أمن قومي أم بيزنس.. لماذا تولى الجيش في مصر رقمنة تراث "ماسبيرو"؟

"إسناد رقمنة تراث ماسبيرو للعسكر يحمل أبعادا سياسية واقتصادية"
مع إعلان "الهيئة الوطنية للإعلام" في مصر، إطلاق المشروع القومي لرقمنة تراث “ماسبيرو”، في 28 يوليو/ تموز 2026، بطلب من رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، وبالشراكة مع شركات عالمية منها هاواوي وأورنج، برز تساؤل لافت، عن أسباب إسناد الإشراف على هذا المشروع للمؤسسة العسكرية.
وهل تنظر الدولة إلى أرشيف ماسبيرو بصفته مجرد محتوى إعلامي يحتاج إلى الحفظ ويمكن الاستفادة منه ماديا، وضمنه تعويض خسائر ماسبيرو، أم أصلا إستراتيجيا يستوجب إدارة سيادية لحمايته واستثماره؟
أم أن الأمر أوسع من ذلك ويؤشر إلى ملامح مرحلة إعلامية قادمة ربما يكون جانبا منها التوجهُ لعودة التلفزيون الرسمي بعدما فشلت القنوات الخاصة، والتي باتت ضمن ملكية الأجهزة الأمنية عبر "الشركة المتحدة للإعلام"، في جذب الجمهور المصري؟
وأُنشئ “اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري” (ماسبيرو)، عام 1971، بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات، وتحول لاحقا إلى "الهيئة الوطنية للإعلام" منذ عام 2016.
أسباب الرقمنة
تاريخيا، تعود فكرة الرقمنة إلى مطلع الألفية الجديدة، حين طرحها فنيو وأخصائيو الأرشيف داخل اتحاد الإذاعة والتلفزيون، الذين حذروا من تدهور الأشرطة المغناطيسية، وطالبوا ببدء مشروع قومي للتحويل الرقمي قبل تلفها.
لكن هذه المطالب كانت داخلية، ولم تتحول إلى مشروع حكومي، بسبب ارتفاع التكلفة وضعف البنية التكنولوجية وعدم توافر التمويل.
وكانت أول محاولة حكومية قد بدأت قبل عام 2011، في عهد وزير الإعلام أنس الفقي بتطوير مكتبة ماسبيرو، وشملت، فهرسة أجزاء من الأرشيف، وشراء بعض أجهزة التحويل الرقمي، وتحديث مراكز الحفظ، ولكنها لم تكتمل، بسبب ثورة يناير/كانون الثاني 2011 والأزمة المالية اللاحقة.
وبعد توقف طويل بين 2011 و2023 وتكرار تصريحات مسؤولي ماسبيرو عن ضرورة رقمنة الأرشيف قبل ضياعه، بدون تنفيذ أيضا، بسبب مديونية اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ونقص التمويل وتهالك المعدات، وغياب مشروع قومي متكامل، أعاد رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، أحمد المسلماني، طرح تنفيذ الفكرة كمشروع قومي.
وانتهى الأمر بقرار من السيسي، في 28 يوليو 2026، بعدّ رقمنة تراث ماسبيرو مشروعا قوميا تتولاه الدولة، ويتكلف قرابة مليار جنيه.
وخلال مؤتمر رقمنة ماسبيرو، تم استعراض مراحل تنفيذ المشروع الذي يستهدف تحويل أرشيف مكتبة ماسبيرو إلى أرشيف رقمي متكامل، يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في الفهرسة والبحث وإدارة المحتوى والترجمة إلى أكثر من لغة.
بعد توجيهات الرئيس السيسي.. بدء مؤتمر الوطنية للإعلام للإعلان عن رقمنة تراث ماسبيرو pic.twitter.com/YLa7Ph0GM9
— CBC (@CBCDrama) July 29, 2026
ويقول خبراء إعلام: إن السلطات تنظر إلى هذا الأرشيف بوصفه جزءا من "القوة الناعمة" المصرية، ومصدرا يمكن استثماره تجاريا عبر المنصات الرقمية وحقوق البث والإنتاج الوثائقي.
وأنه بين تقديرات الأمن الرقمي، واستعادة القوة الناعمة المصرية، وتحويل الأرشيف إلى مورد اقتصادي، تبرز دلالات أعمق لهذا المشروع تتجاوز الرقمنة إلى إعادة تعريف قيمة "ذاكرة الدولة" في العصر الرقمي.
إذ يستهدف المشروع، الذي يُعد الأكبر من نوعه في المنطقة، رقمنة نحو مليون شريط صوتي ومرئي بإجمالي 800 ألف ساعة من المحتوى النادر، باستخدام أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، خلال عامين.
وربما يتم الانتهاء من رقمنة 41 بالمئة من المحتوى التلفزيوني بحلول أبريل/ نيسان 2027، حسبما قال وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان.
ويتضمن المشروع إنشاء قواعد بيانات رقمية منظمة ومفهرسة، لحصر وتوثيق نحو مليون شريط تضم 800 ألف ساعة من المحتوى الإعلامي والفني والثقافي والسياسي، توثق تاريخ مصر الحديث على مدى عقود، بحسب المتحدث باسم رئاسة النظام، محمد الشناوي.

لماذا الجيش؟
في سياق إسناد أغلب المشروعات في مصر للمؤسسة العسكرية بفروعها المختلفة، لأسباب تتعلق بالعسكرة والربح والسيطرة، كان غريبا أن يتم إسناد الإشراف على "رقمنة ماسبيرو"، وهو مشروع ثقافي إعلامي، إلى المؤسسة العسكرية.
وكان الأغرب هو إسناد الأمر للشؤون المعنوية للجيش التي استعانت بدورها بشركات عالمية مثل هاواوي وأورانج، بدلا من مهندسي ماسبيرو الأكثر خبرة بهذا التراث.
كان التفسير والتصريحات الرسمية لإسناد رقمنة ماسبيرو للمؤسسة العسكرية، يدور حول الكفاءة وحماية التراث، وتقديرات الأمن القومي، وحماية الذاكرة الوطنية، وتسريع الرقمنة.
بينما أرجعت تفسيرات صحفية وتحليلية الأمر إلى اتساع دور المؤسسة العسكرية في إدارة الأصول المدنية، وضعف المؤسسات المدنية، والرغبة في التحكم في إدارة الأرشيف مستقبلا وربما توجيهه بالاهتمام بأحداث وإغفال أخرى.
ويرى عدد من الإعلاميين والكتاب المصريين أن إسناد مشروع رقمنة تراث ماسبيرو إلى المؤسسة العسكرية لا يقتصر على كونه قرارا تقنيا، بل يحمل أبعادا سياسية وإدارية واقتصادية.
وأرجع مؤيدو القرار السبب إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت الذراع التنفيذية الرئيسة للدولة في المشروعات القومية، وأنها تمتلك بنية تقنية وشركات تابعة قادرة على إنجاز مشروع ضخم يضم نحو مليون شريط وأكثر من 800 ألف ساعة من المواد السمعية والبصرية، بسرعة كبيرة.
فيما ذهب عدد من الإعلاميين إلى أن أرشيف ماسبيرو لا يمثل مجرد محتوى إعلامي، بل يوثق تاريخ الدولة المصرية منذ عشرات السنين، ويحتوي على مواد سياسية وعسكرية وأمنية ووثائق نادرة، ولذلك فضلت الدولة إسناده إلى المؤسسة العسكرية.
بالمقابل، انتقد بعض الصحفيين والباحثين هذه الخطوة بصفتها امتدادا لاتساع دور الجيش في إدارة قطاعات مدنية متعددة، مثل الطرق والإسكان والموانئ والصناعة والخدمات الرقمية.
ورأوا أن المشروع كان يمكن أن تنفذه شركات مدنية متخصصة في الأرشفة الرقمية أو من خلال شراكة تنافسية مع القطاع الخاص، مع الاستعانة بمهندسي ماسبيرو التاريخيين.
وطرح بعض الكتاب تساؤلات حول ما إذا كان وجود المؤسسة العسكرية في المشروع سيقتصر على الجانب الفني (الرقمنة والحفظ)، أم سيمتد إلى إدارة المحتوى وإتاحة الأرشيف مستقبلا، خصوصا أن المشروع يتضمن إنشاء قواعد بيانات رقمية ضخمة وإعادة تنظيم الأرشيف بالكامل، ما يؤشر لملامح مرحلة إعلامية قادمة أكثر قيودا.
ويشير إعلاميون آخرون إلى أن نقل إدارة أصل اقتصادي ضخم (ماسبيرو) إلى جهة (عسكرية) تمتلك قدرة تنفيذية واستثمارية أعلى من المؤسسات الإعلامية التقليدية، ربما يكون دلالة على تراجع الدور التنفيذي للهيئة الوطنية للإعلام.
فرغم أن الهيئة الوطنية للإعلام تظل المالك القانوني للأرشيف، فإن إسناد تنفيذ المشروع إلى جهاز يرتبط بالمؤسسة العسكرية يعكس، عمليا، تراجع قدرة الهيئة على إدارة مشروع بهذا الحجم بمفردها، سواء بسبب أزماتها المالية أو البيروقراطية أو نقص التمويل اللازم للتحول الرقمي.
ويرون أن دخول جهاز تابع للمؤسسة العسكرية في إدارة أحد أهم الأصول الإعلامية والثقافية المصرية يعكس اتجاها لتوسيع دور المؤسسات السيادية في إدارة الأصول الإستراتيجية للدولة، وليس فقط في القطاعات الدفاعية أو الأمنية.
وقد تساءل إعلاميون، منهم حافظ الميرازي، الذي عمل سابقا في التلفزيون المصري: “لماذا يُسند ماسبيرو مشروع الترقيم الإلكتروني لمكتبته إلى إدارة نظم المعلومات بالقوات المسلحة المصرية، التي تعاقدت من ناحيتها مع شركة هاواوي الصينية لإنجاز المشروع المتعلق بماسبيرو؟”
وتساءل الميرازي عن سر عدم الاستعانة بالخبرة الكبيرة لمهندسي الصوت والصورة بقطاع كامل باسم "الهندسة الإذاعية"، رغم أن أجهزة الدولة الأمنية والسيادية كانت تستعين بخبراء ماسبيرو لتقديم الخبرة الفنية، فأين ذهبوا؟
ورأى أن "الاستعانة بإدارة نظم المعلومات في القوات المسلحة لترقيم أرشيف ماسبيرو، دون السماح لخبرائه بالتعامل المباشر مع الشركة الصينية، يتعلق بعسكرة كل قطاعات الدولة المصرية، حتى الإعلام الرسمي في ماسبيرو الضعيف".
وقال الميرازي: “ألا يكفي استحواذ وتأميم أغلب قنوات القطاع الخاص ونقلها باسم الشركة المتحدة لملكية وإدارة المخابرات العامة؟”
الجيش خط أحمر
ومطلع أغسطس/ آب 2026، وبالتزامن مع حديث مسؤولين عن توسيع نطاق حرية التعبير، مُنعت جريدة "الوفد"، المفترض أنها ليبرالية مستقلة وتُعبر عن حزب الوفد، من نشر مقال لمدير تحريرها السابق مجدي حلمي، تناول فيه تحديات مشروع رقمنة ماسبيرو، بسبب تخوفه من المشروع وحديثه عن دور الجيش.
صحفيون أبلغوا "الاستقلال" أن مطبعة جريدة الأهرام التي يتم طبع الجريدة فيها، رفضت طبع الصحيفة، ذات الثماني ورقات لعدم الإقبال على شراء الصحف الورقية، بدون سبب، حتى تم حذف المقال، وسط تكهنات بوجود رقابة على الطباعة.
وتبين أن سبب حجب المقال هو الانتقاد الضمني لتكليف الجيش وجهات أجنبية بعملية رقمنة ماسبيرو، وعدم الرغبة في توجيه أي انتقادات لإشرافه على المشروع، حسبما أكد صحفيون.
وقال حلمي، في منشور عبر صفحته على "فيسبوك"، إن "منع مقالي الأسبوعي في الوقت الذي تدعي الدولة ووزير إعلامها أنها مع حرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير.. لكن يبدو أنها شعارات، وبسبب المقال تم تعطيل طباعة الجريدة ذات الثماني صفحات حتى منتصف الليل".
وقال حلمي إنه تواصل مع إدارة التحرير للاستفسار عن سبب عدم النشر، فأُبلغ بأن قرار المنع جاء من مطبعة جريدة الأهرام، دون تفسير.
وأشار إلى أنها المرة الأولى التي يُمنع فيها نشر مقال من المطبعة، إذ كانت المقالات تُمنع سابقا أو تُحجب بقرار من رئيس التحرير، وكان يجري النقاش بشأنها، إما بكتابة مقال بديل أو بتقديم الجريدة اعتذارا.
وقد نشر حلمي المقال كاملا في البوست نفسه بعنوان "أحمد المسلماني ورقمنة أرشيف الإذاعة والتلفزيون".
وتناول المقال 4 تحديات، قال حلمي إنها تواجه المشروع الوطني لرقمنة ماسبيرو، الذي تنفذه الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة المسلماني، وفي مقدمتها استعادة المواد الإعلامية من أفلام وأغانٍ وبرامج أنتجها التلفزيون المصري، وكتب أنها "تم سرقتها أو بيعها بدون تصريح لقنوات عربية في فترات التسيب".
والتحدي الثاني أمام المشروع يتمثل في الجهة التي ستتولى تحويل هذا الكم من الشرائط إلى ملفات رقمية، منتقدا ما وصفه بفشل تجارب حكومية سابقة في الرقمنة، في إشارة ضمنية ربما لانتقاده تولي الجيش هذه المهمة.
أما التحدي الثالث، حسب المقال، فيتعلق بترميم الأجزاء التالفة من الأشرطة القديمة قبل تحويلها إلى ملفات رقمية، وهي مهمة تحتاج إلى عناية ودقة، من خبراء داخل مبنى ماسبيرو ومن المتقاعدين في مجالي المونتاج والترميم.
ورأى حلمي أن التكلفة المالية تمثل التحدي الرابع للمشروع، في ظل ما قال عن ديون بمليارات الجنيهات على الهيئة الوطنية للإعلام، مطالبا الحكومة إما بإسقاط هذه الديون رسميا أو الإعلان عن ميزانية مستقلة للمشروع.
تعويض الخسائر
ويربط خبراء بين رقمنة وتطوير تراث ماسبيرو، وبين خسائر التلفزيون المصري الرسمي، بحيث يتم الاستفادة من بيع عوائد استغلال تراث ماسبيرو التي سيتم رقمنتها والخدمات المختلفة لتعويض بعض خسائر المبني العريق الذي يعاني موظفوه المتقاعدون من عدم صرف مستحقاتهم ومعاشاتهم.
إذ لا يقتصر المشروع على حماية الأشرطة القديمة من التلف، بل يهدف إلى تحويلها إلى أصل اقتصادي قابل للاستثمار.
فالرقمنة تتيح بيع حقوق البث والإنتاج، وإنشاء منصات رقمية مدفوعة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الفهرسة والبحث، وتسويق المحتوى التاريخي للجامعات والمنصات العالمية، وإنتاج وثائقيات وأعمال جديدة تعتمد على الأرشيف.
وبالتالي فإن المشروع يهدف إلى تحويل "التراث الإعلامي" من عبء إداري إلى مورد اقتصادي دائم، بحسب خبراء إعلام، وهو أحد أسباب إسناد الأمر للمؤسسة العسكرية، بجانب البعد الأمني.
وبحسب أرقام رسمية، أوردها رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، خلال اجتماع لجنة الاعلام بمجلس النواب، ونشرتها صحيفة "اليوم السابع" في 21 أبريل 2026، ذكر مديونيات متراكمة تشمل الضرائب، وجهات أجنبية مثل اتحاد الإذاعات العربية، والاتحادات الإذاعية الأوروبية، والوكالات الأجنبية، وهي ديون مقومة بالجنيه والدولار وتصل إلى أرقام ضخمة جدا.
وأشار إلى أن أصل الديون والجزء الأكبر من المديونية (42.6 مليار جنيه لبنك الاستثمار) ناتج عن تمويل أصول وطنية (نايل سات ومدينة الإنتاج الإعلامي) تم تحميلها تاريخيا على موازنة ماسبيرو.
وأشار الى أن الهيئة تعتمد على ما يسمى بـ"الخدمات المؤداة" التي تسددها الدولة، إلا أن الرقم الحالي (نحو 1.1 مليار جنيه) ثابت منذ عام 1992، ولا يمثل سوى 15 بالمئة فقط من القيمة الفعلية المستحقة عما يقدمه ماسبيرو من خدمات للحكومة.
وقال: خاطبنا الجهات المعنية لتصحيح هذا الرقم ليصل إلى ما يتجاوز 7 مليارات جنيه؛ حيث إن تحريك هذا الملف سيسهم بشكل مباشر في دعم الموازنة وحل أزمات المعاشات والمستحقات الأخرى.
وكانت الخسائر السنوية في العام المالي 2024/2025، بلغت نحو 14.68 مليار جنيه، وخسائر المرحلة التراكمية حتى 2024/2025 هي 119.9 مليار جنيه، بما يساوي 44.9 بالمئة من إجمالي الخسائر المرحلة للهيئات الاقتصادية في مصر.
ووفقا للتقييم الرسمي لأصل ديون ماسبيرو، فهي تبلغ نحو 42.6 مليار جنيه، ومعظمها مستحق لبنك الاستثمار القومي، وفق ما قاله المسلماني.
والفوائد المحملة على هذه الديون بين 2016/2017 و2023/2024، بلغت نحو 48.3 مليار جنيه، وتمثل 72.3 بالمئة من إجمالي خسائر الهيئة خلال تلك الفترة.
ويشير تحليل لـ"المرصد المصري للصحافة والإعلام" في 6 فبراير/شباط 2026 إلى ديون بالمليارات وتراكم خسائر، ألقت بظلالها على حياة العاملين داخله، في صورة رواتب تتأخر، وعلاوات مُجمدة، ومكافآت نهاية خدمة لم تُصرف منذ سنوات.
أرجع الأزمة المالية الحالية، إلى ما يقرب من 25 عاما، ولعدة عوامل بدأت مع الألفية الثالثة؛ إذ شهدت إيرادات الإعلانات، تراجعا ملحوظا، نتيجة ظهور القنوات الفضائية الخاصة، وانخفاض نسب مشاهدة هذه القنوات، ما انعكس مباشرة على الإيرادات.
سبب آخر للأزمة هو عدد العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون الذي يبلغ نحو 31 ألف موظف، وفقا لتصريحات حسين زين، الرئيس السابق للهيئة الوطنية للإعلام، في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، ما أدى إلى ارتفاع المصروفات التشغيلية بشكل كبير، فضلًا عن بند الأجور، الذي شكل عبئا إضافيا على ميزانية الهيئة.
وبحسب وزير الدولة للإعلام السابق، أسامة هيكل، أمام البرلمان في 19 يناير 2021، بلغ المخصص المالي الشهري من وزارة المالية 220 مليون جنيه منذ 2013 لم يزد، ويُستخدم فقط للأجور والبنود الأساسية، دون تغطية زيادات التأمينات أو المعاشات أو العلاوات.
ومع تقليص أعداد العاملين، والشكاوى من عدم الحصول على المستحقات، تراجعت مخصصات أجور العاملين في القوائم المالية، كنسبة من إجمالي التكاليف والمصروفات.
ففي حين بلغت 2.187 مليار جنيه عام 2017/2016، بنسبة 29.6 بالمئة من إجمالي "المصروفات" البالغة في ذلك العام 7.4 مليارات جنيه، تراجعت النسبة إلى 22.6 بالمئة، في العام المالي 2025/2024.
وبلغت مخصصات الأجور 3.8 مليارات جنيه، من إجمالي "مصروفات" قُدرت بـ16.8 مليار جنيه، بحسب الحسابات الختامية لـ"الوطنية للإعلام"، ويُقدر أن تبلغ النسبة 21.2 بالمئة في موازنة العام المالي 2026/2025.

لا أجور ولا معاشات
وقد انسحبت أزمة الديون على ملفات رئيسة داخل ماسبيرو، على رأسها ملف الأجور، والذي يمثل إحدى أكثر القضايا المزمنة في بنية الإعلام العام في مصر.
وبخلاف الرواتب الضعيفة للغاية والتي تتراوح بين 4 و5 آلاف جنية (قرابة 100 دولار) لغالبية العاملين في ماسبيرو، ظهرت أزمة أخطر هي صرف مكافأة نهاية الخدمة، وتزايد شكاوى الموظفين المحالين إلى التقاعد، من تأخر صرف مستحقاتهم المالية لعدة سنوات، أو عدم وضوح آليات احتسابها.
وكانت المذيعة غادة الطويل، من أوائل مذيعات القناة الخامسة، فوجئت بعدما خرجت على المعاش، وهي تراجع موقفها التأميني أنه بعد 36 سنة عمل واستقطاع مبلغ التأمينات من مرتبها، مدفوع عنها 6 شهور فقط، ما يعني ضياع مكافأة نهاية الخدمة.
وشكوى "الطويل" ليست فردية، وتأتي ضمن شكاوى متعددة على مدار السنوات الماضية للعاملين والمُحالين على المعاش في "الإذاعة والتلفزيون" من التعدي على مستحقاتهم.
وقد كشفت منظمة "حرية الفكر والتعبير" في تقرير، إلى أن معاناة أصحاب المعاشات منذ عام 2018 تتضمن مفارقات منها خصم 5 بالمئة من مكافأة نهاية الخدمة لهم لصالح صندوق "أغراض اجتماعية"، في محاولة من "الوطنية للإعلام" لتوفير رواتب العاملين الحاليين من أموال أصحاب المعاشات.















