ليبيا بين مبادرة بولس وفوضى السلاح.. من يملك مفاتيح الاستقرار؟

"معضلة ضمان تنفيذ المبادرة تبقى قائمة"
حين سحبت شركة "جنرال إلكتريك" الأميركية طواقمها الفنية من محطة كهرباء في مدينة الزاوية، برز حجم الهشاشة الأمنية التي تهدّد بنسف مبادرة واشنطن لتثبيت الاستقرار في ليبيا.
هكذا وصف الصحفي المصري، خالد محمود، الأزمة في مقال نشرته مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية. مشيرا إلى أن سلسلة أزمات هزت البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، وقوّضت المبادرة الأميركية الرامية إلى حل معضلتها السياسية العميقة وفتح أسواقها أمام الاستثمار الأميركي.
وأوضح الكاتب أن احتجاجات عنيفة على تردي الأوضاع المعيشية تصاعدت في المدن الغربية الخاضعة لسيطرة رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت الطاقة والنفط في الزاوية غربي طرابلس.
وأضاف أنه في الشرق، قرب بنغازي الخاضعة لسلطة الانقلابي خليفة حفتر، اغتال مجهولون اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية لدى حفتر، وهو ما دفع واشنطن إلى الإقرار متأخرة بأن تدهور الأمن قد يقوّض مبادرتها للسلام.

وضع هش
ونقل الكاتب عن مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، قوله: إن الهجمات "تؤكد الحاجة إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية قادرة على توفير الأمن للشعب الليبي".
ولفت إلى أن بولس نجح حتى الآن في جمع قادة عسكريين من شرق ليبيا وغربها في تدريبات مشتركة واجتماعات ثنائية، لكنه عدّ هذه الجهود الناشئة أبعد ما تكون عن توحيد فعلي للمؤسسات العسكرية، وأن الأمل يبقى ضئيلا في حل سياسي دائم من دونه.
وذكر المقال أن مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، قالت في إحاطة أخيرة أمام مجلس الأمن الدولي: إن انقطاعات الكهرباء الواسعة والاستياء الشعبي يكشفان عواقب "التشرذم المؤسسي"، وسوء إدارة الموارد، وضعف الاستثمار، وغياب التنسيق في صنع القرار.
ورأى أن تحذير تيتيه بشأن هشاشة الوضع على الساحل الغربي يعيد إلى الواجهة أسئلة لم تُطرح صراحة عن الميليشيات المسلحة المتنافسة على تهريب المخدرات والبشر والوقود، والتي باتت جزءا من المشهد الليبي الراهن.
وأشار إلى أن جانبا مهما من هذا التحذير يتعلق بمحاولة الدبيبة إعادة ترتيب قواته، تحسبا لعملية عسكرية محتملة لانتزاع السيطرة على الزاوية من المليشيات المحلية، وهو ما بات أولوية إستراتيجية بسبب مصفاة النفط الموجودة هناك.
غير أن محمد الحنيش، عضو مجلس النواب الليبي عن الزاوية، حذّر من أن اقتحام المدينة ليس مهمة سهلة، وقد تكون له كلفة أمنية وسياسية باهظة.
ورأى الحنيش أن نجاح أي تسوية سياسية يتوقف على قدرة الإدارة الأميركية على ممارسة ضغط قوي ومتوازن على جميع الأطراف، محذرا من أن الفشل قد يفتح الباب أمام تصعيد مسلح جديد وانقسام أسوأ من انقسام اليوم.
اختبار الزاوية
ويحمل مستقبل الوضع الأمني في الزاوية أهمية بالغة بالنسبة إلى بولس، وكذلك بالنسبة إلى "جنرال إلكتريك"، التي أعلنت إخلاء طواقمها الفنية من محطة الكهرباء هناك إلى حين تحسّن الوضع الأمني.
وأوضح محمود أن الزاوية، الواقعة على مسافة نحو 40 كيلومترا غربي طرابلس والتي تضمّ أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا، ليست مدينة مضطربة فحسب، بل تمثل في تقديره اختبارا محوريا لمبادرة بولس.
ورأى أن أي تصعيد فيها من شأنه إضعاف موقف الدبيبة، وزيادة هشاشة البيئة الأمنية في الغرب، وهو ما يهدد مباشرة المبادرة الأميركية القائمة أصلا على هشاشة الاستقرار في البلاد.
والهدف من منظور واشنطن هو فرض تسوية لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، توحّد المؤسسات وتهيئ الظروف للاستثمار في قطاع الطاقة.
وأضاف المقال أن الزاوية أثبتت أن البعد الأمني لمبادرة بولس ما زال متخلفا نسبيا، كما تجلى بوضوح في انسحاب "جنرال إلكتريك" السريع، مقدرا أن هذا الانسحاب ينبغي أن يكون جرس إنذار لبولس وهو يسعى لإقناع شركات أميركية أخرى بالعودة إلى ليبيا.
ولفت إلى أنه رغم نجاح بولس في توحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 عاما، لا يزال الصراع بين بنغازي وطرابلس على عائدات النفط وإدارة المصرف المركزي مستمرا، وأنه إذا حاول الدبيبة اقتحام الزاوية وفرض سيطرته عليها فستجد المبادرة نفسها تحت ضغط شديد.
وأضاف أن فشل الدبيبة المتوقع في هذه الحالة سيعني أنه ليس الطرف الموثوق لتحقيق الاستقرار.
ونقل عن الخبير النفطي، أحمد الشحاتي، قوله: إن مبادرة بولس لم تُصمم لحل جذور الصراع الليبي، بل تهدف عمليا إلى تجميده مؤقتا وحماية تدفق النفط، وقد تنجح في منع مواجهات النخب وتثبيت تدفق الأموال، لكنها تبقى هشة على المدى الطويل.
وفي الشرق، وتحديدا في معقل حفتر ببنغازي، ثالث أكبر مدن ليبيا، لا يقل الوضع تعقيدا، فقد تلقى حفتر ضربة باغتيال المنصوري، أحد كبار مساعديه ورئيس استخباراته العسكرية، لكنه نجح في إبقاء الاهتمام منصبا على جهوده الدؤوبة للتقرب من الطرفين الأميركي والروسي معا، له ولابنه صدام.
وأوضح أن من بين هذه الجهود مساعدة حفتر في تأمين إطلاق سراح طيار أميركي ومقاتلين اثنين من فيلق إفريقيا الروسي من مالي، ورأى المقال أن حفتر يأمل، بتقربه من القوى الأجنبية، ضمان نفوذ عائلته في أي اتفاق مستقبلي.

أصوات حفتر
ولم يُكشف بعد عن تفاصيل اتفاق التسوية الذي أعدّه بولس، لكن تقارير تشير إلى أنه سيضع صدام حفتر على رأس المجلس الرئاسي، الذي سيحكم إلى جانب الدبيبة بصفته رئيسا للحكومة.
وأبرزت إحاطة تيتيه تباين الأولويات بين المبادرتين المتنافستين، فبينما تعمل الأمم المتحدة على توحيد المؤسسات الأمنية والتنفيذية تمهيدا لانتخابات طال تأجيلها، تكتفي مبادرة بولس بالسعي إلى توافق سياسي واقتصادي بين مراكز القوى الحالية.
ونقل المقال عن تيتيه، في انتقاد ضمني لمسار بولس، قولها: إن "إنشاء مسارات ومبادرات موازية قد يفتح الباب أمام إهدار الوقت والبحث عن منصات بديلة، وهو ما ينبغي تجنبه".
وحذّر عبد الجليل معيوف، مستشار شؤون الطاقة في الحكومة الليبية السابقة، من أن ميزان القوى على الأرض تغيّر كليا مقارنة بعام 2015، حين فتح اتفاق الصخيرات الطريق أمام مفاوضات أممية مستمرة.
وأضاف أن المليشيات باتت اليوم أقوى بكثير وسيطرت على اقتصاد غرب ليبيا، متسائلا بتشاؤم عمّا إذا كانت مبادرة بولس تهدف أصلا إلى "تنصيب هذه المليشيات رسميا" قادة في المنطقة.
وتساءل محمود عمّا إذا كان بالإمكان حماية المبادرة الأميركية، وهل سيقبل بها الجميع، وما حدود القدرة الأميركية على فرضها وإبقائها حية دون أن تلقى موتا مفاجئا.
وختم بالقول: إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف خطورة سعي بولس إلى توحيد المؤسسات وصياغة اتفاق سياسي دون توفير البيئة الأمنية اللازمة أولا.
وأوضح محمود أن أحداث الزاوية مثّلت ثمنا باهظا لشركة أميركية، وسلّطت الضوء على حجم التهديدات الأمنية، تماما كما أعاد اغتيال مساعد حفتر في الشرق فتح جروح مكافحة الإرهاب التي ظن كثير من المراقبين أنها التأمت.
وأضاف أن بولس سيجد بالتأكيد شركاء لمبادرته، وقد يتوصل لاحقا إلى اتفاق، لكن معضلة ضمان تنفيذه تبقى قائمة.
ورغم أن المبادرة الأممية ليست فعالة تماما وتواجه صعوبة في إقناع الشركاء المحليين، رأى الكاتب أنها أكثر انتباها لخطورة الوضع الأمني، مستدركا أنها فشلت حتى الآن في تفكيك المليشيات وطرد المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.
وختم بالقول: إن بعض الليبيين ينظرون بريبة إلى مبادرة بولس، بوصفها وسيلة لإعادة تدوير النخب الحاكمة المسؤولة عن الفشل المؤسسي، والحفاظ على "ديناصورات" ترفض الانقراض.
لذلك، يتعين على بولس أن يولي الوضع الأمني والعسكري أهمية أكبر، فهو البعد الأكثر أهمية في مسعاه لتأمين حل سياسي للحرب، الذي لن ينجح بالتأكيد في غياب قوة تحميه.
















