بعد قطع العلاقات الدبلوماسية.. هل يبدأ صراع عسكري بين الجزائر والإمارات؟

"قد تلجأ الجزائر إلى مواجهة غير متكافئة، بما في ذلك دعم القوى التي تناهض الإمارات في إفريقيا"
أعلنت الجزائر في 10 سبتمبر/ أيلول 2026 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، مشيرة إلى أن جميع المساعي الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية قد استُنفدت.
ولم تقدم السلطات الجزائرية توضيحات رسمية بشأن الأسباب المباشرة لهذا القرار، إلا أن خبراء تحدثوا لصحيفة “إزفيستيا” ربطوا الخطوة بتراكم الخلافات بين الجزائر وأبوظبي حول ملفات في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، إضافة إلى اتهامات بدعم أبو ظبي للرباط والتدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية.
وفي هذا السياق، تناولت الصحيفة الروسية التداعيات المحتملة للأزمة الدبلوماسية بين البلدين على استقرار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتأثيرها على مستقبل التحالفات الإقليمية، مستعرضة السيناريوهات المتوقعة لمسار الخلاف بين الجزائر والإمارات.
تهديد إستراتيجي
وشددت الصحيفة على أن "الخلاف بين الطرفين لم يبدأ بالأمس، إذا تدهورت العلاقات بين الجزائر وأبوظبي بصورة تدريجية خلال السنوات الأخيرة".
ووفقا لها، "يمكن عد أغسطس/ آب 2020 نقطة بداية رسمية لهذا المسار، عندما طبعت الإمارات والمغرب علاقاتهما مع إسرائيل في إطار (اتفاقات أبراهام)".
وتقدر أن "الجزائر نظرت إلى هذه الخطوة ليس فقط باعتبارها خيانة للمصالح الفلسطينية، بل أيضا بوصفها تشكيلا لتهديد إستراتيجي محتمل لها، لا سيما في ظل توتر علاقاتها مع الرباط، التي قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية معها في عام 2021".
وتابعت: "وفي يناير/ كانون الثاني 2024، أخرج المجلس الأعلى للأمن في الجزائر الخلاف إلى العلن للمرة الأولى، معربا عن أسفه إزاء "أعمال عدائية" صادرة عن دولة عربية لم يسمها".
واستطردت: "ورغم عدم ذكر الإمارات في البيان، سرعان ما فُهمت الإشارة على أنها موجهة إلى أبوظبي".
وعزت ذلك قائلة: "لا سيما أن هذا التصريح المبهم أعقبته بعد فترة وجيزة حملة في وسائل الإعلام الجزائرية، اتهمت أبوظبي بدعم "قوى راديكالية وانتهازية" في إفريقيا، فضلا عن التسبب في تهديد لأمن الحدود".
ومع ذلك، نوهت الصحيفة إلى أن "الجانبين حافظا لبعض الوقت على مظهر من مظاهر الشراكة البراغماتية".
إلا أنه في فبراير/ شباط 2026 ظهرت مؤشرات ما وصفه التقرير بـ"الخلاف الذي يصعب احتواؤه، فقد بدأت الجزائر إجراءات إنهاء العمل باتفاقية النقل الجوي الموقعة مع الإمارات عام 2013، كما شهدت العلاقات الاقتصادية والثقافية بين البلدين تراجعا حادا".
وأردفت: "وفي سبتمبر/ أيلول 2026، أعلنت السلطات الجزائرية، دون توضيح الأسباب، التخلي بشكل كامل عن مواصلة الحوار السياسي مع الإمارات".
وجاء في بيان صحفي لوزارة الخارجية الجزائرية: "قررت الجزائر اليوم قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية".

عدوان هجين
وتؤكد الصحيفة أن "تراجع مستوى الحوار بين الجزائر والإمارات لم يكن ناتجا فقط عن تقارب أبوظبي مع المغرب وإسرائيل في إطار (اتفاقات أبراهام)".
واستطردت: "إذ إن الإمارات، مع توسع حضورها العسكري والسياسي في القارة الإفريقية، تجاوزت في أكثر من مناسبة ما اعتبرته الجزائر "خطوطا حمراء" تمس مصالحها في شمال إفريقيا".
في هذا الصدد، تعتقد الصحيفة أن "قضية الصحراء الغربية تعد إحدى أبرز نقاط تعارض المصالح بين البلدين".
وأرجعت ذلك إلى أن "الإمارات تدعم موقف المغرب؛ حيث تعترف الإمارات بسيادة الرباط على الصحراء الغربية، وافتتحت في عام 2020 قنصلية لها في مدينة العيون، في حين تقف الجزائر إلى جانب جبهة البوليساريو التي تسعى إلى استقلال الإقليم".
وبحسب تقديرها، "ترى الجزائر في هذه السياسة الإماراتية دليلا إضافيا على التقارب الإستراتيجي بين أبوظبي والرباط".
علاوة على ذلك، "تُتهم الإمارات باتخاذ خطوات من شأنها، من وجهة نظر الجزائر، عرقلة نشاط جبهة البوليساريو التي تدعمها، والحيلولة دون استكمال مسار إنهاء الاستعمار في المنطقة".
ولا يتوقف الأمر عن قضية الصحراء الغربية، إذ ذكر التقرير أنه "في ليبيا، وقفت الدولتان أيضا على طرفي نقيض من الصراع".
وتابع: "ففي عام 2019، دعمت الإمارات "الزحف على طرابلس" الذي شنته قوات الجنرال خليفة حفتر، الذي كان يمثل حكومة بديلة في طبرق، بينما وقفت الجزائر في المقابل إلى جانب طرابلس، ودعت إلى تثبيت الجبهة والانتقال إلى حوار سياسي ليبي-ليبي".
وأردف: "لاحقا، وجهت الجزائر انتقادات متكررة إلى الإمارات بسبب ما وصفته بـ"الإبقاء على الانقسام بشكل مصطنع" في ليبيا".
ولفت إلى أنه "تكرر نمط مشابه مع مرور الوقت في السودان، حيث أعربت الجزائر عن دعمها للسلطات المركزية، بينما دعمت الإمارات قوات الدعم السريع التي تمردت عليها".
بالإضافة إلى ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن أبوظبي "اُتهمت مرارا بالتدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية، بما في ذلك تمويل "حركة تقرير مصير منطقة القبائل" الانفصالية، التي تعدها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية".
في المقابل، ذكرت أن أبوظبي "نفت هذه الاتهامات، ووصفت الأدلة التي قدمها الجانب الجزائري بأنها مفبركة".
وفي حديثه مع صحيفة "إزفيستيا"، لفت المحلل السياسي داستان توكولدوشيف إلى أن "دعم النزعات الانفصالية في المنطقة يمكن أن تفسره الجزائر باعتباره شكلا من أشكال العدوان الهجين".
وقال: "إن المواجهة المستمرة منذ سنوات بين السلطات الجزائرية والجماعات الانفصالية التابعة لـ"حركة تحرير منطقة القبائل"، إلى جانب عوامل أخرى، تنسجم مع نظرية مفادها أن الإمارات تنتهج توسعا خارجيا وسياسيا وعسكريا متعدد المستويات باتجاه الدول الواقعة شمال الصحراء، سواء من خلال دعم الانفصاليين في اليمن، أو المتمردين الليبيين، أو القوات بالوكالة في السودان، وغير ذلك".
وأضاف: "من وجهة نظر الجزائر، تعمدت الإمارات إنشاء بؤر توتر حول أراضيها بهدف إضعاف البلاد ومنعها من تبوّء مكانة قيادية في النظام الأمني الإفريقي".
ومن ثم، يرى أنه "في نهاية المطاف، أدى هذا الكم من نقاط الخلاف إلى أن تنظر الجزائر تدريجيا إلى أبوظبي ليس بصفتها شريكا محتملا، وإنما مصدرا لتهديد منهجي لأمنها، سواء على المستوى الوطني أو الدولي".

خلاف طويل الأمد
وعلى الرغم من تراكم الخلافات، تعتقد الصحيفة أن الجزائر وجهت ما اسمته بـ"التحذير الأخير للإمارات".
وأوضحت مقصدها: "ففي 7 سبتمبر/ أيلول 2026، ألقى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف كلمة خلال اجتماع جامعة الدول العربية في القاهرة".
ووفقا لها، "ركز عطاف في كلمته أكثر من مرة على مبدأ أساسي في موقف الجزائر من القضايا الدولية، وهو "الأزمات العربية تحتاج إلى حلول عربية"، كما شدد على رفض "التدخل الخارجي المنهجي" في شؤون المنطقة".
ويرى المحلل السياسي عدوان هشام أن "هذه الرسالة كانت موجهة إلى الإمارات والمغرب".
وأضاف أن "الجزائر استخدمت في مناسبات عدة منصة جامعة الدول العربية لتوجيه "صفعات علنية" إلى الرباط وأبوظبي، وهو ما تكرر هذه المرة أيضا".
وبحسب قراءته التحليلية، فإن "السلطات الجزائرية، على ما يبدو، قدمت كلمة 7 سبتمبر/ أيلول بوصفها آخر رسالة علنية قبل قطع العلاقات الدبلوماسية".
فضلا عن ذلك، أشار هشام إلى أن "الجزائر، عندما اتخذت قرارها بالابتعاد نهائيا عن الإمارات، ربما كانت تنظر إلى القضية من منظور أوسع".
وفسر حديثه: "فلم تقتصر حججها على التطورات في ليبيا والسودان والصحراء الغربية، بل شملت أيضا الأوضاع في دول منطقة الساحل الإفريقي، ومنها النيجر، حيث تم في مطلع سبتمبر/ أيلول 2026 إحباط محاولة انقلاب، ويحتمل أن تكون الإمارات قد شاركت فيها بصورة غير مباشرة".
وعليه، رجح "أن لا يكون قطع العلاقات الحالي إجراء قصير الأمد، إذ سيترك تداعيات استراتيجية على المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط وإفريقيا على حد سوا".
في هذا الإطار، توقع أن "يستغل المغرب هذا الوضع لتعميق علاقاته مع أبوظبي، بما في ذلك في المجال العسكري".
واستدرك: "غير أن مثل هذه الخطوات ستعزز أكثر قناعة الجزائر بأن الإمارات تنفذ تحركات منهجية لزعزعة استقرارها".
وفي هذه الحالة، يرى أن "التقارب مع السعودية، المنافس الرئيسي للإمارات، قد تكون خطوة منطقية بالنسبة إلى الجزائر".
وعزا ذلك إلى أنه "من خلال هذا التحرك، ستحصل الرياض على "نافذة إضافية على إفريقيا"، بينما ستكسب الجزائر حليفا موثوقا يمتلك صناعة دفاعية متطورة، ويمكنه موازنة التحالف التكتيكي بين الرباط وأبوظبي".
ومع ذلك، لم يستبعد المحلل السياسي "لجوء الجزائر إلى مواجهة غير متكافئة، بما في ذلك دعم القوى التي تناهض الإمارات في إفريقيا".
إلا أنه يقدر أن "مثل هذه الخطوة تبدو أكثر خطورة، لأنها لن تؤدي إلا إلى تعميق الخلاف بين البلدين، ودفعهما إلى حافة صراع مسلح".


















