القواعد الأميركية في الأردن.. حماية أمنية أم مصدر تهديد داخلي؟

"المملكة تواجه معضلة صعبة"
وقع مئات السياسيين والمحامين والمثقفين وممثلي المجتمع المدني الأردنيين رسالة مفتوحة يطالبون فيها بانسحاب القوات الأميركية من المملكة.
وبحسب صحيفة "لو دبلومات" الفرنسية، "لا تعبر هذه الخطوة عن مجرد موقف معارض لواشنطن، بل تكشف بالأساس عن مخاوف قطاع من المجتمع الأردني من أن يجد نفسه مضطرا إلى دفع ثمن حرب تقرر في مكان آخر".
وعلاوة على ذلك، "تكشف هذه العريضة عن معضلة أعمق تواجه النظام الملكي؛ إذ يجد نفسه بين التمسك بتحالفه مع الولايات المتحدة من جهة، وتصاعد الاستياء الشعبي من الوجود العسكري الأميركي على الأراضي الأردنية من جهة أخرى".
معضلة صعبة
وبحسب المقال، "وصفت الرسالة الوجود العسكري الأميركي بأنه مصدر خطر على الأمن الوطني والاستقرار السياسي والاقتصاد".
ووفق الموقعين، فإن الأردن "قد يجد نفسه منخرطا في صراع إقليمي لا يرغب غالبية السكان في المشاركة فيه".
ولفتت الصحيفة إلى أن "هذه الاحتجاجات تكتسب أهمية خاصة لصدورها في مملكة تخضع فيها المعارضة العلنية لقيود مشددة، فقد رفضت وسائل إعلام أردنية عدة، بحسب ما ورد، نشر الرسالة، بينما يخشى منظموها التعرض للاعتقال أو للملاحقة القضائية".
وينتشر نحو أربعة آلاف عسكري أميركي في الأردن، موزعين على عدة قواعد ومنشآت تعد أساسية للعمليات الأميركية في الشرق الأوسط.
وتابعت: "يتيح الموقع الجغرافي للأردن مراقبة المناطق الواقعة بين سوريا والعراق وإسرائيل والسعودية، إلى جانب توفير خطوط الإمداد والدعم اللوجستي، والمراقبة الجوية، والقدرة على التدخل السريع، لكن هذه الأهمية الإستراتيجية نفسها تجعل الأردن هدفا محتملا".
في المقابل، أوضح المقال أن إيران "تنظر إلى القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة بصفتها جزءا من البنية العسكرية المستخدمة ضدها".
"وبالتالي، قد ينظر إلى أي منشأة أميركية داخل الأردن بوصفها هدفا مشروعا في حال اتساع نطاق الحرب من جديد"، وفقا له.
ومن ثم، قدرت الصحيفة أن "المملكة تواجه معضلة صعبة، تتمثل في الاختيار بين الحفاظ على الحماية الأميركية أو تقليص انكشافها العسكري لتجنب رد إيراني محتمل".

مصدر للهشاشة
"من الناحية العسكرية، يبدو الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من الأردن صعبا على المدى القريب، في ظل اعتماد المملكة على التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات التدريب والاستخبارات والدفاع الجوي والمساعدات الاقتصادية"، قال المقال.
وأردف: "كما تنظر واشنطن إلى الأردن بصفته إحدى ركائز الاستقرار الأساسية في منطقة تعصف بها الصراعات".
ومع ذلك، يعتقد أن "الوجود الأميركي لم يعد يوفر ضمانات أمنية فحسب، بل أصبح يخلق أيضا مصادر جديدة للهشاشة".
وأوضح مقصده: "فكلما اُستخدمت القواعد الموجودة في الأردن لدعم عمليات ضد إيران، زاد خطر تحول عمّان إلى طرف فعلي في المواجهة، مع تلاشي الفارق تدريجيا بين الحليف والقاعدة الخلفية والطرف المنخرط في الحرب".
ونوه إلى أن "الخطر الحقيقي الذي يواجه الأردن لا يقتصر على احتمال تعرضه لهجوم مباشر، بل يمتد إلى إمكان انخراطه في حرب استنزاف تقوم على تبادل الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة وعمليات التخريب واستهداف البنية التحتية للطاقة والمنشآت العسكرية".
في الوقت ذاته، أشارت الصحيفة إلى أن الأردن "يمتلك موارد محدودة، ويستورد جزءا كبيرا من احتياجاته من الطاقة، كما يعاني من ارتفاع معدلات البطالة".
وعليه، أوضحت أن "أي أزمة عسكرية طويلة الأمد قد تترك تداعيات ثقيلة على قطاع السياحة والاستثمارات ووسائل النقل والاستقرار المالي".
في هذا الإطار، تطرقت الصحيفة إلى ما وصفته بـ"الثمن الاقتصادي للتبعية"، قائلة: "تتلقى المملكة مساعدات أميركية كبيرة سنويا، لكن هذا الاعتماد الاقتصادي يحد في الوقت نفسه من هامش استقلال قرارها السياسي".
بعبارة أخرى، رأى المقال أنه "رغم قدرة عمّان على مطالبة واشنطن بمزيد من الحذر، فإنها لا تملك هامشا كافيا لفرض شروطها عليها".
وفي ظل هذا الواقع، يزداد المشهد تعقيدا؛ إذ "يتحمل المواطنون أعباء ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تستضيف البلاد قوات أجنبية منخرطة في عمليات قد تعرضها لردود انتقامية"، وفق وصفه.
واستطرد: "وفي خضم هذا التناقض تتصاعد الاحتجاجات، فالمساعدات الأميركية تدعم الدولة، لكن الوجود العسكري الأميركي يهدد بزعزعة الوحدة الوطنية".

اتساع الفجوة
في هذا السياق، تنظر الصحيفة إلى الرسالة المفتوحة بوصفها "مؤشرا على شرخ نادر داخل النظام السياسي الأردني".
ورغم أنها تعتقد "أنها لا تشكل تهديدا مباشرا للنظام الملكي في الوقت الراهن"، لكنها "تكشف عن اتساع الفجوة بين الخيارات الإستراتيجية للحكومة ومشاعر قطاع من المجتمع"، وفقا لها.
ومن ثم، خلصت إلى أن "الملك عبد الله يجد نفسه أمام معادلة معقدة؛ إذ يتعين عليه الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة من دون أن يبدو تابعا لها، وحماية الأراضي الأردنية من دون تحويلها إلى منصة للحرب".
وأردفت: "وفي نفس الوقت، احتواء الاحتجاجات من دون تعزيز الانطباع بأن البلاد تدار خلافا لإرادة مواطنيها".
في المحصلة، وصف المقال وضع عمّان بالقول: "منذ عقود، يعد الأردن من أكثر دول المنطقة هشاشة، لكنه في الوقت نفسه أحد العناصر الأكثر أهمية في الترتيبات الأميركية بالشرق الأوسط، وقد تتحول هذه الأهمية نفسها اليوم إلى مصدر مشكلته الرئيسة".
وأضاف أن "القضية التي يطرحها الموقعون على الرسالة تتجاوز عدد الجنود الأميركيين المنتشرين في الأردن، لتشمل الجهة التي تحدد مسار السياسة الخارجية للمملكة، والثمن الذي هي مستعدة لتحمله مقابل البقاء ضمن منظومة التحالفات الغربية".
واستطرد: "عندما تتحول قاعدة عسكرية أجنبية من مصدر للحماية إلى هدف محتمل، فإن المسألة تتجاوز بعدها الإستراتيجي لتصبح قضية سياسية واجتماعية ووطنية".
















