بين فزاعة "الإخوان" ونار "الكتيبة".. حرب نتنياهو المزدوجة لإنقاذ مقعده الانتخابي

يهدف نتنياهو من وراء هجومه إلى تخويف الناخبين اليمينيين من صعود حكومة تعتمد على الأحزاب العربية
من فزاعة "الإخوان المسلمين" في صالونات السياسة إلى بارود الاشتباكات في منطقة الكتيبة بغزة؛ يطلق رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معركته الانتخابية الأكثر شراسة عبر دمج مبررات الأمن الميداني بأوراق الشيطنة السياسية، لصناعة "صورة نصر عسكري" يخدمه.
ففي مقابلة تلفزيونية عبر "القناة 14" العبرية، شن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ، هجوماً غير مسبوق على منافسه الانتخابي الأبرز، رئيس أركان الجيش السابق غادي آيزنكوت وذلك على خلفية مواقفه الأمنية خلال فترة الحرب، متهماً إياه بأنه "مدعوم من جماعة الإخوان المسلمين".
ويهدف نتنياهو من وراء هجومه إلى تخويف الناخبين اليمينيين من صعود حكومة تعتمد على الأحزاب العربية وتحديداً القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس.
وكرر نتنياهو اتهاماته لمنافسه آيزنكوت بأنه لن يتمكن من تشكيل حكومة من دون التعاون مع منصور عباس، إلى جانب قوى وشخصيات سياسية أخرى.
ويردد نتنياهو أن آيزنكوت قد يعتمد، في حال فوزه، على شركاء سياسيين من بينهم يائير جولان وأفيجدور ليبرمان ومنصور عباس، مقدرا أن ائتلافًا من هذا النوع سيكون غير قادر أو غير راغب في تنفيذ ما يصفه بإنهاء المهمة على مختلف الجبهات العسكرية.
وقال نتنياهو، في حديثه عن تداعيات فوز آيزنكوت، إن الناخبين يعرفون جيدًا ما سيفعله منافسه وشركاؤه، مضيفًا أن الانسحاب سيكون سريعًا من لبنان وغزة وسوريا، إلى جانب إقامة دولة فلسطينية، وهي مواقف قال نتنياهو إن خصومه يتبنونها رغم محاولتهم إخفاءها.
وصعّد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي من لهجته تجاه إقامة دولة فلسطينية، قائلًا إنها لن تكون، بحسب تصوره، مجرد دولة فلسطينية عادية، وإنما دولة تحظى بدعم قوى عظمى، مقدرا أن مثل هذا التطور سيمثل بداية النهاية لإسرائيل ويدفعها إلى ما وصفه بحالة من الانهيار التام.
وفي السياق، نشر نتنياهو فيديو حملة انتخابية مثيراً للجدل، استخدم فيه الذكاء الاصطناعي (AI) لإظهار آيزنكوت وهو يركب "حصان طروادة" خشبي، يختبئ بداخله منصور عباس ويائير غولان (زعيم اليمين الصهيوني الليبرالي).
ورأى محللون، أن الفيديو يحمل رسالة تحذيرية حادة للناخبين الإسرائيليين بعدم الانخداع بالواجهة المقبولة، والتأكيد على أن التصويت لآيزنكوت يعني فتح الباب أمام حكومة ائتلافية مع التيار اليساري والأحزاب العربية، بحسب تحليل مها علي.
أكاذيب سخيفة
وفي رد فعل فوري وعنيف، أصدر حزب آيزنكوت بياناً رسمياً جاء فيه: "تصريحات نتنياهو هي أكاذيب سخيفة تنم عن ذعر وهلع شديد من الحقيقة".
وأضاف: "نتنياهو مرعوب من اللحظة التي سيكتشف فيها مواطنو إسرائيل من الذي خاف من العملية البرية في غزة واحتلال رفح، ومن الذي يرفض حتى الآن تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر".
بالتزامن مع ذلك، أعلنت الشرطة الإسرائيلية رفع درجة الحراسة الأمنية حول رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعام سولبرغ وحول آيزنكوت نفسه تحسباً لأي عنف سياسي.
وكان نتنياهو قد حذر قبل نحو 10 أيام، من عواقب ما وصفه بالتحالف اليساري مع جماعة الإخوان المسلمين في إشارة واضحة إلى الأحزاب العربية، مؤكدا أنه وأكد لن يسمح بقيام دولة فلسطينية تسيطر عليها إيران في غزة أو الضفة الغربية طالما هو في السلطة.
وجاءت هذه التصريحات عقب دعوات زعيم حزب "رعام" منصور عباس إلى الاعتراف بدولة فلسطين وفتح صفحة جديدة في التحالفات السياسية العربية قبيل الانتخابات البرلمانية الوشيكة.
ويشار إلى أن استطلاع جديد أجرته قناة "كان" الإسرائيلية أظهر حفاظ حزب "ياشار" بقيادة غادي آيزنكوت على مركزه عند 24 مقعداً، وحزب "معاً" بزعامة نفتالي بينيت عند 14 مقعداً، بينما سجل حزب الليكود بزعامة نتنياهو تراجعا إضافيا.
وسجل حزب "الليكود" بقيادة نتنياهو انخفاضاً جديداً، إذ تشير التقديرات إلى حصوله على 21 مقعداً، بتراجع مقعد عن الاستطلاع السابق، وثلاثة مقاعد مقارنة ببداية الشهر، عندما كان متوقعاً حصوله على 24 مقعداً.
وفي سباق ملائمة المرشحين لرئاسة وزراء الكيان، استعاد نتنياهو تقدماً طفيفاً على بينيت، بواقع 37% مقابل 36%، فيما حافظ آيزنكوت على تقدمه على نتنياهو، إذ عده 40% من المستطلعين المرشح الأنسب لرئاسة الوزراء، مقابل 37% لنتنياهو.
وتعكس نتائج الاستطلاع استمرار إعادة تشكيل المشهد الحزبي الإسرائيلي، مع دخول قوى جديدة إلى المنافسة وتراجع أحزاب تقليدية، بما يجعل موازين تشكيل الحكومة المقبلة أكثر قابلية للتغير.
معارض شرس
وغادي آيزنكوت هو جنرال عسكري بارز وسياسي إسرائيلي يشغل حالياً منصب رئيس حزب "يشار" والمعارض الأقوى لبنيامين نتنياهو في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وتولى آيزنكوت منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الحادي والعشرين (2015-2019)، وصاحب "عقيدة الضاحية" العسكرية الشهيرة.
وانضم لاحقاً لحكومة الطوارئ ومجلس الحرب عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 قبل أن يستقيل منها رفقة بيني غانتس احتجاجاً على تفرد نتنياهو بالقرارات وغياب استراتيجية لليوم التالي للحرب.
ويحظى آيزنكوت، الذي فقد ابنه وابن شقيقه في معارك غزة، بدعم واسع من أوساط الوسط واليسار وجزء من اليمين الليبرالي، وتمنحه استطلاعات الرأي الحالية الصدارة لتشكيل الحكومة المقبلة.
عملية فاشلة
وتزامن هجوم نتنياهو الدعائي المحموم ضد آيزنكوت مع تحرك أمني عسكري خطير في قطاع غزة؛ حيث عكست التطورات المتلاحقة في منطقة الكتيبة إصرار القيادة الإسرائيلية على انتزاع 'صورة نصر' ميدانية توظف كوقود سياسي في معركة البقاء الحالية.
فقد شهدت منطقة الكتيبة ومحيط المستشفى الميداني الأميركي غربي مدينة غزة، مطلع سبتمبر/أيلول 2026، حدثاً أمنياً خطيراً إثر تسلل قوة إسرائيلية خاصة (مستعربون) مستخدمة شاحنة مدنية لتهريب عناصرها.
وفور اكتشاف المقاومة للقوة المتسللة، دارت اشتباكات مسلحة عنيفة بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة.
ولتأمين انسحاب القوة الفاشلة، شن الطيران الحربي والمسيّرات الإسرائيلية من نوع "كواد كابتر" حزاماً نارياً عنيفاً شمل أكثر من 15 غارة جوية متتالية، ما أسفر عن استشهاد 4 مواطنين فلسطينيين بينهم طفلان وسيدة، وإصابة العشرات من النازحين.
وأكدت مصادر أمنية ميدانية فلسطينية نجاة المسؤول الأمني المستهدف (ضابط برتبة عقيد في الأمن الداخلي) وفشل مخطط الاختطاف أو الاغتيال، فيما اكتفى جيش الاحتلال الإسرائيلي بإعلان مقتضب زعم فيه "توجيه ضربات لإزالة تهديدات فورية واجهت قواته".
وبينما تحدثت المصادر الفلسطينية عن فشل العملية الإسرائيلية، أعلن وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس، لاحقا، اعتقال مسؤول كبير في حركة حماس داخل قطاع غزة.
وتأتي هذه التطورات المتسارعة في ظل استعار معركة الانتخابات المبكرة الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل، وهي الانتخابات الأولى التي تُجرى بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة عقب حرب غزة واتفاقات وقف إطلاق النار المتذبذبة صيف عام 2025.
ويعاني نتنياهو من تراجع حاد في شعبيته وأزمات قضائية ملاحقة، مما يدفعه إلى الاعتماد على إستراتيجية الصدمات الأمنية وتجريم المعارضة عبر ربطها بالحركات الإسلامية (كتيار الإخوان المسلمين) للحفاظ على تماسك كتلة اليمين المتطرف خلفه.
ويندرج الحدثان (التصريح السياسي والتصعيد الميداني) في سياق محاولة نتنياهو إعادة صياغة الوعي الجمعي الإسرائيلي قبل الذهاب لصناديق الاقتراع.
فالإخفاق في عملية الكتيبة العسكرية يتقاطع مع اتهام آيزنكوت بـ"الضعف والارتباط بالإخوان"؛ حيث يسعى الخطاب اليميني الحاكم إلى إقناع الناخب بأن أي بديل عسكري أو سياسي لنتنياهو سيكون عاجزاً ميدانياً ومهادناً سياسياً.
الأمر الذي يجعل من استمرار العمليات العسكرية الخاصة -حتى لو كانت مغامرة- أداة دعاية انتخابية مباشرة لإفساد أي ترتيبات سياسية قد تطرحها المعارضة.
فزاعة إستراتيجية
يشار إلى أن نتنياهو سارع عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه تصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية"، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، للإشادة بالقرار، وأعلن أن حكومته حظرت جزءا من الجماعة -في إشارة إلى حظر الفرع الشمالي من الحركة الإسلامية لفلسطينيي الداخل عام 2015.
وعدت هذه الخطوة محاولة مباشرة لتجريم "القائمة العربية الموحدة" (راعم) ومنعها من دخول الكنيست لتفكيك معسكر المعارضة الإسرائيلية.
وضمن إستراتيجيته الأمنية، يصنف نتنياهو جماعة الإخوان كـ "مهدد رئيس للاستقرار في الشرق الأوسط".
وصرح في فبراير/شباط 2026، أمام قادة جهاز الأمن العام (الشاباك) بأن إسرائيل تسعى لبناء تحالف إقليمي لمواجهة خطرين: "المحور الشيعي" بقيادة إيران، و"المحور السني" الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين (في إشارة غير مباشرة لحركات المقاومة كحركة حماس).
ويؤكد مراقبون أن مصطلح "الإخوان المسلمين" يمثل في قاموس نتنياهو السياسي "فزّاعة" إستراتيجية، يستحضرها مراراً لشيطنة الأحزاب العربية داخل إسرائيل، وإضعاف قوى الوسط واليسار الإسرائيلي، وبناء تحالفات أمنية إقليمية.
شماعة الإخوان
سخر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي من استخدام نتنياهو المتكرر لـ"فزاعة الإخوان" كأداة انتخابية لتخويف الناخب الإسرائيلي من أي تحالف محتمل مع أحزاب عربية أو معارضة، واصفين إياها بـ"إفلاس سياسي" يهدف للتغطية على الفشل.
وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #نتنياهو، #غادي_أيزنكوت، #الانتخابات_الإسرائيلية، #الكتيبة، وغيرها، إلى أن نتنياهو يلجأ إلى هذه التهمة تماماً كما يفعل بعض الحكام العرب منذ عقود، ليبرر فشله أو يعرقل خصومه.
ولفت ناشطون إلى أن جماعة الإخوان المسلمين أصبحت شماعة لكل مشكلة سياسية، سواء في الكيان الإسرائيلي المحتل أو المنطقة، مؤكدين أن الاتهام يعكس ضعف حججه الحقيقية أكثر مما يكشف عن دعم فعلي.
دور الإخوان
كما برزت تعليقات ساخرة ومستنكرة ترى في تصريح نتنياهو دليلاً على أن الإخوان ما زالوا يُستحضرون كتهديد حتى داخل الساحة الإسرائيلية، رغم ضعفهم السياسي المزعوم في بعض الدول، مع التأكيد على دور التيار الإسلامي التاريخي في مقاومة المشروع الصهيوني.
محاولة تخويف
ووصف ناشطون فيديو نتنياهو المولّد بالذكاء الاصطناعي الذي يُظهر غادي آيزنكوت وأفيغدور ليبرمان على حصان طروادة بداخله منصور عباس ويائير غولان، بأنه محاولة دعائية كلاسيكية لتخويف الناخبين اليمينيين بـ"البعبع" العربي واليساري.
ورأوا أن الهدف الأساسي ضرب آيزنكوت كأبرز منافس، وربطه بتهمة التحالف مع الإسلاميين واليسار لتصوير أي دعم معتدل له كـ"خيانة"، رغم تصريحات آيزنكوت الواضحة ضد قيام دولة فلسطينية.
وعدوا الأسلوب هوليوودياً فجاً يعتمد على الفبركة البصرية بدلاً من نقاش برامج سياسية حقيقية، ويُعيد إنتاج لعبة نتنياهو المعتادة: "إما الليكود أو الحكومة العربية المرعبة".
وأبرز ناشطون أن الفيديو يمثل هبوطاً في الخطاب الانتخابي الرسمي نحو "سيرك رقمي" يُزيّف الوعي ويُفاقم الاستقطاب، بدل تقديم حلول أو برامج.
وأكدوا أن نتنياهو يسعى لطرد أصوات المعتدلين عن المعارضة وتثبيت صورة البديل ككارثة، مستغلاً تقنيات الذكاء الاصطناعي لتصنيع صور مثيرة للخوف، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الانتخابية قبل أكتوبر 2026.
دعاية انتخابية
واستنكر ناشطون العملية الأمنية (سواء كانت قوة إسرائيلية مباشرة أو مليشيا متعاونة) في منطقة الكتيبة غربي مدينة عزة، معربين عن غضبهم من سقوط شهداء مدنيين بينهم أطفال وإصابات في صفوف عائلات نازحة ومرضى ومحيط المستشفى الأميركي.
وسلطوا الضوء على تضارب الأنباء حول تحقيق العملية هدفها؛ إذ أشار فريق إلى تأكيد مصادر أمنية بغزة نجاة المستهدف مؤكدين الفشل الاستخباراتي للاحتلال ووحشيته.
فيما لفت آخرون إلى تصريحات وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي، مشككين في الرواية ووصفوها بالدعاية الانتخابية، وتوقعوا تصاعد هذا النوع من العمليات مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية بحثا عن إنجاز أمني يمكن تسويقه سياسيًا، خصوصًا في ظل مأزق نتنياهو السياسي والضغوط المتزايدة عليه.


















