رغم رفض تركيا ومصر والسعودية.. هل تتحدى أميركا حلفاءها وتعترف بـ"أرض الصومال"؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

على الضفة الإفريقية من خليج عدن، يقبع إقليم صغير أعلن انفصاله منذ 1991 دون أن يظفر باعتراف دولي، وها هو اليوم يضع واشنطن أمام سؤال عن استعدادها للاعتراف باستقلاله ولو أغضب ذلك أنقرة والقاهرة والرياض.

وحين اعترفت إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، أثار القرار ضجة دولية واسعة، فوصفته جامعة الدول العربية بأنه "غير قانوني" ويهدد الاستقرار الإقليمي.

وأعلن الاتحاد الإفريقي رفضه "أي مبادرة أو إجراء يهدف إلى الاعتراف بـ"أرض الصومال ككيان مستقل"، فيما وصفته وزارة الخارجية السعودية بأنه "خطوة انفصالية أحادية الجانب تنتهك القانون الدولي".

وسارعت قطر ومصر وتركيا والجزائر واليمن وسلطنة عمان والسودان والعراق وغيرها إلى ترديد المواقف نفسها، كما أعلن الاتحاد الأوروبي أنه "يؤكد مجددا أهمية احترام وحدة جمهورية الصومال الفيدرالية وسيادتها وسلامة أراضيها".

هكذا استهلّ الكاتب والزميل الأول لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية، ستيفن كوك، مقاله في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، ليدفع بأطروحة مغايرة مفادها أن "على واشنطن أن تحذو حذو إسرائيل".

صراع النفوذ

وأقرّ كوك بأن وحدة الأراضي تظل مبدأ مهما، فتفكك دول أخرى في المنطقة، كسوريا أو العراق، سيكون كارثيا على أمن الشرق الأوسط واستقراره.

لكنه رأى أن ربط المعارضة بمبدأ وحدة الأراضي الصومالية ينطوي على ذريعة مكشوفة.

فـ"أرض الصومال" ارتضت طوعا الانضمام إلى الصومال بعد استقلالها عام 1960، ثم قررت الانفصال في 1991 إثر عقد من الحرب الداخلية، وظلت مستقلة فعليا منذ ذلك الحين، وفق المقال.

وذكّر كوك بأن السعودية تعايشت مع دولتين يمنيتين بين عامي 1967 و1990، وأن قطر وتركيا دعمتا إدلب، المحافظة السورية المنشقة، حتى سقوط رئيس النظام بشار الأسد.

أما تركيا فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تعترف بجمهورية شمال قبرص التركية، التي اقتطعتها أنقرة من الثلث الشمالي لقبرص الرومية، العضو الحالي في الاتحاد الأوروبي.

ومن ثمّ، خلص كوك إلى أن معارضة الخطوة الإسرائيلية لا تنبع من مبدأ بقدر ما تنبع من تقديرات جيوسياسية، وهو ما يؤكد أهمية "أرض الصومال"، لا سيما في هذه اللحظة.

ولفت كوك إلى أن الأميركيين الذين نشأوا على خرائط "إسقاط مركاتور" قد لا يدركون تماما عمق الروابط الجغرافية، ومن ثمّ الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والثقافية، بين الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

و"إسقاط مركاتور" من أشهر طرق رسم خرائط العالم على سطح مستوٍ، غير أنه يضخّم مساحات الأراضي البعيدة عن خط الاستواء فتبدو أكبر من حقيقتها.

وأضاف كوك "فالسعودية والإمارات وقطر مستثمرون بمليارات الدولارات في القارة الإفريقية. أما مصر فلها مصلحة إستراتيجية حيوية في شرق إفريقيا، بحكم اعتمادها على نهر النيل الذي ينبع من إثيوبيا وبوروندي ورواندا وتنزانيا وأوغندا، والذي يتوقف عليه بقاء البلاد".

وتابع بأن لتركيا واحدة من أكبر شبكات السفارات في القارة، وأنها ركّزت على الصومال بوصفه رأس جسر تركي في المنطقة، بوجود قوات يتراوح عددها بين 800 و2500 جندي.

وذكر أن إسرائيل تحظى حاليا بعلاقات قوية مع أوغندا وكينيا وإثيوبيا، والآن "أرض الصومال"، وأن القرن الإفريقي بات جزءا من اللعبة الكبرى بين قوى الشرق الأوسط.

مقومات ومخاطر

ورأى كوك أن لدى "أرض الصومال" قصة جديرة بأن تُروى، فهي، كالصومال، استفادت من استثمارات إماراتية وبعض القطرية إضافة إلى التركية. 

لكنها، خلافا لكثير من الدول الإفريقية، نأت بنفسها عن إقامة علاقة مع الحكومة الصينية.

وأوضح كوك أن دبلوماسييها والناطقين باسمها يشددون على رغبتهم في شراكة مع الولايات المتحدة تشمل قواعد عسكرية وإتاحة الوصول إلى المعادن، وأنهم تعهدوا بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.

وأضاف أن "أرض الصومال" تمتلك مؤسسات سياسية فاعلة، وأن انتقالا سلميا للسلطة جرى في 2024 لصالح المعارضة، حين فاز عبد الرحمن محمد عبد الله، الملقب بـ"عِرُّو"، في الانتخابات الرئاسية.

غير أن الصورة ليست مثالية، على حد قول كوك، فثمة اتهامات بأن السلطات تقيّد الحريات المدنية، وثمة معارضة للحكومة داخل بعض العشائر، خاصة في الشرق.

وأشار إلى أن المشاعر هناك تميل إلى الارتباط بمقديشو بدلا من هرجيسا، عاصمة "أرض الصومال"، وهو ما يثير احتمال نشوب نزاع عشائري عنيف داخل الإقليم.

ورأى كوك أن ذلك قلق مشروع، مستدركا أن الخبر السار يتمثل في أن "عِرُّو" يقول إنه ملتزم بالحوار السلمي.

وأفاد بأن الولايات المتحدة قاومت حتى اللحظة الاعتراف باستقلال "أرض الصومال"، غير أن ضباطا كبارا من القيادة الأميركية لإفريقيا "أفريكوم" زاروا هرجيسا.

وعدّ الزيارة منطقية، ما دامت مصالح واشنطن الأمنية مرتبطة بـ"أرض الصومال"، فاستعراض إيران قوتها في مضيق هرمز يسلّط الضوء على البحر الأحمر الذي لا يقل عنه أهمية.

وأوضح أنه قبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، كان نحو 15 بالمئة من التجارة العالمية يمر عبر البحر الأحمر، وأنه بات حاليا منفذا مهما للنفط السعودي الذي كان سيسلك مضيق هرمز لولا ذلك.

مصالح واشنطن

ونبّه كوك إلى أن هذه الملاحة استُهدفت في الأشهر الأخيرة من حلفاء إيران، الحوثيين، في تحدٍّ جديد لالتزام واشنطن بحرية الملاحة.

وعلى هذا، تساءل: "فأي بلد يطل على الشاطئ الإفريقي لخليج عدن؟ إنها أرض الصومال".

فمع ميناء بربرة ذي المياه العميقة الذي يخضع للتحديث، ومدرج طائرات كبير مجاور له، ورغبة في الاصطفاف إلى جانب واشنطن، وعلاقات وثيقة مع أصدقائها الإقليميين الآخرين (إسرائيل وإثيوبيا والإمارات)، تبدو هرجيسا مرشحا جيدا لشراكة جديدة في القرن الإفريقي.

وأضاف كوك أنه يصعب العثور على منطقة انطلاق أفضل تستخدمها الولايات المتحدة لمراقبة الحوثيين، وعند الاقتضاء للضغط عليهم وعلى الحرس الثوري الإيراني.

ونقل كوك عن بعض المعلّقين في "أرض الصومال" قولهم: إن من قصر النظر أن تحصر الولايات المتحدة وإسرائيل مجمل العلاقة مع هرجيسا في القواعد العسكرية، وإن ذلك محفوف بالمخاطر بالنسبة إلى الإقليم. وأكد هؤلاء رغبتهم في علاقة أوسع وأقل تركيزا على الأمن.

ووافق كوك هؤلاء على أن كلامهم صحيح إلى حد بعيد، غير أن انشغال واشنطن في كل مكان تقريبا، ووزارة خارجية لم يبقَ منها إلا ظلّها، يجعلان من الصعب تصوّر قدرتها على أكثر من عسكرة علاقتها بـ"أرض الصومال".

وسلّم كوك بأن اعتراف الولايات المتحدة بـ"أرض الصومال" يخاطر بإثارة غضب أصدقاء آخرين لواشنطن، في مقدمتهم تركيا ومصر والسعودية، لكنه رأى أن الأمر قد يستحق ما يستتبعه من محادثات عسيرة وغضب.

وشدد على أنه لا ينبغي أن يملك قادة تركيا ومصر والسعودية حق النقض على السياسة الأميركية، خاصة حين تكون قضايا كبرى على المحك، كمواجهة الحرس الثوري الإيراني والحوثيين، وترسيخ حرية الملاحة.

ورأى أن هذه القضايا تفوق كثيرا استياء السعودية من إسرائيل والإمارات، وطموحات تركيا الإقليمية، وخلاف مصر مع إثيوبيا، وهو خلاف يمكن تصوّر حل دبلوماسي له.

وخلص كوك إلى أن لدى الولايات المتحدة سببا وجيها للاعتراف بـ"أرض الصومال".

ففي الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، وهي منطقة يندر أن تلوح فيها فرصة سانحة، يمثّل تطوير العلاقات مع هرجيسا واحدة من تلك الفرص.

ونوّه إلى أن مسؤولي "أرض الصومال" يريدون واشنطن شريكا، والأكثر أهمية أن لديهم ما يقدّمونه. 

ورأى أن مصلحة "أرض الصومال" والمصالح الأميركية على السواء تقتضيان التخلي عن ذريعة وحدة الأراضي الصومالية، فقد آن أوان ذلك.