لوائح “إرهاب” فضفاضة.. كيف تجرّم أميركا وأوروبا العمل الإغاثي في غزة؟

الملفات الإسرائيلية والأميركية تحول أعمال الإغاثة الإنسانية إلى قرائن اتهام
تضع قضية الفلسطيني التركي محمد يوسف حسنة العمل الإغاثي المرتبط بغزة أمام واحدة من أخطر المعادلات التي صنعتها ما تسمى قوانين “مكافحة الإرهاب” الغربية.
فطبيعة العمل داخل قطاع محاصر تفرض على الجمعيات تحويل الأموال وإدخال الغذاء والدواء وتشغيل المستودعات وإعداد قوائم المستفيدين والتنسيق مع المؤسسات القائمة لضمان وصول المساعدات.
لكن الملفات الإسرائيلية والأميركية تحول هذه الإجراءات إلى قرائن اتهام، حين تفسر التواصل الضروري مع الجهات التي تدير القطاع بصفته خدمة لحركة المقاومة الإسلامية حماس أو تمكينًا لها من توجيه عمليات التوزيع.

اتهامات متشابهة
أعلنت وزارة العدل الأميركية في 31 يوليو/تموز 2026 اعتقال حسنة المنحدر من قطاع غزة، في بريطانيا تمهيدًا لتسليمه ومحاكمته في الولايات المتحدة، وقدمته بصفته المدير العالمي لجمعية “شام الخيرية”، وهي منظمة مسجلة بالمملكة المتحدة وتعمل في مجال الإغاثة الإنسانية الدولية.
تتهم الشكوى الأميركية حسنة بإدارة عمليات لإدخال أموال وسلع وشاحنات إلى غزة، واستخدام مستودعات والتعامل مع جهات توزيع وقوائم مستفيدين. ووجهت إليه ثلاث تهم تشمل التآمر لتقديم “دعم مادي” إلى حماس وتمويل أعمال إرهابية بموجب مواد في القانون الأميركي.
واستند مكتب التحقيقات الفيدرالي “إف بي آي” في الشكوى إلى رسائل صوتية ونصية ووثائق متبادلة عبر تطبيق مشفر، وسجلات مالية وصور ومقاطع فيديو ودفاتر حسابات. ويزعم الادعاء أن حسنة تواصل مع القيادي في حماس غازي حمد بشأن الأموال وشراء السلع والمستودعات ومسارات التوزيع.
يعتمد جانب من التحقيق على تفسير عميل “إف بي آي” للمحادثات والمصطلحات، فيما وصفت الإفادة بعض الترجمات العربية بأنها مسودات قابلة للمراجعة.
وقدمت المواد إلى القضاء لإثبات “السبب المحتمل” الذي يتيح الاعتقال والملاحقة، قبل اختبارها في محاكمة علنية واستجواب أصحابها. وحتى الآن، بقيت القضية في طور الاتهام، وأكدت وزارة العدل تمتع حسنة بقرينة البراءة، كما شكرت الأمن الإسرائيلي وسلطات بريطانيا على مساعدتهما بالتحقيق.
وقبل نحو شهرين من اعتقال حسنة، كشفت محاكمة أمين أبو راشد، وهو ناشط فلسطيني هولندي وقيادي في مؤسسات دعم فلسطين والعمل الإغاثي بأوروبا، الفجوة بين الاتهامات الأمنية وما يمكن إثباته أمام القضاء.
فقد اتهمته النيابة الهولندية بتحويل أكثر من ثمانية ملايين يورو إلى حماس بين عامي 2010 و2023، عبر مؤسسات عدة لجمع التبرعات، أبرزها مؤسسة “الإسراء”.
وزعم الادعاء أن مؤسسة “الإسراء” وكيانات أخرى استخدمت لمواصلة أنشطة مؤسسة “الأقصى” التي حظرتها السلطات الهولندية، وأن الجهات المستفيدة من الأموال كانت خاضعة لحماس، كما اتهم أبو راشد بإخفاء دوره عن مصرف “رابوبنك” والالتفاف على العقوبات.
وفي يونيو/حزيران 2025، أدرجته وزارة الخزانة الأميركية وابنته ومؤسسة الإسراء على قائمة العقوبات، ووصفتهم بأنهم جزء من شبكة تجمع الأموال لحماس عبر جمعيات واجهة.
اعتمدت النيابة الهولندية بدرجة كبيرة على تقرير خبير استند إلى مصادر إخبارية وتقارير أميركية وإسرائيلية لربط الجهات المستفيدة بحماس. وتعاملت محكمة روتردام بحذر مع استنتاجاته، وأشارت لاحتمال تأثرها بمواقف سياسية، وطلبت دليلًا محددًا يثبت خضوع المؤسسات للحركة وعلم أبو راشد بذلك.
ثبت أمام المحكمة جمع الأموال وإرسالها إلى غزة، بينما ظلت الجهات المستفيدة خارج قوائم العقوبات الهولندية والأوروبية، ولم يقدم الادعاء دليلًا يثبت سيطرة حماس عليها أو معرفة أبو راشد بوصول الأموال إلى الحركة.
ورأت المحكمة أن استفادة أقارب لأعضاء أو شهداء من حماس من المساعدات الاجتماعية لا تثبت تمويل التنظيم في مجتمع يعيش فيه هؤلاء وأسرهم إلى جانب بقية السكان وتدير الحركة مؤسساته منذ سنوات.
وفي 27 مايو/أيار 2026 برأت المحكمة أبو راشد من تمويل حماس، وخلصت إلى أن غايته الأساسية كانت تقديم المساعدات الإنسانية، لكن ظل التصنيف المالي الأميركي قائمًا رغم سقوط التهمة أمام القضاء الهولندي.
وسبق أن ظهر المسار نفسه في ملف جمعية “إنتربال”، واسمها القانوني “صندوق الإغاثة والتنمية للفلسطينيين”، وهي جمعية بريطانية تقدم المساعدات إلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والأردن ولبنان عبر شركاء محليين.
صنفت الخزانة الأميركية الجمعية كيانًا “إرهابيًا” في أغسطس/آب 2003، واتهمتها بإخفاء تدفق الأموال إلى حماس وتنسيق شبكة لجمع التبرعات، مستندة إلى تقارير لم تنشر تفاصيلها، فيما جمدت هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية بإنجلترا وويلز حسابات الجمعية مؤقتًا وطلبت من واشنطن تقديم أدلتها.
وانتهت المهلة من دون أي إثبات لارتباط “إنتربال” بالأنشطة السياسية أو العسكرية لحماس، فأغلقت الهيئة التحقيق ورفعت التجميد.
وأعادت الهيئة فتح الملف بين عامي 2006 و2009 لفحص أموال الجمعية وشركائها وعلاقتها بـ“ائتلاف الخير"، وتعذر عليها التحقق من الاتهامات المتعلقة بتمويل حماس.، لكنها أمرت الجمعية بقطع علاقتها بالائتلاف ومراجعة آليات اختيار الشركاء والمستفيدين.
وفي عام 2012 أكدت الهيئة امتثال “إنتربال” لهذه الأوامر، فيما بقي التصنيف الأميركي مؤثرًا في سمعتها وقدرتها على التعامل المصرفي.
أما محمد الحلبي، مدير عمليات مؤسسة “الرؤية العالمية” في غزة، فاعتقلته سلطات الاحتلال في 15 يونيو/حزيران 2016، ثم اتهمته بالانتماء إلى حماس وتحويل أموال ومواد ومشاريع إغاثية إلى الحركة.
تحدثت سلطات الاحتلال عن تحويل 50 مليون دولار، بينما أوضحت المؤسسة أن كامل ميزانيتها بغزة خلال السنوات العشر السابقة بلغ نحو 22.5 مليون دولار، وأن الحلبي تولى إدارة العمليات في أكتوبر/تشرين الأول 2014، وكانت صلاحية التوقيع الفردي المتاحة لمستواه الإداري محدودة بـ 15 ألف دولار.
أوقفت “الرؤية العالمية” نشاطها في غزة وكلفت جهة خارجية بإجراء تحقيق مالي جنائي وتدقيق لسجلاتها. واكتملت المراجعة في يوليو/تموز 2017، وخلصت إلى غياب دليل على تحويل الأموال أو عضوية الحلبي في حماس وعمله لمصلحتها.
وقالت وزارة القضاء الإسرائيلية: إن النيابة كشفت أدلتها للدفاع، فيما بقيت أجزاء من المواد والجلسات سرية بذريعة طبيعتها الأمنية. وحجب إغلاق الجلسات وتصنيف الأدلة الأساس الكامل الذي بنت عليه المحكمة حكمها عن الجمهور والمدققين المستقلين.
وبعد احتجاز ومحاكمة استمرا نحو ست سنوات، أدانت محكمة بئر السبع المركزية الحلبي في يونيو/حزيران 2022، وحكمت عليه في أغسطس من العام نفسه بالسجن 12 عامًا. وفي سبتمبر/أيلول 2023 قال خبراء تابعون للأمم المتحدة إن المحاكمة شابتها انتهاكات خطيرة لضمانات العدالة، وطالبوا بمراجعة الحكم.
أفرج عن الحلبي في فبراير/شباط 2025 ضمن عملية تبادل للأسرى والمحتجزين، بعدما أمضى نحو تسع سنوات في الاعتقال والمحاكمة، فيما ظل تحويل الأموال المزعوم بلا دليل.

قوانين فضفاضة
تمنح القوانين الأميركية السلطات مساحة واسعة لإدراج الخدمات المدنية واللوجستية ضمن مفهوم “الدعم المادي”. وتشمل المواد 2339A و2339B و2339C من القانون الجنائي الأموال والخدمات المالية والتدريب والمشورة المتخصصة والمرافق ومعدات الاتصال والأفراد والنقل.
تربط المادة 2339A الدعم بالإعداد لجرائم إرهابية محددة أو تنفيذها، مع اشتراط القصد أو العلم باستخدامه فيها. وتجرم المادة 2339B تقديم الأموال أو الموارد أو الخدمات إلى منظمة مصنفة “إرهابية أجنبية” مع علم مقدمها بالتصنيف أو بالنشاط المنسوب إلى المنظمة، بينما تستهدف المادة 2339C جمع الأموال أو توفيرها مع القصد أو العلم باستخدامها في عمل "إرهابي".
تتيح المادة 2339B بناء القضية من خلال إثبات تقديم مورد أو خدمة إلى المنظمة المصنفة أو بالتنسيق معها، من دون تتبع كل مبلغ إلى عملية عسكرية بعينها، ولهذا جمعت شكوى حسنة بين تهمة تقديم الدعم إلى حماس وتهم ترتبط بالعلم أو القصد باستخدام الأموال في “أعمال إرهابية”.
وسع حكم المحكمة العليا الأميركية هذا المفهوم عام 2010، حين أيد تجريم تدريب أو مشورة قانونية سلمية مقدمة بالتنسيق مع منظمة مصنفة.
يمس هذا التفسير تفاصيل العمل الإغاثي في غزة، حيث يتطلب إدخال الشاحنات وتشغيل المستودعات وتوزيع الغذاء تنسيق المسارات مع حماس التي تدير القطاع.
ويمكن للادعاء الأميركي إدراج هذه الأنشطة ضمن الخدمات أو النقل أو الموارد المقدمة إلى منظمة مصنفة، حين يرى أن حماس وجهتها أو سيطرت على تنفيذها.
ويقتصر الاستثناء القانوني المتعلق بالأدوية على المادة الطبية نفسها، بينما تبقى خدمات التخزين والنقل والإدارة المحيطة بها خاضعة لمفهوم الدعم المادي.
وتتسع المشكلة في غزة بسبب إدارة حماس للوزارات والبلديات والمؤسسات المدنية وإجراءات الوصول، بما يفرض على العاملين الإنسانيين التواصل مع جهات التصاريح والوزارات والبلديات والمؤسسات الاجتماعية والأجهزة التي تسيطر على الأرض.
إلى جانب الملاحقة الجنائية، يستخدم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، الأمر التنفيذي 13224 لإدراج الأشخاص والجمعيات على قوائم العقوبات ما يؤدي إلى تجميد الأصول الواقعة تحت الولاية الأميركية ومنع المعاملات، من خلال قرار تنفيذي يسبق أي محاكمة جنائية.
طبقت واشنطن هذا المسار على “إنتربال” عام 2003، ثم على أبو راشد وابنته ومؤسسة الإسراء في يونيو/حزيران 2025. ويمتد أثره إلى خارج الولايات المتحدة بسبب مركزية الدولار والمصارف المراسلة الأميركية؛ إذ قد يرفض مصرف أوروبي تحويلًا أو يغلق حساب جمعية لتجنب المخاطر والعقوبات.
وفي بريطانيا، تجرم المواد من 15 إلى 18 من قانون الإرهاب لعام 2000 جمع الأموال أو استخدامها أو حيازتها أو الدخول في ترتيبات تجعلها متاحة لأغراض تصنفها السلطات إرهابية. وتستخدم بعض الأحكام معيار العلم أو وجود “سبب معقول للاشتباه”، بما يتيح فتح التحقيق في تحويلات وأنشطة جرت خارج المملكة المتحدة.
ووسعت بريطانيا دائرة الحظر في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، عندما صنفت حماس بجناحيها السياسي والعسكري منظمة محظورة، بعدما كان الحظر منذ عام 2001 مقتصرًا على كتائب القسام. وأدخل القرار المؤسسات المدنية والسياسية التي تربطها لندن بالحركة في دائرة أوسع من المخاطر القانونية.
وتقر النيابة الملكية البريطانية، في إرشاداتها المتعلقة بالعمل الإنساني والتنمية وبناء السلام في الخارج، بأن الجمعيات قد تضطر إلى الاتصال بأعضاء في منظمات محظورة، وإجراء معاملات في الاقتصاد المحلي، والتفاوض مع سلطات أمر واقع تتحكم في الوصول إلى المحتاجين.
وتأخذ الإرشادات في الحسبان الغرض الإنساني للاتصال وإجراءات العناية الواجبة والتناسب والمصلحة العامة، وتترك تقدير الملاحقة للمدعين. كما يتيح القانون طلب موافقة مسبقة لبعض المعاملات أو الإفصاح السريع عنها، وهي إجراءات قد تؤخر التحويلات في الأزمات الإنسانية.
أما توجيه الاتحاد الأوروبي رقم 2017/541، فيلزم الدول الأعضاء بتجريم توفير الأموال أو جمعها مع القصد أو العلم باستخدامها كليًا أو جزئيًا في جرائم إرهابية.
وتوضح المادة 11 أن تهمة التمويل قد تقوم حتى قبل استخدام الأموال فعليًا، ومن دون معرفة العملية “الإرهابية” المحددة التي ستوجه إليها، على أن يثبت القصد أو العلم وفق قوانين كل دولة عضو.
ويطبق الاتحاد أيضًا نظامًا لتجميد أموال الأشخاص والكيانات المدرجة بموجب اللائحة 2580 /2001، ويحظر إتاحة الموارد الاقتصادية لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وأدخلت الأطر الأوروبية تراخيص واستثناءات إنسانية لحماية المساعدات الأساسية، لكن تنفيذ التحويل يظل مرتبطًا بقبول المصارف للمخاطر.
وأقرت مجموعة العمل المالي التي تضع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بأن الإفراط في تطبيق هذه القواعد يقطع العلاقات المصرفية عن الجمعيات ويقصيها من النظام المالي.
وعدلت المجموعة توصيتها الثامنة عام 2023 للتأكيد على التدابير المتناسبة والقائمة على المخاطر، ثم شددت عام 2026 على أن معاييرها لا تدعو إلى إغلاق الحسابات أمام قطاعات كاملة أو تعطيل المساعدات المشروعة.
كما تحذر اللجنة الدولية للصليب الأحمر من “أثر مخيف” تصنعه قوانين الإرهاب والعقوبات وشروط التمويل ورفض المصارف للمعاملات.
ويطاول هذا الأثر التفاوض على الوصول وإصلاح شبكات المياه وتقديم الرعاية الطبية، وتدريب أطراف النزاع على القانون الإنساني، وتيسير تبادل الأسرى، وهي مهام تتطلب التواصل مع الجهات المسيطرة على الأرض.

ما علاقة إسرائيل؟
أدت سلطات الاحتلال أدوارًا متفاوتة في القضايا الأربع، فقد تولت اعتقال الحلبي والتحقيق معه ومحاكمته، وساعدت أجهزة الأمن الإسرائيلية في التحقيق الأميركي مع حسنة.
كما دخلت تقارير إسرائيلية إلى ملف أبو راشد عبر الخبير الذي استعانت به النيابة الهولندية، فيما أسهمت الاتهامات المتعلقة بروابط الجمعيات الفلسطينية في التصنيفات والتحقيقات التي طاولت “إنتربال”.
يبدأ المسار بإنتاج معلومة أمنية تربط جمعية أو موظفًا أو شريكًا محليًا بحماس، ثم تنتقل إلى جهة غربية تحولها إلى شكوى جنائية أو قرار عقوبات أو تحقيق رقابي.
وبعد انتقال المعلومة إلى المؤسسات الغربية، قد تتحول إلى تصنيف مالي تفرضه وزارة الخزانة الأميركية، أو تدخل ضمن شكوى جنائية يعدها مكتب التحقيقات الفيدرالي، كما قد تعتمدها النيابات والجهات الرقابية الأوروبية أساسًا للتحقيق وتجميد الحسابات.
وتكتسب المعلومة عند انتقالها غطاءً مؤسسيًا جديدًا، فقد يرد التقرير الإسرائيلي في بيان أميركي، ثم يعتمد خبير أوروبي البيان بوصفه مصدرًا إضافيًا، رغم عودة المادتين إلى أصل أمني واحد.
وظهر هذا المسار في قضية أبو راشد، حين وجدت محكمة روتردام أن تقرير الخبير يقوم على أخبار وتقارير حكومية ومعلومات أميركية وإسرائيلية، وطالبته بدليل مباشر يثبت سيطرة حماس على الجهات المستفيدة وعلم المتهم بذلك.
وتمنح الأدلة السرية الأجهزة صاحبة الاتهام مساحة إضافية؛ إذ تستطيع الجمعية تقديم حساباتها وسجلاتها وقوائم المستفيدين، بينما يصعب عليها الرد على معلومة محجوبة عن الجمهور أو مجهولة المصدر.
وقد ظهر ذلك بوضوح في محاكمة الحلبي، حيث اعتمد القضاء الإسرائيلي على مواد سرية، في مقابل تحقيق مالي مستقل فحص سجلات المؤسسة ولم يجد دليلًا على تحويل الأموال.
كما تتيح طبيعة الحياة الاجتماعية والإدارية في غزة تحويل الصلات المدنية الضرورية إلى شبهات أمنية؛ إذ تعمل الجمعيات عبر مؤسسات وبلديات قائمة، وتعتمد على قواعد بيانات محلية للوصول إلى الأسر المحتاجة، فيما قد تشمل المساعدات أشخاصًا تربطهم صلات عائلية بأعضاء في حماس. وتعيد التقارير الأمنية تفسير هذه الوقائع بصفتها مؤشرات على سيطرة الحركة على الأموال.
وتعيد التقارير الأمنية وصف هذه الصلات بصفتها دليلًا على سيطرة الحركة على الأموال، بينما رفضت محكمة روتردام هذا الاستنتاج في قضية أبو راشد من دون دليل محدد على السيطرة والعلم.
وتبدأ آثار الاتهام قبل صدور الأحكام، فقد أوقفت “الرؤية العالمية” نشاطها في غزة عقب اعتقال الحلبي، وعلقت وزارة الخارجية الأسترالية مشاركة المؤسسة في البرامج الفلسطينية سنوات، رغم إعلان المؤسسة في يوليو 2017 أن التحقيق المالي لم يجد دليلًا يؤيد رواية التحويل.
وفي أعقاب 7 أكتوبر 2023، أخضعت المفوضية الأوروبية المساعدات المقدمة إلى الفلسطينيين إلى مراجعة واسعة بذريعة منع وصول الأموال إلى جهات تصنفها “إرهابية”.
وانتهت المراجعة إلى غياب دليل على تحويل الأموال عن أغراضها، بعدما وضعت منظومة كاملة من المساعدات والشركاء تحت الاشتباه.
وتدفع هذه البيئة المصارف والمانحين إلى تعليق التمويل مبكرًا، لأن استمرار العلاقة يتطلب تقييمًا قانونيًا ومصرفيًا معقدًا، بينما يقدم وقفها باعتباره إجراءً احترازيًا.
ويصبح التصنيف الأميركي سببًا لرفض مصرف أوروبي التحويل، أو لتجميد جهة مانحة مشروعًا، أو لاعتقال شخص في بريطانيا بطلب من واشنطن.
بهذا المسار تمدد إسرائيل منظومتها الأمنية خارج الأراضي المحتلة، وتمنح واشنطن تقاريرها قوة العقوبات والولاية العابرة للحدود، فيما تضع القوانين البريطانية والأوروبية الجمعيات تحت وطأة الاشتباه ومتطلبات الامتثال.
ويتحول الحصار المفروض على غزة إلى خنق مالي وقانوني يلاحق الجهات التي تحاول إدخال الأموال والغذاء والدواء إلى القطاع.
وفي ظل العدوان والحصار، تصبح متطلبات الوصول الإنساني نفسها مصدرًا للملاحقة، فإدخال المساعدات يحتاج إلى التحويل والتخزين والتوزيع والتنسيق، ثم تعيد المنظومة الإسرائيلية والغربية صياغة هذه الخطوات بوصفها “دعمًا ماديًا”.
وعندما تتعثر التهمة أو تسقط بعد سنوات، يكون أثرها قد وقع بالفعل، بعد وقف المشروعات الإغاثية وقطع التمويل وإغلاق الحسابات واعتقال العاملين، قبل أن تصل القضية إلى نتيجة قضائية.
تقول الصحفية الفلسطينية عبير أيوب: إنه “من اللافت أن الاعتقالات حاليا تأتي على خلفية إرسال حوالات مالية إلى قطاع غزة قبل سنة وسنتين، وأن تلك التحركات تستهدف الناس الذين ينحدرون من القطاع والذين يمكن إلحاق التهم بهم (بسهولة)".
وأضافت في مقطع فيديو نشرته على إنستغرام أن “الأمر جزء من صورة أكبر؛ إذ تفاجأ مستخدمي تطبيق باي بال الأميركي من غزة بتوقف حساباتهم بعد طلب توثيقها ورفع هوياتهم”.
وواصلت أن “تحويل الأموال إلى غزة أصبح مهمة مستحيلة تقريبا من أوروبا ودول الخليج وأيضا الضفة الغربية، ويتوقع أن نرى تزايدا في الحالات المشابهة التي تستهدف الفلسطينيين في قطاع غزة” بهذه التهمة.
المصادر
- Turkey-Based Global Director of Sham Charity Arrested and Charged with Conspiring to Provide Material Support to Hamas
- Treasury Disrupts Sham Overseas Charity Networks Funding Hamas and the PFLP
- (CONSPIRACY TO PROVIDE MATERIAL SUPPORT TO A FOREIGN TERRORIST ORGANIZATION)
- U.S. Designates Five Charities Funding Hamas and Six Senior Hamas Leaders as Terrorist Entities
- Mohammad El Halabi Trial Overview
- Islamist terrorist group Hamas banned in the UK
- The Commission finalises the review of EU aid to Palestine


















