"صاروخ باليستي عابر للقارات من غواصة نووية".. هكذا ردت الصين على الناتو

"النظام الدولي يتجه نحو تعددية نووية أكثر تعقيداً"
شهد النظام الدولي خلال يوليو/تموز 2026 تطورات لافتة عكست تسارع التحولات في ميزان القوى العالمي، لا سيما مع تزامن انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، وإجراء الصين، في السادس من الشهر ذاته، تجربة إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من غواصة باتجاه المحيط الهادئ.
وفي مقال نشرته بوكالة الأناضول التركية، أشارت الكاتبة "مروة أوزجان" إلى أن تزامن الحدثين أثار تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة الجديدة التي تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وما إذا كانت بكين وموسكو تتجهان نحو إعادة توزيع أدوارهما الإستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ولا يقتصر الاهتمام بهذه التطورات على أبعادها العسكرية، بل يمتد إلى ما قد تفضي إليه من تحولات في بنية الأمن الدولي، إلى جانب الانتقال التدريجي من نظام أحادي أو ثنائي القطبية إلى بيئة دولية أكثر تعقيداً، تقوم على تعدد مراكز القوى وتداخل ساحات التنافس الإستراتيجي.

شراكة إستراتيجية
وأوضحت الكاتبة أنّ تجربة الصين بإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات، من طراز جي إل -2 أو جي إل -3 من غواصة في بحر الصين الجنوبي باتجاه المحيط الهادئ، جاءت لتؤكد أن بكين دخلت مرحلة جديدة في تطوير قدراتها النووية.
ورغم إعلان السلطات الصينية أن التجربة تأتي ضمن برنامجها السنوي للتدريبات العسكرية، فإن دلالاتها تتجاوز الجانب التقني؛ إذ قطع الصاروخ نحو 7300 كيلومتر، وهي خطوة أبرزت تطور الذراع البحرية للردع النووي الصيني.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة؛ وذلك لأنها تعكس انتقال الصين من الاعتماد بصورة رئيسة على الصواريخ البرية إلى امتلاك قدرة أكثر تطوراً على تنفيذ الضربة النووية الثانية عبر الغواصات، وهي قدرة تعد أحد أهم عناصر الردع النووي الحديث؛ لأنها تضمن بقاء جزء من الترسانة النووية قادراً على الردّ حتى في حال تعرض الدولة لهجوم مفاجئ.
كما أن تزامن التجربة مع مناورات "البحر المشترك 2026" الصينية-الروسية منحها بعداً سياسياً إضافياً، حتى وإن لم تكن هناك مؤشرات على مشاركة روسية مباشرة في الاختبار. فإنّ المشهد العام يوحي بوجود تنسيق متزايد بين القوتين، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن الصين تعمل على تطوير منظومة ردع مستقلة، وليست مجرد امتداد للمظلة النووية الروسية.
وأردفت الكاتبة بأنّ العلاقات بين البلدين بعد اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية أصبحت محوراً رئيساً في النقاشات الدولية؛ فقد شهد التعاون بين الطرفين توسعاً في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتكررت اللقاءات رفيعة المستوى التي أكدت رفض الهيمنة الأحادية والدعوة إلى بناء نظام دولي متعدد الأقطاب.
في هذا السياق، أصدر الرئيسان "شي جين بينغ" و"فلاديمير بوتين" في مايو/أيار 2026 بياناً مشتركاً، شدّدا فيه على أهمية تعزيز "التنسيق الإستراتيجي الشامل" ودعم الاستقرار الدولي.
لكن رغم ذلك، فإن توصيف العلاقة بين البلدين بصفتها تحالفاً عسكرياً مماثلاً لحلف الناتو يبقى مبالغاً فيه؛ فَالصين ما زالت تتَجنب الانخراط المباشر في الحرب الروسية-الأوكرانية، كما تحرص على الحفاظ على استقلالية قرارها الإستراتيجي، وعدم الارتباط بالتزامات دفاعية متبادلة على غرار التحالفات العسكرية التقليدية.
في المقابل، لا توجد التزامات روسية تلقائية بالدفاع عن الصين في حال اندلاع مواجهة حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، وهو ما يؤكد أن العلاقة تقوم على "تقاطع المصالح" أكثر من قيامها على معاهدة دفاع مشترك.
من هذا المنطلق، فإن التجربة الصاروخية الصينية لا ينبغي تفسيرها بصفتها خطوة لدعم روسيا فحسب، بل بعدِّها إعلاناً واضحاً عن امتلاك بكين مشروعاً مستقلاً لبناء قوة ردع نووية متكاملة قادرة على حماية مصالحها العالمية.

تقسيم جديد للأدوار
وذكرت الكاتبة أن أحد أبرز التحولات التي تكشفها التطورات الأخيرة يتمثل في الانتقال التدريجي من نظام الردع النووي الثنائي، الذي هيمن خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إلى نظام أكثر تعقيداً يضم الصين بصفتها قطباً نووياً ثالثاً.
ورغم أن روسيا ما تزال تمتلك واحدة من أكبر الترسانات النووية في العالم، بما يقارب "5459 رأساً نووياً"، مقابل نحو "620 رأساً نووياً" لدى الصين، إلّا أنّ بكين تعد الدولة الأسرع نمواً في تطوير قدراتها النووية خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث بناء الصوامع الصاروخية أو تحديث الصواريخ الباليستية أو توسيع أسطول الغواصات النووية.
بذلك فإنّ هذا التحول يعني أنّ الحسابات الاستراتيجية لم تعد تقتصر على المنافسة الثنائية، بل أصبحت كل خطوة تتخذها إحدى القوى الكبرى تؤثر في حسابات القوتين الأخريَين، وهو ما يزيد من احتمالات سباقات التسلح وسوء التقدير الإستراتيجي.
فمنظومات الدفاع الصاروخي الأميركية الموجهة لاحتواء الصين قد تنظر إليها روسيا أيضاً بصفتها تهديداً لأمنها القومي، كما أن القدرات العسكرية الأميركية المنتشرة في أوروبا لمواجهة روسيا قد تدفع الصين إلى تسريع برامجها النووية، وذلك خشية انتقال الضغوط الغربية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وأضافت الكاتبة أنّ التطورات الأخيرة تشير إلى احتمال تشكل "تقسيم غير معلن للأدوار الإستراتيجية" بين روسيا والصين، دون أن يعني ذلك وجود تحالف عسكري رسمي بينهما.
فَروسيا تواصل تركيز جهودها على المسرح الأوروبي، مستفيدة من انشغال الناتو بالحرب الأوكرانية وتعزيز قدراته الدفاعية في شرق أوروبا، بينما توسع الصين حضورها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتزايد المنافسة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
بهذا المعنى، تواجه واشنطن وحلف الناتو ضغوطاً متزامنة في جبهتين جغرافيتين مختلفتين؛ الأولى في أوروبا بقيادة روسيا، والثانية في آسيا بقيادة الصين، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على توزيع الموارد العسكرية والإستراتيجية الغربية.
كما أن هذا الواقع يمنح المحيطين الهادئ والهندي، إلى جانب المنطقة القطبية الشمالية، أهمية متزايدة بصفتها ساحات رئيسية للتنافس بين القوى الكبرى، خاصة مع تنامي دور الغواصات النووية، وشبكات الاستشعار البحرية، والأقمار الصناعية والطائرات وَالمنظومات غير المأهولة.
في هذا السياق، يكتسب مفهوم القوة البحرية، الذي طرحه المنظر الأميركي "ألفريد ماهان" قبل أكثر من قرن، أبعاداً جديدة. فلم تعد السيطرة البحرية مرتبطة فقط بالأساطيل والقواعد والممرات التجارية، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على امتلاك قدرات الردع النووي البحري، وشبكات الاستشعار المتقدمة، والقدرة على تنفيذ الضربة الثانية.

هل يدفع الناتو الصين إلى مزيد من التسلح؟
وأشارت الكاتبة إلى أنّ عددا من المحللين يرى أن التحول الأكثر أهمية لا يتمثل في تقارب الصين وروسيا بحد ذاته، وإنما في أنّ البيئة الأمنية التي عززها الناتو خلال السنوات الأخيرة، بهدف احتواء روسيا، أسهمت أيضاً في دفع الصين إلى تسريع برامجها النووية والعسكرية.
ففي الوقت الذي يوسع فيه الحلف شراكاته مع دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتزداد مشاركة شركائه الآسيويين في أنشطته، تنظر بكين إلى هذه الخطوات بصفتها مؤشراً على انتقال الاهتمام الأمني الغربي تدريجياً نحو محيطها الإستراتيجي.
بذلك، يمكن تفسير استعراض الصين لقدراتها النووية البحرية في هذا التوقيت على أنّه رسالة ردع موجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها؛ حيث تؤكد أن بكين أصبحت تمتلك أدوات أكثر تطوراً لحماية مصالحها، وأنها قادرة على فرض معادلات ردع جديدة في آسيا والمحيط الهادئ.
وختمت الكاتبة التركية مقالها قائلة: إنّ تجربة الصاروخ الباليستي التي أجرتها الصين تعدّ إعلاناً سياسياً وإستراتيجياً عن مرحلة جديدة في بنية النظام الدولي، أكثر من كونها مجرد تجربة عسكرية.
فهي تؤكد أن المنافسة بين القوى الكبرى لم تعد تقتصر على أوروبا، بل تمتدّ إلى المحيط الهادئ، وأنّ الردع النووي بات عنصراً رئيسياً في إعادة توزيع موازين القوى العالمية.
كما تكشف أن النظام الدولي يتجه نحو تعددية نووية أكثر تعقيداً، تتشارك فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين قيادة معادلات الردع.
وهذا هو ما يجعل إدارة الأزمات الدولية أكثر صعوبة، ويزيد من أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال وآليات الحد من التصعيد بين القوى الكبرى خلال السنوات المقبلة.

















