من الموانئ المحلية إلى الأسواق العالمية.. تحركات الإمارات في إفريقيا

"ميناء بربرة في أرض الصومال أحد أبرز نماذج النفوذ الإماراتي المتصاعد في إفريقيا"
توسّع الحضور الإماراتي في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة؛ فلم يعد يقتصر على استثمارات متفرقة في الموانئ أو المناجم أو القطاع الزراعي، بل أخذ يتجه نحو تشكيل شبكة اقتصادية وتجارية مترابطة، تجمع بين الموارد الطبيعية والبنية التحتية وقنوات الوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "إندبندنت" بنسختها التركية مقالاً للكاتب التركي "جُوكتوغ تَشالشكان"، تناول فيه التحركات الإماراتية في القارة الإفريقية.
وأشار الكاتب إلى أن شركات مثل "موانئ دبي العالمية" و"مجموعة موانئ أبوظبي"، إلى جانب شركات مرتبطة بـ"مجموعة الشركة العالمية القابضة"، تعمل على تعزيز حضور الإمارات في مناطق إستراتيجية من القارة، لا سيما في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل.
وتنشط هذه الشركات في قطاعات متعددة؛ إذ تركز "موانئ دبي العالمية" بصورة أساسية على الموانئ والخدمات اللوجستية، في حين ترتبط استثمارات "مجموعة موانئ أبوظبي" بدرجة أكبر برأس المال الحكومي والعلاقات السياسية.
أما الشركات المرتبطة بـ"الشركة العالمية القابضة"، فتعمل على توسيع استثماراتها في مجالات من بينها التعدين والزراعة.
وعلى الرغم من أن هذه الشركات لا تتحرك دائماً ضمن خطة موحدة، فإن مجمل نشاطها يمنح الإمارات قدرة واسعة على الوصول إلى الموارد والأسواق، خاصة في الدول التي تحتاج إلى تمويل سريع لمشروعات البنية التحتية. كما يتميز النموذج الإماراتي بسرعة التحرك والمرونة والاستعداد للاستثمار في أسواق قد تنظر إليها شركات أخرى بصفتها مرتفعة المخاطر.
وبذلك، لا يظل الاستثمار في ميناء أو منجم مشروعاً اقتصادياً قائماً بذاته، بل قد يصبح حلقة ضمن شبكة أوسع تربط بين استخراج الموارد ونقلها وتسويقها وإعادة تصديرها إلى الأسواق المختلفة.

بوابة إلى الأسواق الإفريقية
يمثل ميناء بربرة في أرض الصومال أحد أبرز نماذج النفوذ الإماراتي في إفريقيا. فقد حصلت شركة موانئ دبي العالمية عام 2016 على امتياز لإدارته لمدة 30 عاماً، وعملت على تطويره ورفع طاقته إلى نحو 500 ألف حاوية سنوياً، باستثمارات مخطط لها بنحو 442 مليون دولار.
وأشار الكاتب إلى أنّ أهمية الميناء تزداد بسبب ارتباطه بممر تجاري نحو إثيوبيا، وهو ما يوفر لأديس أبابا بديلاً عن اعتمادها الكبير على ميناء جيبوتي، ويمنح الإمارات موقعاً مهماً في تجارة القرن الإفريقي.
لكنّ ميناء بربرة يحمل أيضاً بعداً سياسياً وأمنياً؛ إذ تعارض الحكومة الصومالية الاتفاقيات التي أبرمتها أرض الصومال بشكل مستقل.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ قربه من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، يمنحه أهمية تتجاوز الجانب التجاري، رغم عدم وجود أدلة قاطعة على تَحوله إلى قاعدة عسكرية إماراتية.
هذه الإستراتيجية تتكرّر في السنغال أيضاً، حيث تنفذ الإمارات مشروع ميناء ندايان بقيمة نحو 1.2 مليار دولار، بهدف تعزيز موقع السنغال كمركز تجاري ولوجستي في غرب إفريقيا.
وفي مصر، تجاوزت استثمارات موانئ دبي العالمية في العين السخنة 1.4 مليار دولار، ولم تقتصر على إدارة الميناء، بل امتدت إلى التخزين والخدمات اللوجستية وسلاسل التبريد وربط الميناء بالأسواق الداخلية.
بذلك فإنّ هذه المشاريع تكشف أنّ الإمارات لا تنظر إلى الموانئ كمرافق للشحن فقط، بل كَنقاط نفوذ تمتد منها إلى النقل والتخزين والتوزيع والتجارة. كلّما توسعت هذه الخدمات، زادت قدرة الشركات الإماراتية على التأثير في حركة السلع والأسواق.
ويرى الكاتب أن هذا النموذج يواجه حدوداً واضحة في الدول الغير مستقرة. فَمشروع أبو عمامة في السودان الذي أُعلن عام 2022 بقيمة 6 مليارات دولار، توقف بسبب الحرب والانقسام السياسي.
وهذا يوضح أن سرعة رأس المال الإماراتي تمنحه ميزة تنافسية، لكنها لا تكفي وحدها لتجاوز الأزمات السياسية والأمنية.
الجانب الأكثر حساسية
ولفت الكاتب النظر إلى أن الموانئ تمنح الإمارات نفوذاً على حركة التجارة، بينما يمنحها الذهب موقعاً مهماً داخل اقتصاد الموارد الإفريقية.
فقد أصبحت دبي مركزاً رئيساً لتجارة الذهب القادم من إفريقيا، وذلك بفضل وجود المصافي وشركات تجارة السلع والمناطق الحرة وشبكات التمويل وإعادة التصدير.
وأضاف الكاتب بأنّ هناك مشكلة مهمة ظاهرة في أرقام التجارة بين الدول الإِفريقية والإمارات. فهناك فجوات بين كميات الذهب التي تصدرها بعض الدول الإفريقية والكميات التي تظهر في بيانات الإمارات.
ففي عام 2022، بلغ هذا الفرق نحو 405 أطنان، وهو ما يوضح صعوبة معرفة مصدر الذهب ومساره بدقة، رغم أنه لا يعني بالضرورة أن كل الكميات مرتبطة بالتهريب أو الصراعات.
وتظهر المشكلة بشكل أكبر في السودان؛ حيث أصبح الذهب مصدراً مهماً لتمويل أطراف الحرب، خاصة الجيش وقوات الدعم السريع، إلى جانب شبكات من التجار والوسطاء والمهربين.
حيث ينتقل جزء من الذهب السوداني عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، ثم يدخل في شبكة تجارية واسعة، وهو ما يجعل من الصعب تحديد مصدره الحقيقي.
هنا تظهر أهمية دبي؛ إذ يمكن للذهب القادم من مناطق تعاني الحرب أو التهريب أن يصل بعد عدة مراحل إلى السوق الرسمية. وهذا لا يعني بالضرورة تورط الحكومة الإماراتية، لكنه يثير تساؤلات حول قدرة الأسواق على التأكد من مصدر الذهب.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ منطقة الساحل تعاني من مشكلة مشابهة أيضاً؛ حيث تسيطر جماعات مسلحة، بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، على بعض مناطق التعدين الحرفي. ثم ينتقل هذا الذهب عبر دول مثل مالي وبنين وقد يصل لاحقاً إلى دبي.
ورغم أن ذلك لا يثبت تعاوناً متعمداً مع الجماعات المسلحة، إلّا أنّه يوضح صعوبة ضمان تجارة ذهب نظيفة في مناطق تعاني من الحروب والتهريب. وإنّ نقل الذهب بهذه الطريقة يجعل الرقابة على مصدره أكثر صعوبة.
وقد شددت الإمارات إجراءاتها للتحقق من مصادر الذهب ومكافحة غسل الأموال، لكن كلما مر الذهب عبر دول وَ وسطاء أكثر، أصبح من الصعب معرفة مصدره الحقيقي والتأكد من عدم ارتباطه باقتصاد الحرب.

السودان اختبار رئيس
واستدرك الكاتب أنّ السودان يمكنها أن تميّز بوضوح الحدود بين المصالح التجارية والحسابات الأمنية في التحرك الإماراتي بإفريقيا.
فقد وُجهت إلى أبوظبي اتهامات بدعم قوات الدعم السريع بالأسلحة والمال واللوجستيات، ولكن لم تثبت التقارير الدولية بشكل قاطع مسؤولية الحكومة الإماراتية عن هذه العمليات.
وفي يوليو/تموز 2026، أضافت مسودة تقرير جديدة معلومات عن نقل أسلحة وطائرات مسيرة ومرتزقة، ورغم خطورة هذه المعطيات، إلّا أنّها لا تثبت وحدها وجود أوامر مباشرة من الحكومة الإماراتية؛ حيث نفت أبوظبي هذه الاتهامات وقالت: إن الرحلات إلى تشاد مرتبطة بالمساعدات الإنسانية.
في الوقت نفسه، أعلنت الإمارات عن مساعدات للسودان بقيمة 500 مليون دولار، وهو ما يعكس تداخل أدوارها الإنسانية والاقتصادية والسياسية.
وأضاف الكاتب أنّ النفوذ الإماراتي لا يتحرّك في فراغ، بل داخل منطقة تتنافس فيها قوى مثل مصر وروسيا وإيران وتركيا والسعودية وقطر، إلى جانب الحكومات والجماعات المحلية. لذلك فإن الموانئ وطرق التجارة والإمداد قد تتحول إلى أدوات نفوذ اقتصادي وسياسي في الوقت نفسه.
ولفت الكاتب النظر إلى أن الحكومات الإفريقية نفسها ترى في الاستثمارات الإماراتية فرصة لسد نقص التمويل.
فَالإمارات تتحرك بسرعة في مشاريع البنية التحتية والتعدين والزراعة، في وقت يتردد فيه بعض المستثمرين الغربيين في دخول الأسواق عالية المخاطر.
إنّ هذه السياسة تظهر في استثماراتها بـِزامبيا والسنغال وأرض الصومال، إضافة إلى مشاريع الزراعة في مصر والسودان.
لكنّ هذا النموذج يحمل مخاطر أيضاً، خاصة عندما تكون العقود غير شفافة أو عندما ترتبط الاستثمارات بالأراضي والمياه أو بموارد مناطق الصراع.
كما أن اعتماد الإمارات على الحصص والامتيازات وربط الموانئ بالمناجم والأسواق يجعل نفوذها مختلفاً عن النموذج الصيني، والذي يقوم بدرجة أكبر على القروض ومشاريع البنية التحتية.
وختم الكاتب مقاله قائلاً: لا تحتاج الإمارات إلى وجود عسكري واسع كي تصبح قوة مؤثرة في إفريقيا. فربط المَوانئ بِالمناجم والزراعة والأسواق العالمية يمنحها نفوذاً على حركة الموارد والتجارة.
لكنّ استمرار هذا النفوذ سيعتمد على قدرتها على الحفاظ على شفافية استثماراتها، والفصل بين النشاط التجاري وَاقتصادات الحرب، وإقناع الدول الإفريقية بأن هذه الاستثمارات تحقق مصالح مشتركة وليست مجرد وسيلة لتوسيع النفوذ الإماراتي.

















