اختبار الشهرين.. هل تنقل واشنطن اتفاق ليبيا من الكلام إلى التنفيذ؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

وقّعت ليبيا اتفاقا جديدا، لكن العبرة بما سيليه؛ فخلال شهرين فقط سيتبيّن ما إذا كانت واشنطن ستسند خارطة الأمم المتحدة بأكثر من الكلام، أم تكتفي بالترحيب كما دأبت طوال عقد كامل.

ففي 30 أغسطس/آب 2026، وقّع ممثلو الكتل السياسية والأمنية الليبية المتنافسة اتفاقا برعاية الأمم المتحدة، يهدف إلى حلّ الخلافات حول قواعد الانتخابات الوطنية وأساسها الدستوري، وهي خلافات عطّلت أي اقتراع منذ 2021. وفق تقرير للمجلس الأطلسي.

وأوضح التقرير أن الاتفاق يواجه حاليا ميقاتين متتاليين؛ إذ أمام مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026 لإقراره، وبعد شهر واحد تنتهي ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

وذكر أن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وشركاء دوليين آخرين سارعوا إلى الترحيب بالاتفاق، وحثّوا المؤسسات الليبية على تنفيذه.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة أصرّت على أن دبلوماسيتها الثنائية تدعم البعثة الأممية؛ إذ أبلغت مجلس الأمن في أغسطس أن "جهودها مكمّلة تماما لخارطة طريق البعثة". 

ورأى التقرير أن الشهرين المقبلين سيختبران هذا الزعم.

مثيرة للشكوك

وبيّن المجلس الأطلسي أن إعلان دعم المسارات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة ظل من أكثر ملامح السياسة الدولية تجاه ليبيا ثباتا طوال العقد الماضي، لكن مواءمة الدبلوماسية الثنائية مع تلك المسارات أثبتت أنها أصعب.

وأضاف أن انخراط واشنطن الثنائي مع الأطراف الليبية في الشرق والغرب شمل خلال العام 2025 دعم موازنة وطنية موحدة، وتدريبات مشتركة تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب وساطة بين معسكر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وقائد قوات شرق ليبيا الانقلابي خليفة حفتر بشأن ترتيبات تقاسم السلطة.

وأشار إلى أن هذه الجهود أثارت شكوكا، من بينها مخاوف من أن تقوّض المحادثات المباشرة مع مراكز القوى المتنافسة حوافز التسوية عبر المسار الأممي.

ورأى التقرير أن تحركا أميركيا قبل نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2026 قد يساعد على دفع الاتفاق نحو التنفيذ، ويمنح البعثة الأممية السند السياسي الذي تحتاجه لإنجازه والتقدم نحو انتخابات وطنية.

وأوضح التقرير أن ليبيا لم تُجرِ انتخابات وطنية منذ 2014، وأن اقتراعا رئاسيا وبرلمانيا كان مقررا في ديسمبر/كانون الأول 2021 انهار وسط خلافات على الأساس الدستوري للانتخابات، ومن يحق له الترشح، وهل يُجرى الاقتراعان معا.

وذكر أن الاتفاق انبثق مما تسميه البعثة "الاجتماع المصغّر" أو صيغة "4+4"، التي جمعت ممثلين اثنين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة لحفتر ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

وأضاف أن المحادثات بدأت بالعاصمة روما في 29 أبريل/نيسان، وتواصلت عبر سبع جولات في تونس، قبل أن يوقّع الأطراف الاتفاق في طرابلس في 30 أغسطس.

وبيّن أن الاتفاق يعالج أول محطتين في خارطة طريق البعثة، وهما إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وحل الخلافات العالقة حول الإطار القانوني والدستوري للانتخابات.

ولفت إلى أن الاتفاق يستند إلى قوانين الانتخابات الليبية القائمة مع تعديل عدة أحكام خلافية، فيُسمح للعسكريين بالتصويت والترشح للرئاسة، ويُسمح لمزدوجي الجنسية بالترشح شرط أن يتخلى الفائز عن أي جنسية غير ليبية قبل أداء اليمين الدستورية.

وأورد أن الاتفاق يفصل أيضا بين النتائج الرئاسية والبرلمانية، ويلغي شرط إجراء جولة إعادة إذا حصل مرشح رئاسي على أكثر من 50 بالمئة من الأصوات.

وأوضح أن الاتفاق يُلزم الأطراف بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال 24 شهرا في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكنه لا يوفّر آلية لتشكيل تلك السلطة الموحدة.

وأضاف أن أمام مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة شهرا واحدا لإقرار الاتفاق، وإن لم يفعلا، يلتزم الموقّعون بالسعي إلى اعتماده عبر آلية وطنية واسعة التمثيل، وطلب دعم دولي من خلال مجلس الأمن.

ردود متباينة

وذكر التقرير أن الردود الأولية تبرز حجم التحدي المقبل، فقد رحّب الدبيبة بالاتفاق بوصفه خطوة مهمة نحو إنهاء المراحل الانتقالية والتوجه إلى الانتخابات، فيما أيّد حفتر نتيجته كذلك.

وأشار إلى أن رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ربط تأييده بمدى اتساق الاتفاق مع الإطار الدستوري والقانوني الليبي القائم، بما فيه الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015.

ولفت إلى أن رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، امتنع عن حضور التوقيع، وبعد يومين حذّر المجلس من فرض ترتيبات من خارج الإطار المؤسسي الليبي.

وأضاف أن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الذي انتقد سرّية المحادثات والتدخل الأجنبي فيها، أصدر في اليوم ذاته مرسوما يعيّن مجلس إدارة منافسا للمفوضية.

ونبّه التقرير إلى أنه لا يلزم أن يرفض مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة اتفاق "4+4" صراحة كي يُفشل المسار قبل مهلة نهاية سبتمبر.

وأوضح أن أيّا منهما قد يمتنع عن الانعقاد، أو يخفق في بلوغ النصاب، أو يحيل النص لمزيد من النظر، أو يشترط تأييده بطرق تعيد فتح قضايا سعت الصيغة إلى حسمها.

وذكّر بأن ليبيا شهدت تكتيكات مماثلة، فالاتفاق السياسي لعام 2015 اشترط أن يمنح مجلس النواب الثقة لحكومة الوفاق الوطني، لكن جلسات طبرق عُطّلت مرارا، وفي أغسطس 2016 حجب المجلس الثقة عنها.

ونقل عن المبعوث الأممي السابق، عبد الله باتيلي، قوله في أبريل 2024: إن الجمود السياسي في ليبيا يعود جزئيا إلى قادة يسعون إلى إبقاء الوضع القائم عبر "أساليب المماطلة والمناورات".

وبيّن أن الموعد الثاني يحل في 31 أكتوبر حين تنتهي ولاية البعثة الحالية، وأن تجديدا لعام واحد سيُبقيها عاملة، لكن المدة وحدها لن تجعل الولاية المجددة مناسبة للغرض.

وأوضح أن ما ينقص البعثة ليس الصلاحية، فالوساطة والمساعي الحميدة من صميم مهامها، بل سند صريح من مجلس الأمن لهذا الاتفاق تحديدا، وتقارير تتابع تنفيذه.

دعم أم كلمات

وأشار التقرير إلى أن التوقيت يربط الموعدين، فإذا أخفق المجلسان في إقرار الاتفاق، قد تدفع أحكامه الاحتياطية الملف إلى مجلس الأمن في اللحظة التي يبدأ فيها أعضاؤه التفاوض على ولاية البعثة المقبلة.

ورأى أن البعثة الأميركية في نيويورك ووزارتي الخزانة والخارجية تستطيع اتخاذ ثلاث خطوات لتحويل الدعم المعلن إلى مواءمة فعلية مع المسار الأممي.

وأوضح أن الخطوة الأولى بناء توافق بين الشركاء الدوليين، عبر تنظيم "اجتماع كبار المسؤولين" بشأن ليبيا على هامش الجمعية العامة، والسعي إلى بيان مشترك يؤيد اتفاق "4+4" ويلتزم بدعم تنفيذه، بدل بيان آخر من رئيس الاجتماع.

وأضاف أن دولا شاركت في اجتماع 2025، منها تركيا ومصر وقطر والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، وأن موقفا موحدا لهذه الحكومات سيكون له وزن لدى الأطراف الليبية على جانبي الانقسام.

وبيّن أن الخطوة الثانية تأمين ولاية تدعم التنفيذ، بأن تعمل البعثة الأميركية مع بريطانيا، حاملة ملف ليبيا، وبقية أعضاء مجلس الأمن، كي يؤيد تجديد أكتوبر خارطة الطريق والاتفاق لا أن يكتفي بالترحيب بهما.

وذكّر بأن أعضاء المجلس خفّفوا في أكتوبر 2025 لغة النص بشأن خارطة الطريق الأممية من "يؤيد" إلى "يرحّب". مؤكدا أن التجديد ينبغي أن يطالب الأمين العام بتقديم تقارير عن التقدم إزاء المواعيد التي حددها الأطراف لأنفسهم.

وأوضح أن الخطوة الثالثة إعداد عقوبات محددة الأهداف، مستندا إلى أمر تنفيذي صدر في 2016 يتيح إدراج أفراد مسؤولين عن أفعال "تعرقل الانتقال السياسي في ليبيا أو تقوّضه أو تؤخّره".

وأضاف أن الرئيس ترامب، مدّد في فبراير/شباط 2026 حالة الطوارئ الوطنية التي تستند إليها تلك الصلاحية، وأن ثمة سابقة؛ إذ أدرجت واشنطن والاتحاد الأوروبي في 2016 مسؤولين ليبيين لعرقلتهم اتفاقا أمميا سابقا.

ودعا التقرير مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الخزانة إلى أن يقرر، بالتنسيق مع الخارجية، أي سلوك يشكّل عرقلة تستوجب العقوبات، وأن يجهّز حزم الإدراج تباعا كي تتحرك واشنطن في غضون أسابيع لا أشهر.

وختم المجلس الأطلسي بأن اتفاق "4+4" لا يضمن إجراء ليبيا انتخابات وطنية، ولا يمحو المخاوف من دبلوماسية واشنطن الثنائية.

لكنه -بحسب التقرير- يخلق فرصة لأن يعزز كل من هذه الدبلوماسية وخارطة البعثة أحدهما الآخر بدل أن يتنافسا، وبحلول نهاية أكتوبر سيتضح إن كان دعم واشنطن مجرد كلمات أم شيئا أبعد من ذلك.