إيران تعرض "مخرجا" لمليشيات العراق.. هل تنقل أسلحتها الثقيلة إلى أراضيها؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

دون إعلان مسبق، يصل قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قآني إلى بغداد، ويلتقي عددا من المسؤولين، ثم يغادر قبل أن يعرف معظم العراقيين أنه كان هناك أصلا.

وتكرر هذا الأسلوب مطلع أغسطس/آب 2026، بحسب مجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركية.

زيارة مفاجئة

ولم تخرج زيارة قآني، في 10 أغسطس/آب، عن هذا الأسلوب، إذ التقى قادة فصائل مسلحة عراقية ومسؤولين من "الإطار التنسيقي"، تحالف الأحزاب الشيعية الموالية لإيران المهيمن على البرلمان العراقي والذي اختار عمليا رئيس الوزراء الحالي.

وبحسب المجلة، ضغط قآني على الفصائل المسلحة للاحتفاظ بأسلحتها بدلا من تسليمها للحكومة.

وكانت الحكومة العراقية، الواقعة تحت ضغط أميركي مكثف هذه الأيام، قد حددت 30 سبتمبر/أيلول موعدا نهائيا لنزع سلاح جميع الفصائل العاملة خارج سلطة الدولة، وهو اليوم ذاته الذي تنسحب فيه القوات الأميركية من آخر قواعدها في العراق.

وجاءت هذه الضغوط في ظل أزمة اقتصادية خانقة؛ إذ ظل مضيق هرمز، الذي كانت بغداد تصدّر عبره معظم نفطها، مغلقا إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية في 28 فبراير/شباط.

وتراجعت عائدات النفط، التي تشكل نحو 90 بالمئة من الموازنة العامة، بنحو الثلثين منذ بداية الحرب، ما جعل بغداد تواجه صعوبة في دفع رواتب القطاع العام.

وفي هذا السياق، توجه رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى واشنطن في 14 يوليو/تموز، حيث حظي باستقبال حافل في المكتب البيضاوي، وحصل على حزمة اتفاقات طاقة، وتعهد بإخضاع كل السلاح لسيطرة الدولة.

ولم يستقبل الزيدي الذي اتخذ موقفا أقرب علنا إلى واشنطن منه إلى طهران، قآني خلال زيارته. ونقلت شبكة "إم بي إن" عن مصدر مقرب من رئيس الوزراء قوله إن الزيدي "يريد علاقة سياسية لا عسكرية".

وفي خضم هذا الشد والجذب بين واشنطن وطهران حول سلاح العراق، طلب الزيدي من لجنة الدفاع والأمن البرلمانية صياغة تشريع يضع كل السلاح رسميا تحت السيطرة الحصرية للحكومة. ويمكن أن يُواجه من لا يسلم سلاحه بحلول الموعد النهائي في 30 سبتمبر بتهم إرهاب.

ورأت المجلة أن مشروع القانون من شأنه إزالة منطقة رمادية قانونية سمحت لـ "الحشد الشعبي"، وهي مظلة تضم في معظمها فصائل شيعية أدمجها العراق رسميا في جهازه الأمني عام 2016، بالعمل لعقود كجزء من مؤسسات الدولة رسميا، من دون أن تكون هذه الفصائل خاضعة فعليا للمساءلة داخل مؤسسات الدولة.

واستدركت المجلة بأن قدرة مشروع القانون على المرور في برلمان يضم الفصائل ذاتها التي يستهدفها مسألة مختلفة تماما.

مخرج إيراني

وأعلنت جماعتان مسلحتان، هما عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، قطع ارتباطهما بالحشد الشعبي ووضع سلاحهما تحت سلطة الدولة.

غير أن المجلة استشهدت بمقال للباحث، محمد صالح، في موقع "ذا نيو ريجن"، أشار فيه إلى أن التقارير الإعلامية العراقية خلصت إلى أن مراسم التسليم اقتصرت في معظمها على أسلحة خردة تفتقر إلى قيمة قتالية حقيقية.

وأضاف أنه لا توجد آلية مستقلة للتحقق من أن الأسلحة الأثقل، مثل المسيّرات والصواريخ، قد سُلّمت بالفعل، ما يبقي الفجوة بين التسليم الرمزي ونزع السلاح الفعلي قائمة.

ويبدو أن طهران، بحسب ما أكدته المجلة، عازمة على تكريس هذه الثغرة بدلا من إغلاقها.

ونقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن مصادر أن محمد باقر قاليباف، أحد كبار المفاوضين الإيرانيين مع الولايات المتحدة، زار بغداد الأربعاء، 19 أغسطس/آب 2026.

وطرح قاليباف، بحسب المصادر ذاتها، خطة لإخفاء الأسلحة الأثقل للفصائل داخل العراق أو نقلها مباشرة إلى الأراضي الإيرانية.

وترى المجلة أن هذه الخطة، إن نُفذت، ستحول الموعد النهائي في 30 سبتمبر من استحقاق حقيقي لنزع السلاح إلى عملية إعادة تموضع مموّهة تُبقي القدرات الأخطر بعيدة عن الأنظار الأميركية من دون التخلي عنها فعليا.

خط أحمر 

ولم تكلف ثلاثة فصائل أخرى أكثر نفوذا نفسها عناء المشاركة في هذا المسرح أصلا، إذ رفضت منذ البداية فكرة البحث عن أي "مخرج" مشابه لما تفاوضت عليه فصائل أخرى.

وقال أبو حسين الحميداوي، زعيم "كتائب حزب الله"، بشكل قاطع إن جماعته لن تنزع سلاحها. ووصف الضربات الأميركية السعودية الأخيرة على العراق بأنها "سابقة خطيرة قد تؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة".

وتضع واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.

واتخذت "حركة النجباء" و"كتائب سيد الشهداء" مواقف متشددة مماثلة، إذ رأت الأولى أن السلاح ضروري "للدفاع عن العراق ومقدساته وشعبه".

واتهمت السعودية فصائل تنطلق من الأراضي العراقية بشن هجمات بطائرات مسيّرة على منشآتها النفطية أواخر يوليو/تموز.

ودفع ذلك إلى ضربات سعودية-أميركية مشتركة على مواقع للحشد الشعبي أسفرت عن مقتل نحو 20 مقاتلا، من بينهم مستشارون إيرانيون.

وألغى الزيدي زيارة مقررة إلى الرياض احتجاجا، لكنه استقبل بدلا من ذلك رئيس الاستخبارات السعودية في بغداد. وتعهد الزيدي بألا تُستخدم الأراضي العراقية لشن هجمات على أي طرف.

وترى المجلة الأميركية أن الموعد النهائي في 30 سبتمبر يبقى قرارا لا يملكه العراق وحده في الواقع. فنزع سلاح الفصائل الموالية لإيران أو تجميده أو استمراره مرهون، بحسب المجلة، بقرارات تُتخذ في واشنطن وطهران بشأن الحرب المستمرة، أكثر من ارتهانه بتعهدات الزيدي ومقترحاته التشريعية.

فاستمرار الحرب يبقي بغداد في ضائقة مالية ويبقي حجة "المقاومة" التي تسوّقها الفصائل حية، بينما قد يمنح اتفاق يعيد واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في يونيو/حزيران، والتي علّقت الأعمال العدائية بينهما، بعض هامش المناورة للزيدي.

لكن المجلة استدركت بأن تخفيف الضغط لا يعني حل المشكلة الجذرية.

وأضافت أن نزع السلاح الكامل للفصائل المتشددة يتطلب أمرين غير متاحين حاليا، أن تقرر إيران أن الفصائل لم تعد تستحق الحماية، وأن تستخدم الدولة العراقية القوة فعليا ضد أعضاء في تحالفها الحاكم نفسه.

وختمت بأن كلا الاحتمالين إما مستبعد أو قد يكون كارثيا، إذ قد يفتح تحديدا سيناريو الحرب الأهلية الذي حذّر منه محللون وحتى قادة فصائل مسلحة.