زيارة الرئيس الفلسطيني إلى تركيا.. الأسباب والنتائج

منذ ٣٤ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

جاءت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى أنقرة في سياق يتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية؛ إذ تعكس مساعي تركيا لترسيخ دورها كفاعل سياسي مؤثر في القضية الفلسطينية.

خاصة في ظل المرحلة الراهنة التي تتقاطع فيها تداعيات الحرب على غزة مع النقاشات المتعلقة بمستقبل القطاع وإعادة صياغة التوازنات الأمنية على المستوى الإقليمي.

وفي هذا السياق، نشرت وكالة الأناضول التركية مقالاً للكاتب التركي "محمد رقيب أوغلو"، تناول فيه أن الزيارة تؤكد استمرار أنقرة في تبني سياسة داعمة لإقامة الدولة الفلسطينية، مع الإبقاء على قنوات تواصل متوازية مع كل من منظمة التحرير الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية حماس، بما يتيح لها الحفاظ على حضورها وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الفلسطينية.

كما أن بروز اتفاقية مكة للدفاع المشترك يضيف بعداً أمنياً جديداً إلى الدور التركي، ويعكس أن تحركات أنقرة تجاه القضية الفلسطينية لم تعد تقتصر على المسار الدبلوماسي فقط، بل أصبحت جزءاً من بيئة إقليمية أوسع تجمع بين العمل السياسي والتعاون الأمني وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.

تأثير واسع

عند المقارنة بين زيارة محمود عباس إلى تركيا خلال عامَي 2024 و 2026 نجد استمرارية واضحة في السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية، رغم تغير الظروف الإقليمية. 

ففي 2024، حرصت أنقرة على التأكيد بأنّ دعمها لفلسطين لا يقتصر على طرف واحد؛ إذ دعمت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بالتوازي مع استمرار اتصالاتها بحركة حماس، في حين شدد عباس على وحدة الأراضي الفلسطينية وضرورة عدم فصل غزة عن الدولة الفلسطينية.

أمّا في 2026، فقد انتقل التركيز من تداعيات الحرب إلى مستقبل غزة وترتيبات المرحلة المقبلة، بما يشمل الإدارة السياسية والأمنية ونزع السلاح.

في هذا السياق، حافظت تركيا على نهجها القائم على التواصل المتوازي مع مختلف الأطراف الفلسطينية؛ إذ التقى رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن قيادة حماس في إسطنبول قبيل زيارة عباس، بينما استقبلت أنقرة الرئيس الفلسطيني. 

وهذا يعكس رغبة تركيا في عدم الانحياز إلى طرف فلسطيني على حساب آخر، والحفاظ على قنوات اتصال تتيح لها هامشا أوسع للتأثير في مستقبل القضية الفلسطينية.

إنّ أهمية هذه المقاربة تنبُع من واقع الانقسام الفلسطيني الداخلي؛ إذ لا يمكن تجاهل المكانة الدولية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما يصعب في الوقت نفسه تجاوز دور حماس، خصوصاً في أي نقاش يتعلق بمستقبل قطاع غزة.

لذلك، تسعى تركيا إلى تجنب الانحياز إلى طرف فلسطيني على حساب آخر، وتتبنى بدلاً من ذلك سياسة تقوم على الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى. 

غير أنّ ذلك لا يعني أنّ أنقرة قادرة وحدها على حل الانقسام الفلسطيني، لكنه يمنحها هامشاً دبلوماسياً أوسع، ويعزز قدرتها على المشاركة في النقاشات المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية.

وذكر الكاتب في المقال أبرز العناصر الجديدة التي ميزت زيارة عباس عام 2026، وهو حضور اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان؛ فقد أشار الرئيس الفلسطيني إلى أهمية الاتفاقية بالنسبة إلى الاستقرار الإقليمي ومصالح العالم الإسلامي، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً في المخاطر الأمنية.

وأضاف أنّ أهمية هذه الاتفاقية تكمن في كونها تضيف بعداً جديداً إلى البيئة التي تتحرك فيها تركيا. فَـأنقرة لم تعد تعتمد فقط على أدواتها الدبلوماسية وخطابها السياسي في التعامل مع القضايا الإقليمية، بل أصبحت أيضاً جزءاً من إطار دفاعي وتعاون أمني أوسع.

إنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ اتفاقية مكة تمثل تحالفاً موجهاً مباشرة ضد إسرائيل، أو أنها ستتحول إلى أداة عسكرية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، لكنّ وجودها يعكس توجّهاََ نحو تعزيز التعاون الإقليمي في المجال الأمني، وهو ما يمنح تركيا ثقلاً إضافياً في التوازنات الجديدة.

في هذا الإطار، فإنّ اهتمام عباس بالاتفاقية يمكن عده تعبيراً عن أهمية وجود دور إقليمي أكثر فاعلية في التعامل مع التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، بما فيها استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتداعياته السياسية والإنسانية.

بين الأمن والاقتصاد

لم يقتصر لقاء عباس وأردوغان على القضايا السياسية فحسب، بل برزت أيضاً الأزمة الاقتصادية التي تواجهها السلطة الفلسطينية؛ فقد أشار عباس إلى أن إسرائيل تحتجز نحو 6.5 مليارات دولار من الموارد الفلسطينية، وهو ما يضع السلطة أمام ضغوط مالية كبيرة.

وتكشف هذه القضية عن العلاقة الوثيقة بين البعد الأمني والاقتصادي في الحالة الفلسطينية. فَالاحتلال لا يقتصر على السيطرة العسكرية، بل يمتد إلى الموارد الاقتصادية وحركة التجارة وقدرة المؤسسات الفلسطينية على تقديم الخدمات.

من هنا، فإن ضعف الوضع المالي للسلطة الفلسطينية لا يمثل مشكلة اقتصادية فقط، بل يحمل أيضاً تداعيات سياسية وأمنية، إذ يؤثر في استقرار المؤسسات وقدرتها على إدارة شؤون السكان.

من جهةٍ أخرى، تحاول تركيا تقديم دعم يتجاوز المواقف السياسية، وذلك من خلال استقبال الطلاب الفلسطينيين والجرحى، وتقديم المساعدات الإنسانية. وهذا يعكس رغبة أنقرة في تعزيز علاقاتها مع المجتمع الفلسطيني، وعدم حصر حضورها في مستوى العلاقات الرسمية ودبلوماسية القمم.

مرحلة جديدة

وأضاف الكاتب أنّ تركيا حافظت خلال السنوات الماضية على خطاب واضح تجاه السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. 

فقد جدّد الرئيس أردوغان خلال لقائه مع عباس انتقاداته لِلاحتلال والتهجير والاستيطان، كما أكّد موقف تركيا الرافض للممارسات الإسرائيلية في المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي.

تسعى أنقرة أيضاً إلى إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الرأي العام الدولي، وذلك من خلال تسليط الضوء على أعداد الضحايا والنازحين والدمار الذي خلفته الحرب في غزة، والاستناد إلى بيانات الأمم المتحدة في عرض حجم الكارثة الإنسانية.

هذا التوجه يعكس إدراكاً تركياً بأن الصراع لا يقتصر على الجانب العسكري أو السياسي، بل يشمل أيضاً معركة دبلوماسية وإعلامية، تتعلق بكيفية تقديم القضية الفلسطينية للرأي العام العالمي، ومنع تراجعها في سلم الاهتمامات الدولية.

ولفت الكاتب النظر إلى أنّ زيارة عباس إلى أنقرة لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع التي تشهدها المنطقة. فالحرب على غزة أعادت طرح أسئلة تتعلق بمستقبل النظام الإقليمي، وشكل الترتيبات الأمنية، ودور القوى الإقليمية في إدارة الأزمات.

في هذه البيئة بالذات تحاول تركيا الجمع بين عدة أدوات؛ تشمل الدبلوماسية والعلاقات مع القوى الفلسطينية المختلفة والدعم الإنساني، إلى جانب تعزيز حضورها ضمن أطر التعاون الأمني الإقليمي.

من هنا، يمكن اعتبار زيارة محمود عباس تأكيداً على استمرار الرهان التركي على دور فاعل في القضية الفلسطينية. فأَنقرة تسعى إلى الحفاظ على عَلاقتها بمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل المعترف به دولياً.

لكن في الوقت نفسه تواصل اتصالاتها مع حماس، انطلاقاً من قناعة بأن مستقبل غزة والقضية الفلسطينية لا يمكن بحثه من خلال استبعاد أحد الأطراف الرئيسة.

وعليه، فإن الزيارة تمثل أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي تقليدي. فهي تعكس استمرار تركيا في تبني سياسة فلسطينية تقوم على التواصل مع مختلف القوى، وعدم الاختيار بين الضفة الغربية وغزة أو بين منظمة التحرير وحماس، مع الحفاظ على موقف سياسي واضح تجاه إسرائيل.

في الوقت ذاته، تضيف التحولات الإقليمية واتفاقية مكة للدفاع المشترك بعداً جديداً إلى هذا الدور، وذلك من خلال وضع السياسة التركية ضمن إطار أمني أوسع. 

وبين الدبلوماسية والدعم الإنساني والتواصل مع القوى الفلسطينية المختلفة، تسعى أنقرة إلى تثبيت موقعها كطرف إقليمي حاضر في النقاشات المتعلقة بمستقبل فلسطين، في مرحلة ستتحدد خلالها ملامح جديدة لمستقبل غزة والقضية الفلسطينية بصورة عامة.