زيارة الحميدان إلى بغداد ولقاء الزيدي.. لماذا غاب الاعتذار السعودي؟

يوسف العلي | منذ ١٣ ساعة

12

طباعة

مشاركة

أثارت زيارة رئيس الاستخبارات العامة السعودي خالد بن علي الحميدان إلى بغداد، ولقاؤه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، تساؤلات بشأن توقيتها، لا سيما أنها جاءت عقب ضربات سعودية وأميركية استهدفت مواقع لمليشيات عراقية، وسط تهديدات بالرد على الرياض.

وتزامنت الزيارة مع تحركات عراقية لاحتواء التصعيد، ودعوات من قوى سياسية إلى معالجة الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية، في وقت كانت فيه مليشيات مسلحة موالية لإيران قد منحت الحكومة مهلة لاتخاذ موقف من الهجمات، قبل أن تعلن تأجيل ردها العسكري.

واللافت أن اللقاء لم يتضمن، وفق البيان الرسمي، إدانة عراقية للهجمات السعودية في 30 يوليو/تموز، أو إعلانًا عن مطالبة الرياض بتقديم أدلة أو اعتذار وتعويض، رغم طرح هذه المطالب من أطراف في الإطار التنسيقي الحاكم، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل التي حملها الوفد السعودي إلى بغداد.

رسائل أمنية

في 7 أغسطس/آب 2026، استقبل الزيدي الحميدان والوفد المرافق له، الذي نقل رسالة من قيادة المملكة العربية السعودية تضمنت تجديد الدعوة لرئيس الوزراء العراقي لزيارة العاصمة الرياض، بحسب بيان رسمي صادر عن المكتب الإعلامي للحكومة العراقية.

وأوضح البيان أن اللقاء بحث "سبل تعزيز التعاون والتنسيق المشترك"، لا سيما ما يتعلق بالتطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة، فيما أكد الزيدي حرص حكومته على "ترسيخ علاقات التعاون مع المملكة بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الشقيقين، ويسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي".

كما جدد رئيس الوزراء العراقي موقف حكومته الرافض لاستخدام الأراضي العراقية منطلقًا لأي أعمال أو نشاطات تستهدف دولًا أخرى، مؤكدًا التزام بغداد بحماية سيادة العراق واحترام مبادئ حسن الجوار وسيادة الدول الشقيقة والصديقة.

وأضاف البيان أن الجانبين اتفقا على مواصلة التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة، بما يعزز القدرة على مواجهة التحديات الأمنية واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق الأطر القانونية، ويسهم في تعزيز أمن البلدين وتجنب المنطقة مخاطر التصعيد.

ويرى الباحث في الشأن السياسي العراقي، لطيف المهداوي، أن اختيار رئيس الاستخبارات السعودي لقيادة الوفد يحمل دلالة، خصوصًا في ظل مطالب بغداد السابقة للجانب السعودي بتقديم أدلة تثبت استهداف المملكة انطلاقًا من الأراضي العراقية.

وقال المهداوي لـ"الاستقلال": إن الرياض سعت، من خلال إرسال الحميدان إلى تحقيق أمرين؛ الأول "إثبات روايتها بأن السعودية تعرّضت لهجمات من العراق"، والثاني التأكيد أن المملكة "ليس لديها خلاف مع الحكومة العراقية ولا تريد مقاطعتها أو توتير العلاقة معها"، ولذلك جددت دعوة الزيارة للزيدي.

وبحسب المهداوي، فإن اختيار شخصية أمنية بهذا المستوى يعكس طبيعة الملفات التي كانت حاضرة في اللقاء، لا سيما الهجمات والتهديدات الأمنية والتنسيق بين البلدين.

كما توقع المهداوي أن يجري الزيدي زيارة إلى السعودية، رغم ما وصفه بمحاولات الفصائل المرتبطة بإيران "شيطنة المملكة"، ومهاجمة رئيس الوزراء العراقي وعدّه متخاذلًا عن الرد، وشن حملة سياسية ضده.

ويأتي ذلك بعد إلغاء الزيدي زيارة كانت مقررة إلى السعودية في 30 يوليو/تموز، عقب يوم من قصف سعودي-أميركي استهدف مقار لمليشيات عراقية منضوية ضمن الحشد الشعبي، وأسفر، بحسب تقارير رسمية وأخرى إعلامية، عن مقتل 20 من عناصرها، بينهم 5 إيرانيين و7 أفغانيين وعنصر حوثي واحد.

غياب الإدانة

أثار غياب الإدانة العراقية الصريحة للهجمات السعودية، وعدم الإعلان عن مطالبة الرياض بتقديم الأدلة، تساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية العراقية، خصوصًا أن هذه المطالب كانت مطروحة عقب الضربات التي استهدفت مواقع الفصائل.

وطرح الإعلامي العراقي عامر إبراهيم هذه التساؤلات في تدوينة نشرها على منصة "إكس" في 7 أغسطس/آب، متسائلًا: لماذا لم يصدر عن اللقاء استنكار عراقي للهجمات السعودية؟ ولماذا لم يُعلن عن مطالبة العراق المملكة بتقديم الأدلة التي اعتمدت عليها في الهجوم؟

وأشار إبراهيم إلى أن الزيارة تزامنت مع إعلان رئيس تحالف "نبني" والقيادي في الإطار التنسيقي هادي العامري دعوته المليشيات إلى تأجيل هجماتها على السعودية، مقابل ما وصفه بمطالب تتعلق بـ"اعتذار سعودي وتعويض مادي"، قبل أن تعلن هذه الجماعات بالفعل تأجيل الهجوم.

وأضاف الإعلامي العراقي، متسائلًا عن عدم تقديم الوفد السعودي الذي وصل إلى بغداد وغادرها، اعتذارًا أو تعويضًا، قبل أن يخلص إلى القول: "واضح من المعتدِي ومن المُعتدَى عليه".

لكن البيان الرسمي ركز على رفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول أخرى، وعلى حماية السيادة العراقية واحترام حسن الجوار والتنسيق الأمني وتبادل المعلومات.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه مليشيات تطلق على نفسها اسم "المقاومة الإسلامية" في العراق قد منحت الحكومة مهلة تنتهي في 6 أغسطس/آب لاتخاذ إجراءات ضد السعودية، على خلفية اتهامات وجهتها إليها باستهداف مقار تابعة لها.

وبعد انتهاء المهلة، أعلنت الجماعات تأجيل الرد الذي كانت قد توعدت به، وقالت: إن القرار جاء استجابة لنداء هادي العامري و"تجاوبًا مع المواقف المشرفة من بعض القادة السياسيين".

وكان العامري قد دعا، في كلمة مصورة، فصائل "المقاومة الإسلامية" إلى تأجيل أي رد عسكري على السعودية، وتغليب "مصلحة العراق العليا"، مؤكدًا ضرورة معالجة الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية.

في المقابل، قال هاشم فنيان رحيم السراجي، المعروف باسم "أبو آلاء الولائي": إن تأجيل الرد لا يعني التراجع عنه، مؤكدًا أن الانتقام لقتلى الفصائل "تم تأجيله فقط"، وأن القرار "مبدئي وعقائدي ولا تراجع عنه".

وأضاف الولائي، في بيان صدر السبت 8 أغسطس/آب، أن "الرد واجب عقائدي ووطني"، داعيًا الجهات المعنية بالهجمات إلى "استغلال هذه الفرصة لاستعادة حقوق العراق بما يتناسب مع حجم الأضرار الناجمة عن هذه الاعتداءات".

تحولات إقليمية

تزامنت زيارة الحميدان إلى بغداد مع تطورات إقليمية لافتة، أبرزها توقيع السعودية وتركيا وباكستان، في 7 أغسطس/آب، "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، ما دفع الكاتب والمحلل السياسي العراقي فلاح المشعل إلى طرح تساؤلات بشأن موقع العراق من الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة.

وقال المشعل، في تدوينة نشرها على منصة "إكس" في 7 أغسطس/آب، إن استقبال الزيدي لرئيس الاستخبارات السعودي شهد بحث "الشؤون الأمنية بين البلدين، وسبل تعميق المصالح المشتركة، إلى جانب عدد من الملفات الأخرى".

وطرح المشعل سؤالًا بشأن ما إذا كانت زيارة الحميدان قد حملت دعوة للعراق إلى الانضمام إلى "اتفاقية مكة"، التي قال إنها تضم السعودية وتركيا وباكستان، متسائلًا عما يمنع العراق من الانضمام إلى اتفاق من شأنه، بحسب رأيه، تعزيز أمنه ودفاعه في حال تعرضه لهجوم خارجي.

وأشار المشعل إلى أن الدستور العراقي، وفق المادة التاسعة، لا يتعارض مع إبرام اتفاقيات مع دول أخرى، شريطة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وألا تستخدم الأراضي العراقية منطلقًا للاعتداء على دول الجوار.

وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت، في 7 أغسطس/آب، اتفاقية للدفاع المشترك، أكد بيانها المشترك أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي وتطوير التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية، وأن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا على الجميع.