بين أنقرة وديار بكر.. أجندتان سياسيتان ترسمان مشهد تركيا الجديد

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تشهد الساحة السياسية التركية تباينا متزايدا بين أولويات المعارضة المنشغلة بالصراعات الحزبية، واهتمامات الأكراد التي تتركز على مستقبل القضية الكردية ومسار السلام والتحولات الإقليمية، ما يثير تساؤلات حول قدرة القوى السياسية على قراءة التحولات الجديدة.

ونشرت صحيفة "إندبندنت" بنسختها التركية مقالا للكاتبة التركية مُوجغان هاليس، تحدّثت فيه عمّا تشهده تركيا في المرحلة الحالية من تباين واضح في أولويات الفاعلين السياسيين. 

ففي الوقت الذي تنشغل فيه قوى المعارضة بِخلافاتها التنظيمية والحزبية، يركز قطاع واسع من الأكراد على تطورات أكثر عمقا، ترتبط بمستقبل القضية الكردية والتحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط. 

ويكشف هذا التباين عن اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي المتداول في أنقرة وبين اهتمامات شريحة واسعة من المجتمع، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرة المعارضة على مواكبة التحولات التي تشهدها تركيا والمنطقة

أولويات مختلفة

وقالت الكاتبة: إن تركيا تعيش اليوم مسارين سياسيين متوازيين؛ الأول يتمحور حول ما يدور في العاصمة أنقرة من نقاشات داخل أوساط المعارضة، مثل الصراعات داخل حزب الشعب الجمهوري، والجدل حول الأحزاب الجديدة، والتنافس على القيادة، والخلافات المتبادلة بين الشخصيات السياسية. 

وأوضحت أن هذه الملفات تحظى باهتمام واسع في وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت تشكل محور النقاش السياسي اليومي.

في المقابل، هناك واقع آخر يتشكل بعيدا عن العاصمة، وتحديدا في المناطق ذات الغالبية الكردية مثل ديار بكر ووان وماردين، إضافة إلى امتداده نحو أربيل والسليمانية في العراق والقامشلي في سوريا، وفق الكاتبة هاليس.

ففي هذه المناطق لا تحتلّ الخلافات الحزبية في أنقرة موقع الصدارة، بل ينصبّ كامل الاهتمام على مستقبل القضية الكردية، وإمكان تثبيت السلام، والتحولات السياسية التي قد تعيد رسم شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي.

ولفتت الكاتبة النظر إلى أن هذا الانفصال بين العالمين يمثّل أحد أبرز مظاهر الأزمة السياسية في تركيا؛ حيث أصبحت المعارضة تتحرك داخل فضاء سياسي مغلق إلى حد كبير، له إعلامه وَمُعلِّقوه وخطابه الخاص. 

بينما نجد خارج هذا الإطار شرائح واسعة من المجتمع، تعيش أولويات مختلفة لا تجد صدى كافيا في خطاب المعارضة.

وأشارت إلى أن المجتمع الكردي اليوم لا يعدّ ما يشغل المعارضة في الفترة الراهنة قضايا مُلِحّة، مثل من سيقود حزب الشعب الجمهوري، أو من سيؤسس حزبا جديدا، أو من انتقد من. 

فهذه النقاشات لا تشكّل محور الاهتمام الأساسي في المدن الكردية؛ لأن السكان يواجهون أسئلة أكثر ارتباطا بحياتهم ومستقبلهم، تؤكد هاليس.

وتتمثل هذه الأسئلة بالتالي، إمكانية طيّ صفحة الصراع الممتد منذ أكثر من أربعين عاما بشكل نهائي، وإمكانية ترك السلاح بصورة دائمة، وهل تستطيع تركيا الانتقال إلى مرحلة أكثر ديمقراطية، وهل بالإمكان حل القضية الكردية من خلال العمل السياسي بدلا من الصراع المسلح.

إعادة تشكيل

وترى الكاتبة أن كل هذه الأسئلة تمثل أولويات يومية بالنسبة إلى الأكراد؛ وذلك لأنها ترتبط مباشرة بالأمن والاستقرار ومستقبل الأجيال المقبلة، بينما تبدو الخلافات الحزبية في أنقرة بعيدة عن واقعهم اليومي.

وأشارت إلى أن جانبا مهما من المعارضة لا يزال ينظر إلى التطورات السياسية من داخل الحدود التركية فقط، في حين أن نظرة الأكراد توسعت لتشمل كامل المشهد الإقليمي. 

ورأت هاليس أن القضية الكردية لم تعد مرتبطة بالداخل التركي وحده، بل أصبحت متأثرة أيضا بما يحدث في العراق وسوريا وإيران، إضافة إلى التغيرات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.

من هذا المنطلق، يتابع الأكراد التطورات في إقليم كردستان العراق، ويراقبون الوضع في شمال سوريا، ويهتمون بما يجرى داخل إيران فيما يتعلق بالحركة الكردية. 

كما يراقبون الحرب في غزة، والتوتر بين إسرائيل وإيران، والسياسات الأميركية في المنطقة، ليس بوصفها أحداثا بعيدة، وإنما بصفتها عوامل قد تؤثر بصورة مباشرة في مستقبلهم السياسي.

وترى الكاتبة أن هذا الاهتمام ينبع من قناعة راسخة لدى الأكراد بأن أي تغيير في موازين القوى الإقليمية ينعكس سريعا على المناطق التي يعيشون فيها. 

لذلك فإن فهم التطورات الحالية لا يمكن أن يقتصر على متابعة المفاوضات أو الحسابات السياسية داخل أنقرة؛ لأن المنطقة بأكملها تمر بمرحلة إعادة تشكيل، وتحاول تركيا في الوقت نفسه معالجة واحدة من أكثر قضاياها تعقيدا ضمن هذا السياق الإقليمي الجديد.

وشددت على أن تجاهل هذا البعد الإقليمي يدفع بعض القوى السياسية إلى الاستمرار في تحليل المشهد من خلال قوالب قديمة لم تعد تفسر الواقع الجديد.

فجوة في الرؤية

ولفتت الكاتبة النظر إلى أن بعض المعارضين يرون أن أي انفتاح على ملف السلام هو مجرّد جزء من حسابات انتخابية أو تكتيكات سياسية تخدم السلطة، إلا أن هذا التفسير لا يعكس بالضرورة رؤية المجتمعات التي عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الصراع.

ففي المناطق الكردية، ينصب الاهتمام على أسئلة أكثر ارتباطا بالحياة اليومية، مثل استمرار وقف العنف، وعدم عودة المواجهات المسلحة، وإمكانية نشوء جيل جديد بعيدٍ عن أجواء الخوف وعدم الاستقرار. 

لذلك، ينتظر العديد من السكان في تلك المناطق أي فرصة لخفض التوتر، حتى وإن كانت محاطة بالحذر نتيجة التجارب السابقة التي انتهت دون تحقيق تسوية دائمة.

وقالت الكاتبة: إن “هذا لا يعني بالضرورة أن المجتمع الكردي يتعامل مع التطورات بتفاؤل مطلق، بل يظل الحذر حاضرا بسبب إخفاق محاولات سابقة، لكنه لا يلغي وجود رغبة في منح المسار السياسي فرصة جديدة، طالما أنه قد يفضي إلى استقرار طويل الأمد”. 

وأردفت الكاتبة أن المعارضة التركية تواجه منذ فترة صعوبة متزايدة في فهم التحولات الاجتماعية؛ لأنها أصبحت أسيرة الدائرة السياسية والإعلامية التي أنشأتها لنفسها. 

فهي لا تتفاعل مع الأكراد إلا في المواسم الانتخابية، وتنظر إلى المحافظين غالبا من زاوية الحسابات الانتخابية، كما تتعامل مع مناطق الأناضول بصفتها مجرد أرقام انتخابية أكثر من كونها مجتمعات لها أولوياتها الخاصة.

كما أن بعض الخطابات السياسية لا تزال تستخدم مفاهيم قديمة عند الحديث عن الجغرافيا التركية، وهو ما يعكس استمرار أنماط التفكير التقليدية، رغم التغيرات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وأشارت الكاتبة إلى أن هذا الواقع يجعل المعارضة تراقب التحولات بدلا من أن تكون جزءا منها، وهو ما يفسر ضعف اهتمام المجتمع الكردي بالنقاشات المتعلقة بالأحزاب أو بقيادات المعارضة. 

وقالت: إن الأكراد لم يَعزُفوا عن السياسة، وإنما منحوا الأولوية لقضية يعدونها تاريخية ومصيرية، وهي إمكانية الوصول إلى حل لقضية امتدت قرابة قرن، فهي بالنسبة إليهم أكثر أهمية من الصراعات التنظيمية داخل الأحزاب.

واستدركت الكاتبة أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في اختلاف المواقف السياسية، بل في اختلاف زاوية النظر إلى المستقبل. 

فالمعارضة تركز على القضايا اليومية والصراعات الحزبية التي تخص اللحظة الراهنة، بينما ينظر الأكراد إلى مستقبل يمتد لعقود، ويضعون في مقدمة أولوياتهم مصير أبنائهم، ومستقبل السلام، وشكل الدولة التي سيعيشون فيها.

ومن هذا المنطلق، تبدو تركيا وكأنها تضم مجتمعين سياسيين ينظران إلى البلد نفسه، لكنهما يقرآن واقعين مختلفين تماما. 

ففي الوقت الذي تنشغل فيه المعارضة بعالم سياسي ضيق تهيمن عليه المنافسات الحزبية، يشعر الأكراد بأن الشرق الأوسط يشهد تحولات تاريخية قد تعيد رسم مستقبل المنطقة، وأن تركيا تقف أمام فرصة قد تحدد مسارها السياسي خلال السنوات المقبلة.

وختمت الكاتبة مقالها بأن اتساع الفجوة بين أجندة المعارضة الداخلية والأجندة الأوسع التي يتبناها الأكراد تجاه مستقبل المنطقة يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحياة السياسية التركية؛ لأن الطرفين يتابعان المشهد نفسه، لكن كلّ منهما يقرأه من منظور مختلف ويمنحه أولويات مختلفة.