استيطان انتقائي.. لماذا تريد إسرائيل ربط القدس بغور الأردن؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تحظى منطقة "إي 1" (E1)، الواقعة شرقي القدس المحتلة، بموقع مهم في الرؤية الإسرائيلية لمستقبل المدينة وحدودها الشرقية، وهو ما تناوله الباحث الإسرائيلي أفرايم إنبار في مقال رأي نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية.

واستعرض إنبار -وهو منظّر، وباحث في "معهد القدس للإستراتيجية والأمن"، ورئيس قسم الدبلوماسية والإستراتيجية والأمن في كلية "شاليم"- الأهمية الإستراتيجية للمنطقة.

هجمات من الشرق

ويقع مخطط "إي 1" بين مستوطنتي معاليه أدوميم وبسجات زئيف، ضمن المناطق المصنفة (ج) والخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ويمتد على مساحة تقارب 12 كيلومترا مربعا، بين بلدات عناتا والعيساوية والزعيم والعيزرية وأبو ديس.

وأشار إنبار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إسحاق رابين، كان أول من دفع بمخطط البناء في منطقة "إي 1"، قبل أن يحول المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، دون تنفيذه عقودا طويلة.

وأوضح أن الولايات المتحدة غيّرت موقفها في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مقدرا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تستحق الثناء على مضيها في قرار البناء بمنطقة "إي 1"، بعد أن طرحت مناقصات لبناء أول 1400 وحدة سكنية فيها.

ورأى أن هذه الخطوة تمثل المرحلة الأولى لربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس، وتبعث برسالة واضحة إلى العالم عن التزام إسرائيل بالحفاظ على قدس موحدة، وبحدود قابلة للدفاع عنها على طول غور الأردن في مواجهة أي هجمات من الشرق.

وأشار إنبار إلى أن حكومة رابين بنت مستوطنة معاليه أدوميم في سبعينيات القرن الماضي في إطار خطة ألون، التي عدّت غور الأردن حدودا يمكن تأمينها عسكريا، وأولت أهمية كبرى للطريق الذي يوفر الوصول إليه.

وتقع مدينة معاليه أدوميم شرقي القدس، ويقطنها نحو 40 ألف مستوطن يهودي، وهي تؤمن الطريق الوحيد الذي يمكن لإسرائيل عبره نقل قواتها العسكرية عند الحاجة من الشريط الساحلي إلى غور الأردن مرورا بالقدس.

ولفت إنبار إلى أن الشريط الساحلي يقطنه معظم اليهود، وتتمركز فيه أغلب قواعد الجيش الإسرائيلي، مضيفا أن القدس ومعاليه أدوميم ومنطقة "إي 1" تتحكم بالطريق رقم 1، الرابط الرئيس بين الساحل المتوسطي وغور الأردن، والذي يتيح لليهود التنقل دونما عوائق تذكر من التجمعات السكانية العربية.

ورأى أن القدس تحمل قيمة تاريخية ودينية لليهود، إلى جانب قيمتها الإستراتيجية الكبرى، موضحا أنها تقع عند تقاطع مهم بين محوري الشمال والجنوب والشرق والغرب في "أرض إسرائيل"، ويتيح موقعها التحرك العسكري دون الحاجة لعبور المنحدرات الجبلية المأهولة بالعرب في الضفة الغربية.

وأقرّ إنبار بأن معارضي الاستيطان اليهودي في منطقة "إي 1" يبدون قلقا من تأثيره على التواصل الجغرافي لدولة فلسطينية مرتقبة تمتد من رام الله إلى بيت لحم، وفق ما تقترحه خطط المجتمع الدولي حلا للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الممتد.

لكنه وصف هذه الحجة بـ"الواهية"، وقال: إنه لا صعوبة في ترتيب ممر حر بين شمال الضفة الغربية وجنوبها عبر جسور علوية أو أنفاق.

وأكد أن إسرائيل تخطط لبناء الطريق رقم 80 بين الشمال والجنوب بالتوازي مع البناء في منطقة "إي 1"، لإتاحة تنقل الفلسطينيين من رام الله إلى بيت لحم، إلى جانب طريق مخطط بين بلدة الزعيم شمالي الطريق رقم 1 وبلدة العيزرية جنوبه.

منع تقسيم القدس

وأضاف أن ربط معاليه أدوميم بالقدس يحول أيضا دون تقسيم المدينة، مبينا أن الهدف الضمني من معارضة هذا الربط هو منع إسرائيل من قطع التواصل العربي مع الأحياء العربية في القدس الشرقية المحتلة، التي يفترض أن تصبح عاصمة للدولة الفلسطينية.

وذكر إنبار أن الفلسطينيين يريدون من منطقة "إي 1" أن تخلق تواصلا جغرافيا وديمغرافيا بين تجمعاتهم شرق وشمال القدس والأحياء العربية في القدس الشرقية المحتلة، تمهيدا لتقسيم المدينة في أي تسوية مقبلة، وأنهم على دراية بخطة ألون ويسعون إلى إحباطها.

وشدد على ضرورة الرفض القاطع لمطالبة الفلسطينيين بالسيطرة على القدس الشرقية المحتلة، لا سيما الحوض المقدس الذي يضم الحرم القدسي وحائط البراق، متهما إياهم ببناء رواية جديدة تنكر الصلة التاريخية لليهود بالقدس، وتحديدا وجود الهيكلين اليهوديين على الحرم القدسي.

وادعى إنبار أن اليهود يشكلون أغلبية في المدينة منذ منتصف القرن التاسع عشر، زاعما أن القدس لم تكن يوما عاصمة لأي كيان إسلامي.

وزعم أن استطلاعات الرأي تظهر أن معظم السكان العرب في القدس يفضلون الوضع الراهن؛ لأن حكم السلطة الفلسطينية أو حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لا يستهويهم كثيرا، كما يدعي.

وأورد الكاتب أنه رغم كسر رئيس الوزراء الأسبق، إيهود باراك، للمحظور الإسرائيلي بشأن التنازل عن قدس موحدة في كامب ديفيد عام 2000، لا تزال نسبة قريبة من 70 بالمئة من اليهود تؤيد إبقاء القدس موحدة، فيما يرى نحو 80 بالمئة أنه لا يمكن التنازل عن الحرم القدسي في أي اتفاق سلام.

وخلص إلى أن سيطرة الفلسطينيين على منطقة "إي 1" ستؤدي إلى تقسيم المدينة، وعزل معاليه أدوميم، وتقويض مطالبة إسرائيل بالسيطرة على غور الأردن، معتبرا أن توطين اليهود في هذه المنطقة يحول دون تحقيق المخطط الفلسطيني.

غور الأردن

وتطرق إنبار إلى حجة أن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى غور الأردن درعا ضد هجمات من الشرق، بعد أن أنهت معاهدة السلام مع الأردن خطر الجبهة الشرقية القريبة من مراكز التجمعات السكانية والبنى الاقتصادية الإسرائيلية.

وأضاف أن أصحاب هذه الحجة يقللون أيضا من الأهمية الطوبوغرافية لغور الأردن، مستندين إلى التكنولوجيا العسكرية الحالية التي تتيح ضربات دقيقة عن بعد، ويرون أن القدرة على شن ضربات دفاعية من الشريط الساحلي تلغي الحاجة إلى الاحتفاظ بالغور.

لكن إنبار وصف هذا الطرح بقِصر النظر سياسيا وعسكريا، مؤكدا أنه يتجاهل الاحتمال الكبير لتغير سياسي سريع في المنطقة؛ إذ لم يعد ممكنا استبعاد سيناريوهات مثل زعزعة استقرار الأردن أو السعودية، أو تطرف النظام في سوريا، وأي منها قد يعيد إحياء التهديد من الجبهة الشرقية.

وأشار أيضا إلى أن هؤلاء الخبراء يتجاهلون تاريخ التكنولوجيا العسكرية الذي يظهر نمطا واضحا من التقلب على مر القرون بين تفوق الهجوم وتفوق الدفاع، مقدرا أن الاعتقاد بأن التوازن الحالي سيبقى ثابتا اعتقاد خاطئ وخطير.

ورأى إنبار أن الرهان على حدود تعتمد على تفوق تكنولوجي عابر وظروف سياسية متغيرة يمثل حماقة إستراتيجية، وقال: إنه إذا كانت إسرائيل معنية فعلا بحدود يمكن الدفاع عنها على طول غور الأردن، فعليها تأمين الطريق الذي يربط الغور بالشريط الساحلي، مرورا بالقدس الموحدة ومعاليه أدوميم.

ورأى أن المكانة الدولية لإسرائيل يمكن أن تتحسن، وأن معارضة البناء في منطقة "إي 1" قد تخف، إذا طرحت إسرائيل في الوقت ذاته رؤية واضحة قائمة على مبدأ التنازل الإقليمي، لمستقبل بعيد يكون فيه الفلسطينيون مستعدين لأن يكونوا جيرانا طيبين.

استيطان انتقائي

وذكر إنبار أنه لا توجد حكمة إستراتيجية كبرى في الاستيطان العشوائي في أنحاء الضفة الغربية وغزة، مقدرا أن الحركة الاستيطانية نسيت أن القدس هي أهم تلة في أرض إسرائيل، وأن سكانها يفتقرون إلى أغلبية صهيونية.

وأضاف أن التهافت على تلال ذات أهمية إستراتيجية محدودة يهدر طاقة وموارد صهيونية كان يمكن توظيفها بحكمة أكبر في مواضع أخرى.

ودعا إنبار الحكومات الإسرائيلية إلى تبني سياسة استيطان انتقائي، تركز على مناطق قلب الإجماع الإسرائيلي، وهي القدس وضواحيها ومعاليه أدوميم وغور الأردن، دون إثارة ردود فعل دولية واسعة.

وطالب، إلى جانب هذه السياسة، بإخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية الواقعة خارج مناطق الإجماع، ولا سيما في المنطقتين "أ" و"ب"، مشددا على ضرورة وقف "الإرهاب اليهودي" في الضفة الغربية بحزم، بوصفه وصمة أخلاقية تلحق بإسرائيل وتتسبب بضرر بالغ خارجيا.

وختم إنبار بالقول إن منطقة "إي 1" تكتسي أهمية حيوية لمستقبل القدس السياسي، وأن هذه الأهمية حاسمة بالقدر ذاته لقدرة إسرائيل على الاحتفاظ بحدود قابلة للدفاع عنها في الشرق، مؤكدا أن بناء أحياء يهودية في هذه المنطقة يمثل ضرورة إستراتيجية وسياسية.