دورا مهما في هذا الخلاف؛ إذ ظلت أنقرة الداعم الرئيس للشرع منذ أواخر العقد الثاني من القرن الحالي، حين كان تنظيمه المسلح يسيطر على منطقة صغيرة حول إدلب شمال غربي سوريا.
وأثار تنامي النفوذ التركي على الحكومة السورية الجديدة غضب القادة الإسرائيليين، الذين باتوا ينظرون بشكل متزايد إلى تركيا بوصفها "إيران جديدة" تسعى لمواجهة مصالح إسرائيل في الشرق الأوسط.
وسبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، نفتالي بينيت، أحد المرشحين لخلافة نتنياهو، أن استخدم الوصف ذاته، في إشارته إلى تركيا بوصفها إيران الجديدة.
وحرصت إسرائيل حتى الآن على تفادي إغضاب ترامب عبر حملتها المناهضة لتركيا، فلم يكن جيشها قد استهدف مصالح تركية مباشرة قبل ضربات الثلاثاء، وإن اقترب من ذلك في مناسبات عدة.
ومن ذلك سلسلة الضربات التي شنتها إسرائيل في أبريل/نيسان 2025 على قواعد كانت تركيا قد "استطلعتها" تمهيدا لاحتمال نشر قوات فيها، بحسب وكالة رويترز.
واستهدفت تلك الضربات، من بينها قاعدة تياس "تي4" الجوية في محافظة حمص وسط سوريا؛ إذ خلّفت حفرا كبيرة في مدرجها جعلته غير صالح للاستخدام وفق مصادر عسكرية.
ووقّعت أنقرة ودمشق، في 13 أغسطس/آب 2025، اتفاقا دفاعيا ثنائيا شمل تدريب الجيش السوري على منظومات الدفاع الجوي التركية، ما رفع مستوى التوتر مع إسرائيل.
وفي 9 سبتمبر/أيلول 2025، شنّت إسرائيل غارات على أهداف في حمص واللاذقية وتدمر، في اليوم ذاته الذي استقبلت فيه أنقرة قائد سلاح الجو السوري، في تزامن عدّه مراقبون رسالة مباشرة إلى تركيا.
وأنشأت إسرائيل وتركيا، في وقت لاحق من العام نفسه، قناة تواصل لمنع أي اصطدام غير مقصود بين قواتهما داخل الأراضي السورية.
ومع استمرار تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا، بدأ نتنياهو يضغط على ترامب لتبني موقف أكثر حزما، أو على الأقل تقبل ضرورة وجود عسكري إسرائيلي في سوريا.
وخصص نتنياهو وقتا في الأسابيع الأخيرة خلال اجتماع بشأن إيران ليعرض على ترامب خريطة لسوريا تزعم أن تركيا تحتل 5 بالمئة من الأراضي السورية، في مقابل احتلال إسرائيلي لا يتجاوز 0.1 بالمئة فقط.
ولفتت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن تركيا تقوم بذلك بموافقة الحكومة السورية، في حين تفعل إسرائيل الأمر ذاته من دون أي تفويض مماثل.
ويبدو أن مخاوف نتنياهو لم تلق آذانا صاغية؛ إذ ذكر تقرير حديث للقناة 13 الإسرائيلية أن مسؤولين إسرائيليين طلبوا من ترامب قبل أسابيع الموافقة على ضرب موقع عسكري تركي في سوريا، فرفض الرئيس الأميركي الطلب.
ولم يتضح ما إذا كانت ضربات الثلاثاء مرتبطة بهذه المناقشات.
وتعمل الولايات المتحدة، بحسب تقارير إعلامية حديثة، على وضع آلية لمنع الاشتباك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، في محاولة لضبط التوترات المتصاعدة بين الأطراف الثلاثة.
وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قد اتهم إسرائيل، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، في أغسطس/آب 2026، بأن هجماتها على سوريا من أبرز عوامل زعزعة استقرار البلاد.
وأكدت الحكومة السورية الجديدة مرارا أنها لا تسعى إلى حرب مع إسرائيل، وأنها تفضل التوصل إلى تفاهم أمني يحفظ حدود التصعيد بين الجانبين.
ولفتت المجلة إلى أن هذه الانتقادات تمثل موقفا حادا غير معتاد من إدارة ترامب تجاه إسرائيل، التي تحافظ على علاقة وثيقة مع حكومة بنيامين نتنياهو.
وأشارت إلى أن انتقادات باراك تعكس تناميا في الإحباط الأميركي إزاء ميل إسرائيل إلى استباق التهديدات المحتملة عسكريا، بدلا من البحث عن حلول دبلوماسية.
















