"حمس" تدعو لحكومة وحدة وطنية بالجزائر.. هل تنجح في حل الأزمة السياسية؟

"الجزائر متجهة نحو حكومة تكنوقراطية ومطعمة سياسيا"
بعد انتخابات تشريعية شهدت عزوفا واسعا من المواطنين الجزائريين عن المشاركة فيها، تعالت الدعوات لأجل تشكيل “حكومة وحدة إنقاذ وطنية” تعيد الثقة للمواطنين في مؤسساتهم السياسية.
وأبرز هذه الدعوات جاءت على لسان مجلس الشورى "حركة مجتمع السلم" (حمس)، والذي شدد على أهمية إطلاق ديناميكية وطنية جديدة قوامها الحوار من أجل بناء أسس لشراكة سياسية وطنية واسعة تقوم على التوافق بين مختلف القوى السياسية، بما يفضي إلى تشكيل حكومة جامعة.
جاء ذلك عقب انعقاد مجلس الشورى للحركة، بدورته العادية السابعة في 24 يوليو/تموز 2026؛ حيث أوضحت أن نسبة المشاركة في التشريعيات الأخيرة التي لم تتجاوز 22 بالمئة، تعد مبررا لمطلبها بتشكيل حكومة سياسية جامعة.
رسالة عميقة
وقال مجلس حمس: إن "اتساع دائرة العزوف الانتخابي يمثل رسالة سياسية ومجتمعية عميقة تستوجب قراءة وطنية مسؤولة، ومعالجة أسبابها من خلال توسيع المشاركة، وتعزيز المصداقية والشفافية، وترسيخ دولة القانون، وتقوية العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة".
وشدد على أن مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية أصبحت أولوية وطنية ملحة، بما يقتضي حماية القدرة الشرائية للمواطن، وتشجيع الاستثمار والإنتاج، وتوسيع فرص التشغيل، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، بصفتها ركائز أساسية للاستقرار الوطني والتنمية المستدامة.
وعلى صعيد آخر، يرى المجلس أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال إلى نموذج سياسي جديد يقوم على الشراكة السياسية الوطنية الجامعة، بصفتها خيارا إستراتيجيا يفتح الآفاق ويجمع بين الاستقلالية، والتعاون في القضايا الوطنية الجامعة، والمسؤولية السياسية، وقوة الاقتراح المستمر.
الانتخابات التشريعية في 2 يوليو، تصدر نتائجها حزب جبهة التحرير الوطني بحصوله على 91 مقعدا من أصل 407، فيما حصل حزب التجمع الوطني الديمقراطي على 74 مقعدا، كما حصل كل من جبهة المستقبل على 56، وحركة البناء الوطني (إسلامي موالٍ) على 40، وحزب صوت الشعب على 16 مقعدا.
وعلى هذا الأساس، حافظت كتلة أحزاب الموالاة الخمسة المشكّلة للحزام الرئاسي (الائتلاف)، على مجموع 277 مقعدا، ما يوفر أريحية نيابية للرئيس لتشكيل الحكومة، وتمرير التشريعات دون عوائق من كتلة المعارضة.
بالمقابل، حصلت حركة مجتمع السلم "حمس"، أكبر الأحزاب الإسلامية المعارضة على 43 مقعدا، وجبهة القوى الاشتراكية على 12 مقعدا، والتجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية على أربعة مقاعد، فيما حصل حزب العمال على ثلاثة مقاعد.
وتوزعت باقي المقاعد على 11 حزبا، تراوح عدد مقاعدها بين أربعة مقاعد ومقعد واحد.
وتتجه الأنظار حاليا إلى قصر الرئاسة ترقبا للمسار القانوني والسياسي الذي سيسلكه الجهاز التنفيذي في أعقاب الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية.
ويضع الدستور كامل الصلاحيات بين يدي رئيس الجمهورية، وهنا، يمكن للرئيس عبد المجيد تبون، هندسة الجهاز الحكومي بكل أريحية، سواء عبر تسمية "الوزير الأول" يقود برنامج الرئيس في حال أسفرت الصناديق عن أغلبية موالية، أو تعيين "رئيس حكومة" ينبثق من رحم أغلبية برلمانية معارضة.
وعليه، وانطلاقا من الإمكان الدستوري المتاح، للرئيس الحق في الإبقاء على حالة الاستقرار من خلال تجديد الثقة علنا في الوزير الأول سيفي غريب لمواصلة قيادة الهيئة التنفيذية، أو الذهاب نحو خيار التعيين الكامل لواجهة حكومية جديدة.

دعوة مماثلة
ما صدر عن "حمس" جاء أيضا على لسان رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة خلال لقاء لحزبه، في 25 يوليو 2026، والذي ذكر أن الأوضاع التي تشهدها البلاد وتحدياتها الداخلية والإقليمية "تتطلب العمل مع شركائنا لبناء حزام وطني (ائتلاف) متين".
وقال بن قرينة: إن هذا الحزام الوطني "يتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة نحو إقامة حصن مؤسساتي يحمي أركان الدولة وركائزها، على أن تظل الأغلبية الرئاسية هي القاعدة الصلبة للحصن السياسي للجزائر".
وحث على استمرار مسار الحوار الوطني بين تبون والقوى الحزبية من جهة، وبين الحكومة والطبقة السياسية (السلطات السياسية) من جهة أخرى.
من جهة أخرى، تحدث فاعلون عن ضرورة إشراك الكفاءات الحزبية الجديدة في التدبير، ومن هذا ما جاء على لسان القيادي في "حزب التجمع الوطني الديمقراطي"، محمد طويل.
وأكد في مقال نشره عبر حسابه على "فيسبوك" في 21 يوليو، أن المرحلة المقبلة تستوجب من الجميع مشاركة سياسية أكثر فاعلية، سواء على مستوى الحكومة أو في تسيير الشأن المحلي.
وشدد طويل على أن موقف حزبه يأتي "انطلاقا من إيمانه بثقافة الدولة والمؤسسات، وانسجاما مع الرؤية الاستشرافية لبرنامج رئيس الجمهورية تبون، الذي يجعل من بناء المؤسسات وتعزيز التنمية المحلية وتثمين الكفاءات الوطنية مرتكزات أساسية للمرحلة المقبلة".
وذكر أن "الجزائر اليوم لا تحتاج إلى خطاب يُعمم الفشل أو يُشيطن الطبقة السياسية، كما لا تحتاج إلى توزيع صكوك الإدانة قبل التجربة".
واستطرد: "الجزائر تحتاج إلى توسيع مساحة الثقة، وإلى منح الكفاءات الوطنية فرصة كاملة للعمل، ثم محاسبتها على أساس ما تقدمه من نتائج. فهكذا فقط تتطور الحياة السياسية، وتترسخ ثقافة المسؤولية، وتكتسب المؤسسات مزيدا من الفعالية والمصداقية".
ونبه طويل إلى أنه “ليس من المنصف تحميل الطبقة السياسية، بمختلف مكوناتها، مسؤولية كل ما عد نقاطا سلبية في الانتخابات الأخيرة، سواء تعلق الأمر بنسبة المشاركة، أو بفتور الحملة الانتخابية، أو بعزوف جزء من المواطنين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع”.
وأشار إلى أن العمل السياسي “لا يقاس فقط بنتائج محطة انتخابية، ولا يمكن الحكم على أداء طبقة سياسية بمعزل عن السياق الذي تشكلت فيه، ولا عن طبيعة المرحلة التي مرت بها البلاد خلال السنوات الأخيرة”.
ودعا القيادي الحزبي إلى فتح المجال أمام النخب والكفاءات الوطنية للمساهمة في إدارة الشأن العام، مشددا على أنه لا يمكن أن نطالب الأحزاب بإفراز إطارات وكفاءات، ثم نغلق أمامها أبواب المسؤولية، أو ننظر إلى كل منتخب بعين الريبة قبل أن يبدأ عمله.
ويرى طويل أن تفعيل التنمية المحلية لم يعد ممكنا بمنطق الإدارة وحدها، ولا بمنطق المنتخب وحده، وإنما من خلال شراكة حقيقية بين الإدارة المحلية والمنتخبين والإطارات والكفاءات، في إطار الآليات التي يتيحها الدستور.
ومن هذا المنطلق، يقول: إن الساحة السياسية بحاجة إلى ما يمكن وصفه بـ"جرعة ثقة"، ثقة في المؤسسات، وثقة في المنتخب، وثقة في الكوادر، فالثقة ليست منحة مجانية، وإنما هي فرصة تمنحها الدولة والمجتمع لمن يتحمل المسؤولية، على أن يكون الاحتكام بعد ذلك إلى النتائج وإلى آليات الرقابة والمساءلة التي كرسها الدستور.

تفاعل رئاسي
تفاعل الرئيس تبون مع هذه الأفكار ورد خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام المحلية؛ حيث شدد حين سؤاله عن تشكيلة الحكومة المقبلة أنه ملتزم بالدستور، مؤكدا أن "الأمر لا يتعلق بالانتماء السياسي، بل بالكفاءة".
وأبرز أهمية أن يتوفر الطاقم الحكومي على الكفاءة والواقعية والبرغماتية في التسيير وأن يكون قريبا من المواطن ويتجاوب مع انشغالاته.
في السياق ذاته، قال تبون: إن تولي الجزائريين المقيمين بالخارج مناصب المسؤولية، بما في ذلك داخل الحكومة، يبقى مفتوحا أمام أي كفاءة وطنية تستوفي معايير الخبرة والفعالية، دون تمييز بحسب مكان الإقامة.
وتفاعلا مع تصريح تبون، رأى الكاتب الصحفي بلقاسم بوبكر، أن الجزائر تتجه على فتح مرحلة سياسية جديدة عنوانها تشكيل حكومة تقوم على معيار الكفاءة، في وقت تتزايد فيه الدعوات السياسية إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية بما ينسجم مع نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وذكر بوبكر في تحليل نشره موقع "سطيف وان" المحلي في 29 يوليو 2026، أن تركيبة السلطة التنفيذية عادت إلى واجهة النقاش السياسي، بعد دعوة أحزاب الموالاة والمعارضة إلى عدم الاكتفاء بصيغة حكومية يغلب عليها الطابع التقني.
وأوضح أن هذا الجدل يطرح تساؤلات بشأن الخيار الذي ستتبناه السلطة التنفيذية، بين توسيع الحضور السياسي داخل الحكومة أو الإبقاء على نموذج حكومة الكفاءات المستقلة.

قراءة سياسية
ويرى الناشط السياسي الجزائري، هشام شرف، أن طرح فكرة حكومة توافق سياسي وإجراء حوار وطني يأتي في ظل نسبة مشاركة في الانتخابات التشريعية لم تتجاوز 21 بالمئة، مما يبين حجم الاستياء العميق لدى الكتلة الصامتة.
وأوضح شرف لـ"الاستقلال" أن المخرج الدستوري لهذا الموضوع هو بيد رئيس الجمهورية، مشددا على أن الانتخابات الحالية تلغي فرضية "حكومة الأغلبية التوافقية"، وتُبقي على تعيين الوزير الأول المنفذ لبرنامج الرئاسة، في ظل تشتت المقاعد البرلمانية رغم سيادة كتلة الموالاة.
وذكر أن هذا المعطى يمنح مؤسسة الرئاسة أريحية كاملة للتمسك برؤيتها في إدارة الجهاز التنفيذي دون الخضوع لضغوط التوافقات الحزبية المعقدة.
ونبه شرف إلى أن القيادة السياسية في البلاد تفضل خيار التكنوقراط بناء على عقيدة تنموية وإدارية واضحة تتجلى في أن المرحلة الحالية هي مرحلة ورشات كبرى (استثمار، مشاريع هيكلية)، وأن التكنوقراط يعملون بمنطق "النتائج"، بينما تستهلك حكومات التوافق السياسي الوقت في الصراعات والمحاصصة.
وتابع: "منها ضعف الوزن المجتمعي للأحزاب، مما يجعل منح حقائب وزارية لأحزاب حصدت مقاعدها بنسب مشاركة ضعيفة لن يحل أزمة الثقة لدى المواطن، بل قد يُقرأ كتقاسم للمصالح بين النخب، ويزيد من المشكل المجتمعي العازف عن الحياة السياسية".
وعليه، يقول شرف، "يفضل رئيس الجمهورية التعاطي المباشر مع المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين والكفاءات، بدلا من المرور عبر (وسطاء سياسيين) فقدوا امتدادهم الشعبي، وهو ما ظهر جليا بتشكيل عدة مراصد وهيئات تتصل مباشرة بالرئيس، كالمجلس الأعلى لشباب، وهيئة وسيط الجمهورية وغيرها كثير".
بناء على هذه المعطيات، يتابع الناشط السياسي، فإن الجزائر ليست متجهة نحو "حكومة وحدة وطنية سياسية"، بل نحو "حكومة تكنوقراطية ومطعمة سياسيا كما جرت العادة".
وذكر أن وزارات السيادة والاقتصاد (مالية، طاقة، تجارة...) في التشكيل السابق والمنتظر تظل حصرا بأيدي كفاءات مستقلة وتكنوقراط لحماية المشاريع الإستراتيجية، في المقابل، يتم منح حقائب محدودة لكتل الموالاة لضمان التنسيق التشريعي وتوفير غطاء سياسي معقول داخل قبة البرلمان.
وشدد شرف على أن “الرهان الحقيقي لاستعادة ثقة الشارع الجزائري لا يكمن في توزيع الحقائب الوزارية على أحزاب تقليدية لترميم مشهد انتخابي، بل في تحديث أجهزة الدولة، وضخ كفاءات ووجوه جديدة، وتغيير الخطاب السياسي التقليدي بخطاب نجاعة وصراحة ينسجم مع واقع وتطلعات الجيل الجديد”.

















