من الضغط السياسي إلى التحالف العسكري.. كيف تناور إسرائيل داخل أوروبا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل الحرب على غزة، تتباين المواقف الأوروبية من إسرائيل بين ضغوط سياسية وانتقادات متزايدة، وتعزيز التعاون العسكري والأمني معها، كما يظهر في حالتي إسبانيا واليونان، ويعكس هذا التباين حسابات تتصل بالنفوذ والأمن والتوترات في شرق المتوسط.

وتناولت صحيفة "بوبليكو" الإسبانية طبيعة العلاقات المتوترة بين إسرائيل وبعض العواصم الأوروبية، مقابل تنامي التعاون العسكري والأمني مع دول أخرى، وفي مقدمتها اليونان.

وترى الصحيفة أن إسرائيل تستثمر في شبكة تحالفاتها الدولية، وفي علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية، من أجل تعزيز موقعها الجيوسياسي في القارة، بالتزامن مع استمرار الحرب والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.

وقالت: إن إسبانيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز الدول الأوروبية التي تتخذ مواقف حادة تجاه السياسات الإسرائيلية، لا سيما بسبب موقف حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، من الحرب على غزة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، إضافة إلى انتقاداتها المتكررة للعدوان الإسرائيلي وانتهاكات القانون الدولي.

وأضافت أن هذا الموقف الإسباني جعل حكومة سانشيز هدفا لانتقادات وضغوط إسرائيلية متواصلة، في وقت تسعى فيه دولة الاحتلال إلى حشد أكبر قدر ممكن من الدعم السياسي داخل أوروبا، أو على الأقل الحد من تأثير الحكومات التي تتبنى مواقف أكثر انتقادا لها.

اختبار صعب

وفي هذا السياق، ربطت "بوبليكو" بين التوتر الإسباني الإسرائيلي وبين التطورات التي شهدتها مدينة سبتة خلال أزمة الهجرة الأخيرة. 

وأشارت إلى وصول أعداد كبيرة من المهاجرين، بينهم قاصرون، إلى المدينة الواقعة شمال المغرب، في مشهد أعاد إلى الواجهة مسألة استخدام الهجرة بوصفها أداة للضغط السياسي في العلاقات بين الرباط ومدريد.

وأوضحت الصحيفة أن هذه الأزمة شكلت اختبارا صعبا للحكومة الإسبانية، خصوصا أن المغرب يمثل بالنسبة إلى مدريد شريكا أساسيا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب، لكنه في الوقت نفسه يظلّ طرفا في عدد من القضايا الحساسة المرتبطة بالمصالح الإسبانية في شمال إفريقيا.

ونقلت "بوبليكو" أن سانشيز تحدث عن وجود حملات تضليل واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي مرتبطة بالأحداث، وأشار إلى احتمال تورط جهات خارجية، بينها إسرائيل وروسيا.

غير أن الصحيفة لفتت إلى أن واشنطن لم تكن بعيدة عن دائرة التساؤلات، بالنظر إلى علاقاتها القوية مع كل من إسرائيل والمغرب، وإلى التوتر السياسي الذي طبع علاقة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالحكومة الإسبانية.

وفي هذا الإطار، توقفت الصحيفة عند وثيقة صادرة عن لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأميركي، أثارت جدلا بسبب وصفها سبتة ومليلية بأنهما مدينتان تديرهما إسبانيا وتقعان في الأراضي المغربية.

ورأت أن صدور مثل هذا الوصف داخل مؤسسة تشريعية أميركية يحمل دلالات سياسية، حتى وإن لم يمثل بالضرورة الموقف الرسمي النهائي للإدارة الأميركية.

كما أشارت إلى أن الولايات المتحدة كانت قد اعترفت، خلال الولاية الأولى لترامب، بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية، في خطوة عززت العلاقات الأميركية المغربية وكرست تقاربا إستراتيجيا بين واشنطن والرباط.

وترى الصحيفة أن هذا التقارب، إلى جانب العلاقات المتينة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يوفّر خلفية أوسع لفهم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة غرب المتوسط.

علاقة معقدة

وفي خضمّ أزمة سبتة، أثارت تصريحات للسفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، مزيدا من الجدل، بعدما وصف سبتة ومليلية بأنهما "جيبان استعماريان في إفريقيا"، قبل أن تعمل السفارة الإسرائيلية في مدريد لاحقا على تخفيف وقع التصريحات. 

وقالت الصحيفة: إن هذه المواقف، إلى جانب نشاط شبكات محافظة ومتشددة في الولايات المتحدة وإسرائيل، أسهمت في إعادة قضية المدينتين إلى دائرة النقاش السياسي والإعلامي.

ومع ذلك، لم تستبعد "بوبليكو" فرضية وجود دور إسرائيلي مباشر في أزمة سبتة بوصفها موضع شكوك وتحليلات، وليس بوصفها واقعة مثبتة.

فقد تحدثت عن شبهات بشأن احتمال تدخل أجهزة استخبارات إسرائيلية في تحريك الأحداث أو التأثير فيها، لكن لا يوجد دليل علني حاسم يثبت هذه الفرضية.

في المقابل، ركزت الصحيفة على تطور تعده أكثر وضوحا، وهو الانتقال بالعلاقات الإسرائيلية اليونانية إلى مستوى عسكري غير مسبوق. 

فقد شهدت إسرائيل، في 31 أغسطس/ آب 2026، توقيع اتفاق دفاعي كبير مع اليونان، تصل قيمته إلى نحو ثلاثة مليارات يورو، ويهدف إلى تزويد القوات المسلحة اليونانية بمنظومة متطورة للدفاع الجوي والصاروخي.

وقالت الصحيفة: إن الاتفاق، المعروف باسم "درع أخيل"، يمثل أكبر صفقة دفاعية يتم توقيعها بين إسرائيل واليونان، ويشمل مجموعة واسعة من الأنظمة والتقنيات العسكرية الإسرائيلية المصممة للتعامل مع الصواريخ والطائرات والمسيّرات.

ونقلت أن الصفقة تتضمن أنظمة "مقلاع داود" لاعتراض الصواريخ الباليستية والتهديدات بعيدة ومتوسطة المدى، ومنظومة "باراك" المخصصة للتعامل مع الطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلا عن منظومة "سبايدر" للدفاع الجوي قصير ومتوسط المدى.

وأضافت أن الاتفاق لا يقتصر على منصات الاعتراض، بل يشمل أيضا رادارات متطورة للمراقبة الجوية، وأنظمة للقيادة والسيطرة، إضافة إلى تقنيات مخصصة لمواجهة الطائرات المسيّرة، كما أشارت إلى تخصيص 26 مليون يورو لنظام إضافي لمكافحة المسيّرات.

وترى الصحيفة أن هذه الصفقة لا يمكن فصلها عن التوترات المتراكمة في شرق المتوسط، خصوصا العلاقة المعقدة بين اليونان وتركيا. 

فرغم انتماء البلدين إلى حلف شمال الأطلسي، فإن الخلافات بينهما تمتد إلى قضايا الحدود والمجال البحري والطاقة والنفوذ الإقليمي، فضلا عن ملفات مرتبطة بقبرص.

تحول تدريجي

وأشارت الصحيفة إلى أن العلاقة بين إسرائيل واليونان شهدت بدورها تحولًا تدريجيًا خلال العقدين الماضيين، بالتزامن مع تدهور العلاقات الإسرائيلية التركية.

ورأت أن التعاون الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص أصبح أحد أبرز ملامح الترتيبات الإستراتيجية الجديدة في شرق المتوسط.

ولفتت إلى المفارقة الأوروبية المتمثلة في أن دولا مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا اتخذت خطوات لتقليص أو تعليق بعض أشكال التعاون العسكري مع إسرائيل احتجاجا على الحرب في غزة، في حين تتجه اليونان إلى تعميق تعاونها الدفاعي مع إسرائيل، وتخصص مليارات اليوروهات لشراء أنظمة إسرائيلية متطورة.

ورأت الصحيفة أن هذا التناقض يعكس الانقسام الأوروبي المتزايد بشأن إسرائيل والحرب في الشرق الأوسط. فبينما تركز بعض الحكومات الأوروبية على الضغوط السياسية والإنسانية والقانونية على إسرائيل، تنظر دول أخرى إلى التعاون العسكري معها بوصفه جزءا من مصالحها الأمنية والإستراتيجية.

وفي السياق ذاته، أشارت بوبليكو إلى أن برنامج تحديث الجيش اليوناني لا يعتمد على إسرائيل وحدها؛ إذ يشمل أيضا تعاونا واسعا مع الولايات المتحدة، ومنه خطط لاقتناء 40 مقاتلة من طراز إف-35، ضمن برنامج دفاعي يوناني طويل الأمد تصل قيمته الإجمالية إلى عشرات المليارات.

ونقلت الصحيفة عن وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس انتقاده لهذا الاتجاه، محذرا من أن التحول التدريجي لليونان إلى شريك عسكري وثيق لإسرائيل قد تكون له انعكاسات على الأمن والاستقرار في المنطقة. 

ورأى فاروفاكيس أن تعميق هذا المسار لا يخدم بالضرورة مصالح اليونانيين، كما أنه قد يزيد من حدة التوترات في شرق المتوسط.

وقالت الصحيفة: “عموما، يقوم التحرك الإسرائيلي على مسارين متوازيين داخل أوروبا: الضغط السياسي على الدول التي تتبنى مواقف ناقدة لها، وفي مقدمتها إسبانيا، وفي الوقت نفسه بناء شراكات أمنية وعسكرية أكثر عمقا مع دول ترى في إسرائيل شريكا إستراتيجيا، وعلى رأسها اليونان”.

وخلصت إلى أن “هذه التحولات لا تنفصل عن إعادة ترتيب أوسع لموازين القوى في البحر المتوسط؛ حيث تتداخل الحسابات الإسرائيلية واليونانية والتركية والأميركية مع قضايا الأمن والطاقة والهجرة والصراع الفلسطيني”.