باحث لـ"الاستقلال": وحدة المياه والتمويل والسوق شرط لتعافي الزراعة السورية

“يمكن معالجة وضع القطاع الزراعي عبر وضع آلية متكاملة لدعم الإنتاج”
أكد الدكتور أحمد حج أسعد، الباحث في حوكمة الموارد المائية والتنمية، أن أزمة الإنتاج الزراعي والقطاع الزراعي في سوريا متأصلة وليست مؤقتة، وتحتاج إلى سياسات تتجاوز مقاربة زيادة الإنتاج على المدى القصير.
وأشار حج أسعد، في حوار مع "الاستقلال"، إلى أنه من الضروري العودة قليلًا إلى الوراء لفهم تآكل ربحية المزارع السوري خلال السنوات الماضية.
ونوَّه حج أسعد إلى أنه لا يمكن معالجة وضع القطاع الزراعي من خلال إجراء واحد، وإنما عبر تضافر جهود المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات المحلية، ووضع آلية متكاملة لدعم الإنتاج.
ورأى حج أسعد أن الأكثر أهمية في هذه المرحلة هو تطوير حوكمة مائية أكثر كفاءة، توازن بين الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما الزراعة، وبين الموارد المائية المتاحة وقدرتها على التجدد.
والدكتور أحمد حج أسعد باحث أول في قضايا المياه، تتركز أبحاثه ومشاريعه على الأبعاد الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية لإدارة الموارد المائية، وتأثيرها في المسارات التنموية، ودورها في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتعزيز فرص بناء السلام. ويتناول في عمله آليات استخدام المياه أداةً للهيمنة السياسية والعسكرية، أو وسيلةً للتعاون وتحقيق العدالة، سواء على المستوى الوطني أو في أحواض الأنهار العابرة للحدود.
وهو حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة لوزان في سويسرا، وماجستير في الدراسات التنموية من جامعة جنيف، ويشغل حاليًا منصب مدير مؤسسة "جيو إكسبيرتيز". كما عمل مستشارًا لعدد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية المرموقة، من بينها معهد الدراسات الدولية والتنموية في جنيف، والمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان، وجامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية.
ويتمتع بخبرة ميدانية واسعة تشمل سوريا ولبنان وتركيا والسعودية ومنطقة الساحل الإفريقي. وقد قاد دراسة وتنفيذ عدد من المشاريع الميدانية التي تناولت حوكمة المياه وتحويل النزاعات، كما نشر دراسات تحليلية تبحث في إعادة صياغة سياسات تقاسم المياه في الأحواض المائية العابرة للحدود، بما يضمن العدالة البيئية والتوزيع المنصف للموارد بين الدول المتشاطئة.

إدارة الموارد
كيف تقيّمون واقع القطاع الزراعي في سوريا اليوم، وهل نحن أمام أزمة إنتاج مؤقتة لها أسبابها؟
إن حالة القطاع الزراعي في سوريا حرجة جدًا، كما أنَّ التحديات التي تواجهه كثيرة ومترابطة. ففي تقديري، ليست الأزمة الحالية مجرد أزمة إنتاج مؤقتة ناتجة عن ظروف استثنائية، بل هي نتيجة تراكم اختلالات بنيوية ورثناها عن سياسات زراعية سابقة، وتفاقمت بشكل كبير خلال سنوات الحرب؛ حيث تم استهداف مقدرات الأرياف بشكل ممنهج من قبل النظام السابق.
لذلك، أعتقد أن أزمة الإنتاج الزراعي والقطاع الزراعي متأصلة وليست مؤقتة، وتحتاج إلى سياسات تتجاوز مقاربة زيادة الإنتاج على المدى القصير، والانتقال إلى معالجة الأسباب البنيوية التي تحدّ من قدرة القطاع على التعافي.
وهذا يستدعي إعادة النظر في السياسات الزراعية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتنظيم أسواق المدخلات، ودعم إعادة تأهيل الأصول الزراعية، وتشجيع أشكال أكثر كفاءة من التعاون بين صغار المزارعين، بما يسمح لهم بالاستفادة من المكننة والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق.
رغم امتلاك سوريا مساحات زراعية واسعة وتنوعًا مناخيًا وخبرات بشرية متراكمة، لماذا لم تنعكس هذه المقوّمات بشكل كافٍ على مستوى الإنتاج الزراعي؟
أعتقد أن امتلاك الموارد المتنوعة بحدّ ذاته لا يجعلنا مستقرين أو بعيدين عن المخاطر، وإنما الأهم هو كيفية إدارة هذه الموارد وحوكمتها بطريقة رشيدة. ولهذا، فإن جزءًا أساسيًا من الإشكالية الزراعية في سوريا يرتبط بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد ومواجهة المخاطر التي تحيط بالعملية الإنتاجية.
تملك سوريا مساحات واسعة من الأراضي القابلة للزراعة تقدر بنحو 32 بالمئة من مساحة البلاد، أي ما يقارب 6 ملايين هكتار، إلى جانب تنوّع مناخي وخبرات بشرية متراكمة عبر الزمن. وبالتالي، يمكن لهذه المساحة وهذا التنوع المناخي والخبرات أن تشكل قاعدة مهمة للإنتاج والأمن الغذائي.
إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه الأراضي يعتمد على الزراعة البعلية، ما يجعل الإنتاج شديد الحساسية لتذبذب الهطولات وتكرار الجفاف. أما الزراعة المروية، التي كانت تمثّل نحو 22 بالمئة من المساحة المزروعة؛ فقد تراجعت خلال سنوات الحرب نتيجة الأضرار التي لحقت بشبكات الري ومحطات الضخ والآبار والمنشآت المائية، إضافة إلى ترك المزارعين لأراضيهم الزراعية.
لذلك، لا تتمثل المشكلة أساسًا في نقص الموارد، وإنما في ضعف القدرة على إدارتها وتحويلها إلى إنتاج مستقر ومستدام.
ما أبرز المشكلات التي يواجهها المزارع السوري اليوم، وما أكثرها تأثيرًا في قراره بالاستمرار في الزراعة أو تقليص المساحات المزروعة؟
يواجه المزارع السوري اليوم مجموعة من التحديات المتراكمة، يعود بعضها إلى سياسات زراعية سابقة، فيما تفاقم بعضها الآخر خلال سنوات الحرب. فقد تعرض كثير من المزارعين، لا سيما في المناطق الريفية المتضررة، لخسائر كبيرة نتيجة فقدان المنازل ووسائل الإنتاج، والنزوح والتهجير، وعدم القدرة على الوصول إلى الأراضي واستثمارها لفترات طويلة، مما أدى إلى تراجع قدرتهم الإنتاجية وتراكم الديون والأعباء المالية.
لكن التحدي الأعمق، في تقديري، يرتبط بالتغير الذي طرأ على علاقة المزارع بالأرض التي لم تعد بالنسبة إلى بعض المزارعين وسيلة الإنتاج الأساسية، وإنما أصبحت في نظرهم ثروة احتياطية يمكن اللجوء إليها عند الحاجة. وقد يدفع تراكم الديون المزارع إلى بيع جزء من أرضه أو أرضه كاملة لسداد التزاماته المالية، أو لإعادة تأهيل منزله، أو لاستثمار ثمنها في نشاط آخر يعتقد أن مردوديته أعلى ومخاطره أقل.
ويتمثل تحدٍّ آخر في تفتت الحيازات الزراعية إلى مساحات صغيرة ومتناهية الصغر، نتيجة نظام الإرث والإصلاح الزراعي، مما يحد من كفاءة استخدام الآلات ويجعل الاستثمار في الري والتقنيات الحديثة أكثر صعوبة. وكان يفترض أن تساعد التعاونيات الزراعية على تجاوز هذه المشكلة عبر توفير الخدمات والمدخلات والآليات بصورة جماعية، إلا أن تسييسها من قبل النظام السابق خلال العقود الماضية أضعف أداءها.
ويعاني هذا القطاع من محدودية الدعم والتمويل الزراعي مقارنة بحجم الاحتياجات وارتفاع تكاليف المدخلات والطاقة والنقل. ويواجه صغار المزارعين بصورة خاصة صعوبة في الوصول إلى التمويل بسبب صغر الحيازات ومتطلبات الضمان وارتفاع المخاطر الإنتاجية والسوقية والمناخية.
وبالتالي، فإن قرار المزارع بالاستمرار في الزراعة تحكمه مجموعة مترابطة من العوامل: الربحية، وتكاليف الإنتاج، والتمويل، وحجم الحيازة، وتوفر المياه والمدخلات، والمخاطر المناخية والسوقية، ووجود سياسة زراعية تشجع على الاستثمار والاستمرار. وإذا لم تتحسن هذه البيئة بصورة متكاملة، فسيظل خطر تقليص المساحات المزروعة أو بيع جزء من الأراضي قائمًا.

إدخال تقنيات ري حديثة
إلى أي حد أسهم ارتفاع أسعار البذور والأسمدة والمحروقات وتكاليف الري والنقل في تراجع الإنتاج، وهل أصبح العائد من الزراعة غير متناسب مع حجم المخاطر والتكاليف؟
في هذه النقطة، أعتقد أنه من الضروري العودة قليلًا إلى الوراء لفهم تآكل ربحية المزارع السوري؛ لأن المشكلة الحالية لم تبدأ مع ارتفاع الأسعار أثناء الحرب أو بعد التحرير، بل تعود جذورها إلى التحولات في السياسة الزراعية منذ بداية التسعينيات.
فقد أدت هذه التحولات إلى تقليص الدعم الحكومي للمدخلات الزراعية وارتفاع تكاليف الإنتاج، وبلغت ذروتها مع الانتقال نحو ما سُمّي بـ"اقتصاد السوق الاجتماعي"؛ فبعد رفع الدعم عن المحروقات عام 2007 وتقليص دعم الأسمدة عام 2008، ارتفعت تكاليف الإنتاج بنحو ثلاثة أضعاف بين عامي 1990 و2007، بينما بقيت أسعار بعض المحاصيل الإستراتيجية، كالقمح والقطن، ثابتة أو ارتفعت بصورة محدودة.
وبذلك بدأ هامش ربح المزارع بالتآكل تدريجيًا. وانعكس ذلك أيضًا على القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية؛ إذ انخفضت معدلات سداد القروض لدى المصرف الزراعي التعاوني من نحو 80 بالمئة عام 2000 إلى حوالي 40 بالمئة عام 2008، ما جعل بعض المزارعين يلجؤون إلى مصادر تمويل غير رسمية مرتفعة الكلفة.
فالمشكلة أنه ما زالت قدرة المزارع على التأثير في سعر المنتج وأسعار البذور والأسمدة والمحروقات والري والنقل محدودة.
لذلك، لم يعد السؤال فقط: كم سأنتج؟ بل: هل العائد المتوقع يستحق رأس المال والمخاطر والوقت الذي سأستثمره؟
ومن هنا، فإن المشكلة الأعمق ليست ارتفاع التكاليف وحده، وإنما اختلال العلاقة بين تكلفة الإنتاج، وسعر المنتج، والمخاطر، والتمويل والحماية من الصدمات.
كيف يمكن معالجة مشكلة تراجع الموارد المائية والجفاف، وما الخيارات الواقعية أمام سوريا لتطوير أساليب الري وترشيد استخدام المياه؟
لقد أظهرت أبحاثنا أن حوكمة الموارد المائية خلال العقود السابقة التي تأثرت بدرجة كبيرة بالسلطة السياسية، أسهمت في زيادة الضغوط على الموارد، وانخفاض مناسيب المياه الجوفية، وتدهور نوعية المياه السطحية.
لذا، فإن مواجهة أزمة المياه لا تبدأ فقط بإدخال تقنيات ري حديثة، بل بإصلاح حوكمة الموارد المائية وكيفية إدارتها واستخدامها بطريقة صحيحة وفعالة.
ولتحقيق الأمن المائي والغذائي معًا، فإن سوريا تحتاج إلى سياسات تحقق توازنًا بين استخدام المياه واستدامة الموارد، بحيث لا يكون الهدف زيادة الإنتاج فقط، بل تعظيم القيمة المتحققة من كل وحدة مياه، مع الحفاظ على قدرة الموارد على التجدد.
ويتطلب ذلك تحديث شبكات الري، واستخدام تقنيات أكثر كفاءة، كالري بالتنقيط والرش حيثما تكون ملائمة، وتحسين إدارة الري وفق احتياجات المحاصيل والظروف المناخية السائدة. ويحتاج هذا التحول إلى استثمارات مالية ضخمة، وهذا يستدعي تضافر الجهود الوطنية إلى جانب الدعم الدولي.
كما ينبغي إعادة النظر في التركيبة المحصولية واختيار المحاصيل وفق العائد الاقتصادي مقارنة باحتياجاتها المائية، مع الحفاظ على المحاصيل الإستراتيجية كالقمح. فالميزة النسبية لا ينبغي أن تُقاس بالعائد المالي فقط، بل أيضًا بكلفة المياه واستدامة الموارد والأمن الغذائي.
وبالتالي، فإن معالجة أزمة المياه تحتاج إلى حزمة متكاملة تشمل الحوكمة، ورفع كفاءة الري، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وإدارة العرض والطلب، واختيار المحاصيل بما يتناسب مع الموارد المتاحة.
ماذا تحتاج البنية التحتية الزراعية من شبكات ري ومحطات ضخّ وطرق تخزين ونقل وتسويق حتى يتمكن المزارع من زيادة إنتاجه والوصول إلى الأسواق بشكل أفضل؟
من خلال متابعتنا للقطاع الزراعي وإدارة الموارد المائية، يمكن القول: إن البنية التحتية الزراعية في سوريا عانت طويلًا من الإهمال وضعف الاستثمار واختلالات السياسات الزراعية، ثم تعرضت خلال سنوات الحرب لاستهداف ممنهج من قبل النظام السابق في مناطق ريفية واسعة، نالت شبكات الري ومحطات الضخ والآبار والطرق الزراعية ومنشآت التخزين.
لذلك، يحتاج النهوض بالقطاع إلى إعادة تأهيل متكاملة تشمل الري والطرق والتخزين والنقل والتسويق، وليس معالجة كل عنصر بمعزل عن الآخر. كما يجب ألا تقتصر إعادة الإعمار على استعادة ما كان قائمًا، بل أن تكون فرصة لإعادة تصميم البنية التحتية بكفاءة واستدامة أكبر، خصوصًا في استخدام المياه والطاقة.
وقد أثبتت تجربتنا في إعادة تأهيل شبكة الري في سهل الروج أن الخبرات المحلية والمزارعين يمتلكون قدرات يمكن البناء عليها، حتى في ظروف معقدة، شرط الجمع بين الخبرة التقنية والمشاركة المحلية والإدارة الجماعية والتمويل.
فالهدف ليس العودة إلى ما كان عليه القطاع، وإنما بناء قطاع أكثر إنتاجية وقدرة على الصمود أمام الجفاف وتقلبات المناخ والأسواق.
هل تعتقدون أن الدعم الزراعي الحكومي الحالي يصل فعلًا إلى المزارع بالشكل المطلوب؟ وما الآليات التي يمكن اعتمادها لضمان توجيه الدعم إلى الإنتاج وليس إلى إجراءات موسمية محدودة الأثر؟
برأيي، المشكلة لا تكمن فقط في وصول الدعم إلى مستحقيه، وإنما أيضًا في محدودية حجم الدعم وآليات الوصول إليه. فعندما يتوفر الدعم، فإنه يصل في الغالب إلى الفئات المستهدفة، إلا أن عدد المستفيدين يبقى محدودًا مقارنة بحجم الاحتياجات الحقيقية.
ففي موسم 2024–2025، اقتصر التعويض عن أضرار الجفاف على جزء محدود من المزارعين المتضررين، ويرتبط ذلك إلى حد كبير بالشروط والإجراءات المطلوبة، التي لا تكون واضحة أو متاحة دائمًا للمزارعين.
أما في موسم 2025–2026، فقد تركز الدعم بصورة أساسية على إنتاج القمح. ورغم تحديد سعر شراء رسمي مرتفع يبلغ 400 دولار للطن، فإن تأخر صرف المستحقات دفع بعض المزارعين، بسبب حاجتهم إلى السيولة، إلى بيع إنتاجهم في السوق الحرة بسعر أقل، حوالي 250 دولارًا، بينما استفاد التجار من فارق الأسعار.
وهنا يمكن القول إن إصلاح منظومة الدعم يجب ألا يقتصر على قيمته، وإنما يجب أن يشمل آلية الوصول إليه وسرعة صرفه. ومن المهم تطوير نموذج تشاركي حقيقي يجمع المؤسسات الحكومية والمجالس المحلية والتعاونيات والتنظيمات الزراعية، مع الحفاظ على الدور التنظيمي والرقابي للدولة.
وتزداد أهمية ذلك لأن جزءًا من الأراضي الزراعية ما يزال مسجلًا بأسماء الآباء أو الأجداد، بينما يقوم بزراعتها فعليًا أفراد آخرون من الأسرة أو الحائزون عليها، مما يجعل إثبات الملكية المباشرة صعبًا في بعض برامج الدعم. كما تشكل الإجراءات الإدارية المعقدة عبئًا إضافيًا، خصوصًا على صغار المزارعين.
وهنا يمكن أن تؤدي التعاونيات والأطر المحلية دورًا وسيطًا مهمًا في توثيق الاحتياجات، ومساعدة المزارعين في استكمال الإجراءات، وتسهيل وصول الدعم، مع اعتماد معايير واضحة وشفافة للتحقق والرقابة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي عدّ ضعف تجربة التعاونيات التابعة للاتحاد العام للفلاحين دليلًا على فشل العمل التعاوني بحد ذاته. ففي تقديري، ارتبط جزء من ضعفها بتسييسها واستخدامها من قبل النظام السابق كأداة لتعزيز وجوده في الريف، بدلًا من التركيز على مصالح المزارعين.
لذلك، المطلوب هو إعادة بناء نموذج تعاوني مستقل وفعّال، يقوم على المصلحة الاقتصادية للمزارعين والشفافية والمساءلة والمشاركة، ويدعم شراء المدخلات جماعيًا، وتسويق المنتجات، وتسهيل التمويل والخدمات، خصوصًا لصغار المزارعين.
كيف يمكن توفير تمويل زراعي ميسّر ومنتج يساعد المزارعين على شراء مستلزمات الإنتاج والاستثمار في أراضيهم، في ظلّ ارتفاع تكاليف الزراعة؟
كون بدايتي المهنية كانت في المصرف الزراعي التعاوني في فرعي إدلب وسراقب، أرى أن للمصرف خبرة طويلة يمكن البناء عليها، من خلال تقييم ما حققه من نجاحات وما واجهه من تحديات، واستخلاص الدروس لتطوير آليات تمويل تتناسب مع المرحلة المقبلة.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في توفر القروض، وإنما في قدرة المزارعين على الوصول إليها واستيفاء شروطها، لا سيما صغار المزارعين الذين يواجهون تحديات مرتبطة بصغر الحيازات وتشتتها، والضمانات والمتطلبات الإدارية.
لذلك، يمكن تطوير آليات تمويل تشجّع العمل التعاوني، سواء من خلال الجمعيات متعددة الأغراض أو الشركات العائلية والريفية، بما يتيح تجميع الموارد وشراء مستلزمات الإنتاج والاستثمار في المعدات والري بصورة جماعية، ويخفض التكاليف ويعزز القدرة التفاوضية للمزارعين.
كما ينبغي أن تتناسب شروط القروض وآجال السداد مع موسمية الإنتاج والمخاطر المناخية وتقلبات الأسعار. والهدف ليس مجرد إقراض المزارعين، وإنما توفير تمويل منتج يساعدهم على استعادة قدرتهم الإنتاجية والاستثمار المستدام في أراضيهم.

تمويل زراعي ميسّر
إذا أردنا وضع خارطة طريق واقعية للنهوض بالزراعة السورية خلال السنوات الخمس المقبلة، فما الأولويات التي يجب البدء بها أولًا، وما الإجراءات التي يمكن تنفيذها على المدى القصير؟
في تقديري، لا يمكن معالجة وضع القطاع الزراعي من خلال إجراء واحد، وإنما من خلال تضافر جهود المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات المحلية، ووضع آلية متكاملة لدعم الإنتاج. فالقطاع الزراعي في الظروف الحالية يحتاج إلى دعم يساعد المزارعين على استعادة قدرتهم الإنتاجية والاستثمار في أراضيهم.
ومن الأولويات توفير تمويل زراعي ميسّر ومنتج يساعد على شراء مستلزمات الإنتاج وتطوير تقنيات الري والمعدات، ويحد من اعتماد المزارعين على مصادر التمويل غير الرسمية مرتفعة الكلفة. ويمكن الاستفادة هنا من المصرف الزراعي ومن نماذج العمل التعاوني.
كما أرى أهمية تطوير نموذج إرشادي وتسويقي وجغرافي يساعد على معرفة المساحات المزروعة بكل محصول، وتقدير الإنتاج المتوقع، ومقارنته باحتياجات السوق. فالإرشاد لا ينبغي أن يقتصر على كيفية زيادة الإنتاج، بل يجب أن يساعد المزارع أيضًا على معرفة ماذا يزرع، وأين، وبأي كمية، وما فرص تسويقه، لتجنب فائض الإنتاج وانخفاض الأسعار.
ومن الضروري كذلك تشجيع تجميع الحيازات والعمل المشترك من خلال التعاونيات أو الشركات الريفية، بما يسمح باستخدام الآلات والتقنيات الحديثة وخفض تكاليف الإنتاج، مع بقاء ملكية الأرض لأصحابها، وتجنب التركّز المفرط في ملكية الأراضي.
والأكثر أهمية هو تطوير حوكمة مائية أكثر كفاءة توازن بين الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما الزراعة، وبين الموارد المائية المتاحة وقدرتها على التجدد. لذلك، فإن دعم الزراعة يجب أن يقوم على منظومة متكاملة تجمع بين التمويل، وتنظيم الإنتاج والتسويق، والعمل التعاوني، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وحوكمة المياه.
ما الرسالة التي توجهونها إلى المزارع السوري الذي يواجه ارتفاع التكاليف وتراجع العائد؟
أعتقد أن المزارعين السوريين يمرون اليوم بواحدة من أصعب المراحل في تاريخهم الحديث، ولذلك يجب أن تكون رسالتي إليهم واقعية وحذرة.
أولًا، الاستثمار بحذر وبأقل تكلفة ممكنة، وتجنب الزراعات أو الاستثمارات عالية المخاطر التي قد تؤدي خسارتها إلى تراكم الديون أو بيع جزء من الأرض. فالحفاظ على الأرض والقدرة على الاستمرار في الإنتاج يجب أن يكونا أولوية.
ثانيًا، الانتقال من العمل الفردي إلى العمل التعاوني والمنظم. فتجزؤ الحيازات يحد من كفاءة الإنتاج، ويمكن للتعاونيات أو الشركات العائلية والريفية أن تساعد في تجميع شراء المدخلات، واستخدام الآلات، والري والتسويق، مع بقاء ملكية الأرض لأصحابها.
كما أرى أن مستقبل الريف لا يمكن أن يعتمد على الزراعة وحدها، بل يحتاج إلى تنويع مصادر الدخل من خلال التصنيع الغذائي والصناعات الزراعية والخدمات والسياحة الريفية حيثما تكون مناسبة.
لذلك، أقول للمزارع: لا تتوقف عن الإنتاج، ولكن لا تتحمل وحدك مخاطر أكبر من قدرتك. حافظ على أرضك، واستثمر بحذر، واعمل بشكل جماعي، ونوّع مصادر دخلك.
















