ما مصير المليشيات التي تعاظم حضورها بحرب السودان؟.. معهد أميركي يجيب

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

قد لا يمثّل توقف القتال بين الجيش السوداني ومليشيات "الدعم السريع" -إن تحقق- نهاية للحرب، بل ربما يكون بداية لمرحلة جديدة منها.

وذلك طالما تواصل الخرطوم تكرار النهج ذاته الذي أدى إلى ظهور "الدعم السريع" أساسا، والمتمثل في تسليح مليشيات موازية لتعويض نقص قدرات الجيش، ثم العجز لاحقا عن نزع سلاحها بعد زوال الحاجة إليها.

وبعد نحو ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، لا تزال الدبلوماسية الأميركية تركّز على هدف عاجل وضروري يتمثل في التوصل إلى هدنة إنسانية، ووقف القتال، وضمان وصول المساعدات إلى المدنيين.

غير أن وقف إطلاق النار، رغم أهميته المُلحّة، لن يعالج إحدى الإشكالات الأساسية التي أسهمت في دفع السودان إلى الوضع الراهن، بحسب ما خلصت إليه آريج الحاج، محررة المحتوى العربي في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، في مقال نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية.

وأشارت الحاج إلى أنه حتى في حال تمكنت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي من التوصل إلى اتفاق بين القوات المسلحة السودانية و"الدعم السريع"، فسيبقى السؤال الأصعب مطروحا حول مصير الجماعات المسلحة الأخرى التي ازدادت قوة ونفوذا خلال سنوات الحرب.

ورجحت أن يخرج السودان من الصراع الحالي ليس بوجود جيشين متنافسين فقط، وإنما بخمس أو ست قوى عسكرية مؤثرة، لكل منها قياداتها وأسلحتها وشبكات علاقاتها السياسية ومناطق نفوذها الخاصة.

وحذّرت من أن إنهاء الحرب من دون معالجة ظاهرة انتشار الجماعات المسلحة قد يؤدي إلى استبدال الصراع بين قوتين رئيسيتين بأزمة أمنية أكثر تعقيدا وتشرذما، يصعب احتواؤها والسيطرة عليها.

سد الفجوة

ولفتت الحاج إلى أن هناك نمطا مألوفا في النزاعات السودانية الحديثة، فحين عجز الجيش عن مواجهة التمردات الداخلية، لجأت الحكومات المتعاقبة إلى تجنيد قوات خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، أو تسليحها، أو التعاون معها.

وأوضحت أن هذه الترتيبات وفّرت قوة بشرية عاجلة، لكنها أضعفت مرارا سيطرة الدولة على احتكار استخدام القوة.

وذكرت أن أوضح مثال على ذلك هو "الجنجويد"؛ حيث اعتمدت الخرطوم على هذه المليشيات العربية خلال حرب دارفور، لكنها لم تختفِ حين تغيّر دورها المباشر.

بل تطورت أجزاء من هذا التشكيل لاحقا إلى قوات "الدعم السريع" شبه العسكرية، التي نالت اعترافا قانونيا وسلاحا وموارد ونفوذا سياسيا متناميا.

وبحلول 15 أبريل/نيسان 2023، كانت هذه القوة التي قاتلت يوما إلى جانب الدولة قد انقلبت لتخوض حربا ضدها، بحسب الحاج.

ورأت أن تلك التجربة كان ينبغي أن تكشف خطورة تمكين مجموعات مسلحة خارج الإطار العسكري النظامي، لكن الحرب الحالية، بدل أن تكبح هذا النمط، وسّعته.

وأشارت الحاج إلى أن الجيش السوداني اعتمد، في مواجهة "الدعم السريع"، على مجموعة واسعة من الحلفاء، تشمل حركات مسلحة من دارفور، وقوات محلية، وتعبئة مدنيين، وجماعات أيديولوجية، وتشكيلات عسكرية أخرى.

ومن أبرز هذه القوى، كما ذكرت، "القوة المشتركة" وحركاتها المسلحة المنضوية فيها، ومنها "حركة تحرير السودان" بقيادة مني أركو مناوي، و"حركة العدل والمساواة" بقيادة جبريل إبراهيم.

وأضافت أن قوات أخرى، من بينها "درع السودان" و"كتيبة البراء بن مالك"، اكتسبت أيضا مكانة عسكرية أكبر خلال الحرب.

وأكدت أن هذه الجماعات ليست متطابقة ولا تؤدي الدور نفسه، فلكل منها تاريخها وقاعدتها الاجتماعية وأجندتها السياسية وعلاقتها الخاصة بالجيش.

لكنها استدركت بأن الحرب قوّت هذه الأطراف المسلحة جميعا، ومنحتها من المقاتلين والسلاح والنفوذ الإقليمي والثقل السياسي أكثر مما كانت تملكه قبل أبريل/نيسان 2023.

وخلصت الحاج، في قراءتها لمسار "الدعم السريع"، إلى أن الدرس الأعمق لا يكمن في تضخم قوة شبه عسكرية واحدة، بل في أن السودان لا يستطيع الاستمرار في تمكين شركاء مسلحين لمواجهة تهديدات أمنية آنية، ثم افتراض أنهم سيتخلون عن سلاحهم ونفوذهم بمجرد انتهاء الحرب.

تركة اتفاق جوبا

وعدّت "القوة المشتركة" أحد أوضح الأمثلة على هذا النمط، فهي مجموعة الحركات المسلحة التي دخلت المشهد السياسي والعسكري عبر اتفاق جوبا للسلام لعام 2020.

وأوضحت أن ذلك الاتفاق أنهى حرب دارفور عقب سقوط حكومة عمر البشير وثورة ديسمبر/كانون الأول 2019 السودانية، وأمّن لهذه الحركات مواقع مهمة بموجب تلك التسوية.

لكنها لفتت إلى أن المسار الأمني للعملية الانتقالية لم يواكب المسار السياسي، فنالت هذه الحركات تمثيلا سياسيا، بينما بقي العمل الأصعب، إدماج قواتها وإعادة هيكلة القطاع الأمني، غير منجز.

وذكرت أن هذا الترتيب كان يُفترض أن يكون مؤقتا، خطوة نحو دمج تلك القوات في جيش وطني موحد، لكن المشكلة نفسها تكررت، وهي من يتخلى طوعا عن نفوذه السياسي.

وبدل أن تتراجع هذه الحركات تدريجيا بوصفها قوى موازية، وسّعت الحرب الحالية حضورها السياسي، بل منحتها مكانة داخل مؤسسات الدولة أكبر مما كانت عليه عند توقيع الاتفاق، على حد قول الحاج.

وأثارت الباحثة سؤالا جوهريا يبرز عند الحديث عن بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، وهو: مَن يُسمح له بالانضمام إليها؟

وأوضحت أن بعض هذه القوات متورط في انتهاكات جسيمة موثقة جيدا، بينما تفتقر أطراف أخرى ببساطة إلى الخبرة العسكرية الحقيقية التي تؤهلها للاندماج في جيش نظامي.

وشددت على أن تحديد الفئات التي يمكن قبولها في المؤسسة العسكرية الجديدة، والفئات التي يجب استبعادها أو محاسبتها أولا، أمر أساسي لأي عملية دمج ذات مصداقية.

واستدركت بأن الاندماج، من دون ذلك، يخاطر بإعادة إنتاج المشكلة ذاتها التي يُفترض أنه يعالجها.

مخاطر تتجاوز الحدود

وبيّنت الحاج أن المخاطر التي يطرحها استمرار وجود قوات مسلحة متعددة في السودان تتجاوز حدوده إلى واشنطن نفسها، فالتشظي الأمني يفتح الباب أمام قوى خارجية، بينها جماعات إرهابية وروسيا وإيران، لبناء علاقات مباشرة مع جماعات مسلحة محلية واستغلال ضعف الدولة لتوسيع نفوذها.

وأضافت أن استمرار انتشار السلاح يضغط أيضا على دول الجوار، خاصة مصر وتشاد، اللتين تستضيفان أصلا أعدادا كبيرة من اللاجئين السودانيين، فيما يتصاعد خطر تهريب السلاح عبر الحدود والتهديدات الأمنية الإقليمية الأوسع.

ونبّهت إلى أن الخطر يمتد إلى البحر الأحمر، حيث يمكن لسودان ضعيف ومجزأ أن يخلق فراغا أمنيا تستغله جماعات مسلحة أو شبكات عابرة للحدود، وهو ما يهدد أحد أهم الممرات الملاحية في المنطقة.

ولذلك، رأت الحاج أن نزع السلاح والدمج العسكري لا ينبغي أن يُعاملا كقضية تُطرح بعد وقف إطلاق النار فحسب، إنما يجب أن يكونا جزءا من عملية التفاوض منذ البداية.

ودعت واشنطن إلى جعل مستقبل التشكيلات المسلحة السودانية أولوية في أي تسوية سياسية، وربط ترتيبات تقاسم السلطة مستقبلا بتقدم واضح وقابل للقياس في نزع السلاح وبناء جيش وطني موحد.

وأوضحت أن ذلك يستلزم دعم آليات شفافة لتحديد التشكيلات المسلحة، وتتبع الأسلحة، ورسم خرائط لمناطق انتشار هذه القوات، ومراقبة الالتزام بالخطوات المتفق عليها نحو حل هذه القوات أو دمجها.

وشددت على أن الاندماج في جيش وطني موحد ينبغي أن يخضع أيضا لفرز صارم، بحيث لا يفلت قادة متهمون بانتهاكات جسيمة من المساءلة لمجرد انتقالهم إلى بنية عسكرية جديدة.

وختمت الحاج بالقول: إن الهدف الأميركي ينبغي أن يتجاوز إنهاء الحرب بين الجيش و"الدعم السريع"، وأن يحول أيضا دون خروج السودان من هذا الصراع بعدة جيوش موازية جديدة تحمل بذور الحرب المقبلة.