بين الردع الأميركي والرد الإيراني.. دول المنطقة في مرمى نيران الصراع المباشر

الضربات الأميركية الجديدة أصابت نحو 100 هدف إيراني
في تصعيد عسكري متسارع بعد أسابيع من الهدوء النسبي، دخلت المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران منعطفاً شديد الخطورة، مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، إثر موجة ضربات أميركية واسعة النطاق على إيران، قوبلت برد صاروخي إيراني استهدف القواعد العسكرية الأميركية في دول خليجية وعربية.
فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، فجر 2 سبتمبر، أنها أكملت بنجاح موجة من الضربات لأهداف عسكرية إيرانية، شملت مواقع للدفاع الجوي وأنظمة رادار ومنشآت بحرية وقدرات لزرع الألغام ومواقع للاتصالات.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع انفجارات في محافظة هرمزغان، وبوشهر، وفي جزيرة قشم ومضيق هرمز.
ووفق تصريح مسؤولين أميركيين لموقع أكسيوس، فإن الضربات الأميركية الأخيرة أصابت نحو 100 هدف. مشيرين إلى أنها شملت مهاجمة ناقلتي نفط حكوميتين إيرانيتين لأول مرة، ضمن سياسة “ناقلة مقابل ناقلة” التي أقرّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وعقب الضربات، قال ترامب: إن بلاده تمتلك سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز. مضيفا أنه لا يحاول إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني شنّ هجوم صاروخي باليستي مكثف على حظائر طائرات مسيرة بعيدة المدى بقاعدة الأمير حسن في الأردن، متحدثا عن مقتل عدد من الطيّارين، كما أعلن عن استهداف قواعد أميركية في أربيل.
وصرّح مقر خاتم الأنبياء، بأن العملية الهجومية على الأميركيين ستتواصل "حتى يندموا"، محذرا من أن استمرار "الأعمال العدوانية الأميركية" في المنطقة، سيقابَل بردود "أشد وأوسع نطاقا وأكثر تدميرا".
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: إن "قائمة الفظائع الأميركية بحق الشعب الإيراني اكتملت". مشيرا إلى مقتل وإصابة أكثر من 50 شخصا جراء هجوم "وحشي" استهدف منزلا سكنيا في كوهستك-سيريك أثناء احتفال عائلات بزفاف.
من جهتها، أعلنت القوات المسلحة الأردنية اعتراض وتدمير 10 صواريخ باليستية، وسقوط 3 أخرى في مناطق نائية، دون تسجيل أي إصابات أو خسائر في الأرواح.
كما أعلنت الكويت تصدّي دفاعاتها الجوية لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة "معادية"، في حين قالت البحرين: إنها اعترضت ودمرت طائرات مسيرة إيرانية استهدفت المملكة.
وأدانت الدول المستهدفة الهجمات الإيرانية وعدتها انتهاكاً لسيادتها وأمنها الإقليمي، ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب مدمرة، مع تفعيل أقصى درجات التأهب العسكري للدفاع الجوي.
كما أدانت قطر، تجدد الهجمات الإيرانية على أراضي الأردن والبحرين والكويت، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ لسيادة الدول المستهدفة وخرق للقانون الدولي، في حين أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف قاعدة علي السالم في الكويت بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقالت وزارة الخارجية القطرية: إن استمرار هذه الاعتداءات يمثّل "تصعيدا خطيرا" من شأنه تعقيد جهود احتواء التوتر وتقويض المساعي السياسية والدبلوماسية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، محملة إيران المسؤولية القانونية الكاملة عن تداعياتها.
وجددت الدوحة تضامنها مع الدول الثلاث، ودعت إلى وقف فوري وكامل للأعمال العسكرية والعودة إلى الحوار والمفاوضات والالتزام بالتفاهمات التي تحققت عبر الجهود الدبلوماسية.
وحذّر الرئيس الأميركي القيادة الإيرانية من مغبّة الاستمرار في التصعيد، مؤكداً أن الرد القادم سيكون حاسماً وقد يؤدي إلى "محو" إيران كدولة إذا تعرضت القوات الأميركية لأي أذى إضافي. مشيراً إلى تحرك حاملة الطائرات "جورج واشنطن".
فيما توعّد القادة العسكريون في طهران بجعل واشنطن وحلفائها "يندمون" على هذا العدوان، مشددين على أن مضيق هرمز لن يظل آمناً لمن يفرض حصاراً اقتصادياً وعسكرياً على البلاد.
وتأتي هذه المواجهة المباشرة بعد أسابيع من التوترات البحرية المتصاعدة في الخليج العربي ومضيق هرمز؛ حيث تبادلت واشنطن وطهران الاتهامات حول تهديد سلامة ناقلات النفط التجارية وسفن الشحن الحيوية.
وكانت القوات الأميركية قد عزّزت وجودها العسكري في المنطقة بحاملات طائرات ومنظومات دفاع متطورة لمنع الحرس الثوري من فرض معادلات بحرية جديدة، مما جعل فتيل الانفجار العسكري قابلاً للاشتعال عند أول احتكاك مباشر.
ويندرج هذا التصعيد الخطير في الأول والثاني من سبتمبر/أيلول 2026 ضمن سياق جيوسياسي أوسع يرتبط بإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
ويأتي القصف الأميركي كرسالة ردع قوية من إدارة ترامب لإعادة فرض نفوذها البحري وحماية الممرات المائية الحيوية، بينما يمثّل الرد الإيراني السريع رسالة واضحة بأن طهران لن تقبل بقواعد اشتباك من طرف واحد.
كما يحمل الردّ الإيراني رسالة أن طهران مستعدة لاستخدام أوراق الضغط الإقليمية وقصف القواعد الأميركية في دول الجوار لخلط الأوراق السياسية والعسكرية.
حرب استنزاف
وعبّر باحثون وسياسيون وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن مخاوف حقيقية من أن الضربات الأميركية المتبادلة مع إيران تشكل الشرارة الفعلية لاندلاع حرب إقليمية مدمرة لا تُبقي ولا تذر، وتهدد الاستقرار الهش في المنطقة، خاصة مع إغلاق أو تهديد مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط.
وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #ايران_أميركا، #هرمز، #طهران، #واشنطن، #الأردن، #الكويت، #البحرين، وغيرها أن الضربات الأميركية محاولة لإعادة فرض السيطرة على مضيق هرمز ومنع إيران من إعادة بناء قدرتها على تهديد الملاحة والقواعد الأميركية.
وركزت التعليقات على أن الطرفين يحاولان تجنب حرب مفتوحة لكنهما يقتربان منها عبر ضربات متكررة، مع تحذيرات من أن أي خطأ أو رد انتقامي أكبر قد يجر دولاً أخرى ويفتح باب دمار واسع، مؤكدين هشاشة التوازن الحالي وغياب حلول دبلوماسية حقيقية تحول دون الانزلاق نحو كارثة إقليمية.
انقسام وتباين
وانقسمت آراء الناشطين بحدة حول الرد الإيراني واستهداف دول الخليج الذي استهدف قواعد ومصالح أميركية في دول خليجية مثل الكويت والبحرين، إضافة إلى الأردن.
ورأت شريحة من الناشطين أن قصف القواعد الأميركية في دول خليجية يعدّ اعتداءً سافراً على سيادة هذه الدول العربية المضيفة وأمن شعوبها، مستنكرين تحويل إيران أراضي جيرانها إلى ساحة مواجهة مع واشنطن دون مبرّر.
وأكدوا أن وجود قواعد أجنبية لا يعطي الحق في استهداف مدن أو منشآت مدنية، ووصفوا الهجمات بالعدوان الغادر الذي يمسّ أمن المنطقة ويفرض على دول محايدة دفع ثمن صراع لا علاقة لها به مباشرة.
في المقابل، عدّ فريق آخر الخطوة الإيرانية "مشروعة" لردع الوجود العسكري الأميركي الذي يهدد استقرار المنطقة، ويستخدم لشن ضربات على إيران من أراضي هذه الدول، متسائلين عن مدى السيادة الحقيقية إذا كانت الأراضي تُستغل في حروب الآخرين.
وأشار أصحاب هذا الرأي إلى أن استضافة القواعد تجعل الدول طرفاً في المواجهة، وأن الرد الإيراني يوجه رسالة ضغط لإخراج القوات الأجنبية وحماية استقرار المنطقة من الوجود العسكري الخارجي الذي يزيد التوترات.
تداعيات اقتصادية
وركز ناشطون على التداعيات الاقتصادية للتصعيد الأميركي الإيراني الأخير، خاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار النفط واضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتأثير ذلك على الأسواق العالمية والاقتصادات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى انعكاسات التصعيد على خزانة الدول المتحاربة ومخزونها العسكري.
وأعربوا عن مخاوفهم من ارتفاع قياسي في أسعار الوقود والطاقة عالمياً نتيجة تقييد حركة الناقلات واحتمال تعطل الإمدادات، مع الإشارة إلى أن التصعيد يعيد "علاوة المخاطر" إلى الأسواق ويضغط على التضخم والنمو.
وأشار ناشطون إلى أن إيران تتكبد خسائر أكبر من خلال تراجع صادراتها النفطية، بينما يستفيد منتجون آخرون مثل الولايات المتحدة والسعودية من ارتفاع الأسعار، في حين تتضرر الصين بشدة بسبب اعتمادها على النفط الأرخص وتحولها إلى مصادر أغلى مما يفاقم التضخم والركود.
كما حذّر آخرون من أن استمرار الاضطرابات في المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ويمتد التأثير إلى أسعار السلع والغذاء عالمياً.
وأبرز ناشطون الجانب الاقتصادي كأداة ضغط متبادلة، عادّين الضربات والاستهدافات المتبادلة للناقلات بمثابة "حرب استنزاف اقتصادية"، وأن فقدان إيران تدريجياً لورقة مضيق هرمز يضعف نفوذها، بينما يدفع الارتفاع في أسعار برنت (قرب 95 دولاراً) المستثمرين والمستهلكين إلى إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية على المدى القصير.
ورقة انتخابية
ورأى ناشطون أن عودة التصعيد الأميركي ضد إيران بعد فترة هدنة نسبية ليست صدفة عسكرية بحتة، بل مرتبطة بتوقيت الانتخابات الإسرائيلية، وتقدم كخدمة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
وأكدوا أن نتنياهو، يواجه تراجعاً في استطلاعات الرأي أمام منافسين مثل غادي آيزنكوت، لذا يستفيد من أي تصعيد مع إيران ليحوّل النقاش الداخلي من قضايا الأداء الحكومي والانقسامات إلى قضية أمنية وجودية.
ووصف ناشطون إيران كـ"ورقة انتخابية" تتيح لنتنياهو تقديم نفسه كقائد حازم يُواجه التهديد النووي والصاروخي، خاصة إذا شاركت إسرائيل أو دعمت الضربات الأميركية، مما يخلق اصطفافاً أمنياً داخلياً ويعزز صورته قبل صناديق الاقتراع.
وأوضحوا أن التصعيد الأميركي نفسه يخدم أجندة إسرائيلية انتخابية، سواء بدفع واشنطن نحو ضربات محدودة أو شاملة، أو بفشل المفاوضات عمداً.
وأشاروا إلى أن نتنياهو تفاخر سابقاً بنفوذه في إقناع الولايات المتحدة بالانخراط ضد إيران، ويرون في التوقيت الحالي (قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 والأميركية النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026) محاولة لاستغلال الحرب أو التوتر كأداة سياسية.
في الوقت نفسه، حذر آخرون من أن رداً إيرانياً واسعاً قد يمنح نتنياهو "هدية انتخابية" مجانية عبر إثارة الخوف الداخلي، بينما يتضرر الخليج والدول المجاورة أكثر من غيرهم.

















