كيف أعادت الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل تشكيل معادلة حرب السودان؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تكشف زيارة قائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بالتزامن مع حشد عسكري وتحركات لوجستية في قاعدة عسكرية بمدينة أصوصا القريبة من الحدود السودانية، إلى جانب رصد أربع رحلات شحن أسلحة إماراتية إلى مليشيا الدعم السريع، عن تطور جديد في مسار الحرب السودانية، لا سيما مع تصاعد عمليات الدعم السريع في إقليم النيل الأزرق.

وتأتي هذه التطورات في سياق محاولات إماراتية لمساندة مليشيا الدعم السريع التي تواجه هزائم متتالية في عدد من جبهات القتال، عبر الاستعانة بإثيوبيا، التي تتقاطع مصالحها مع استمرار حالة عدم الاستقرار في السودان. كما تثير هذه التحركات مؤشرات متزايدة على وجود تنسيق أو تقاطع مصالح عسكري بين إثيوبيا والإمارات ومليشيا الدعم السريع.

وتشير هذه التطورات إلى أن الحرب السودانية لم تعد محصورة في خطوط القتال داخل الأراضي السودانية، بعدما بدأت التحركات على الحدود الشرقية تثير تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة الدور الإثيوبي والإماراتي في دعم مليشيا الدعم السريع، إلى جانب الدور التشادي، بما يوسع تدريجيا نطاق الصراع ويفتح الباب أمام امتداد تداعياته إلى دول الجوار.

ويطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت أديس أبابا تتحول تدريجيا من دولة تتأثر بالحرب السودانية بحكم موقعها الجغرافي إلى طرف منخرط فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر تقديم أشكال من الدعم أو التسهيلات اللوجستية والعسكرية لأحد طرفي الصراع.

زيارة حميدتي لإثيوبيا

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ضوء زيارة قائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، إلى أديس أبابا في 27 أغسطس/ آب 2026، ولقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

وجاءت الزيارة بالتزامن مع تقارير عن نشاط عسكري وحشود إثيوبية في منطقة أصوصا، ورحلات شحن مرتبطة بالإمارات إلى إثيوبيا، فضلا عن اتهامات بتوفير أراضٍ وقواعد إثيوبية مسارات للدعم اللوجستي والعسكري لمليشيا الدعم السريع.

وتأتي زيارة حميدتي إلى أديس أبابا في توقيت شديد الحساسية بالنسبة للحرب السودانية، خصوصا مع انتقال المعارك إلى مناطق جديدة في النيل الأزرق، وتغير خطوط الإمداد عقب استعادة الجيش السوداني عددا من المواقع والمحاور المهمة.

كما تمثل الزيارة ثاني ظهور خارجي لحميدتي منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع في 15 أبريل/ نيسان 2023، بعد زيارته أوغندا، وذلك عقب فترة غياب طويلة أثارت تكهنات واسعة بشأن مصيره، وصلت لدى بعض الشخصيات إلى حد الجزم بمقتله.

وتستمد الزيارة دلالتها أيضا من مستوى الاستقبال واللقاء الذي حظي به حميدتي؛ إذ إن ظهوره في العاصمة الإثيوبية ولقاءه رئيس الوزراء آبي أحمد يمنح مليشيا الدعم السريع هامشا سياسيا وإقليميا يتجاوز حدود الدعم اللوجستي، ويثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن تداعيات أي تقارب إثيوبي مع مليشيا الدعم السريع على الأمن الإقليمي، لا سيما بالنسبة إلى مصر.

وفي هذا السياق، اتهم مجلس السيادة السوداني إثيوبيا بالتورط في الصراع الدائر في السودان والسماح بشن هجمات لمليشيا الدعم السريع انطلاقا من أراضيها، وذلك بالتزامن مع وصول حميدتي إلى أديس أبابا.

https://x.com/Amgad_Fareid/status/2093430272813416586

وقال مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، أمجد فريد، في منشور على منصة “إكس”: إن تزامن وصول حميدتي إلى أديس أبابا جاء مع تصاعد هجمات مليشيا الدعم السريع على إقليم النيل الأزرق، في الجبهة الشرقية للسودان.

وأضاف فريد أن هذه الهجمات تُشن من الأراضي الإثيوبية، وتحديدا من قاعدة أصوصا التابعة للجيش الإثيوبي، والتي قال إنها خُصصت لمليشيا الدعم السريع، بالتزامن مع تزايد الدعم الذي تقدمه لها الإمارات، مشيرا إلى أن صور الأقمار الاصطناعية وثقت، بحسب قوله، هذه التحركات.

“أصوصا”.. مركز للدعم السريع

تكتسب منطقة «أصوصا»، عاصمة إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي والقريبة من الحدود السودانية، أهمية متزايدة في ضوء المعطيات المتداولة بشأن وجود حشد عسكري في المنطقة، بالتزامن مع تصاعد عمليات مليشيا الدعم السريع في إقليم النيل الأزرق.

وفي 28 أغسطس/ آب 2026، أكد تقرير لمختبر الشؤون الإنسانية التابع لجامعة «ييل» الأميركية، أن عتادا عسكريا جرى حشده في قاعدة «أصوصا» الإثيوبية الواقعة قرب الحدود السودانية، مشيرا إلى احتمال ارتباطه بتحركات مليشيا الدعم السريع استعدادا لشن هجوم في إقليم النيل الأزرق.

وقال المختبر إنه رصد «وجود عتاد في قاعدة الجيش الإثيوبي في أصوصا خلال الفترة بين 23 و28 أغسطس/ آب الجاري»، موضحا أن المعدات شملت مركبات تكفي لتشكيل قوة بحجم فوج كبير إلى لواء، وقادرة على نقل ما بين 750 وألف فرد.

وأضاف أن «الزيادة في إمدادات العتاد والمركبات في قاعدة أصوصا تزيد من خطر وقوع هجوم كبير ووشيك من جانب الدعم السريع على الدمازين».

ورأى التقرير أن هذه المعطيات تعزز الاتهامات التي توجهها الحكومة السودانية إلى إثيوبيا بشأن توفير إمدادات لمليشيا الدعم السريع، والسماح لها بشن هجمات انطلاقا من الأراضي الإثيوبية.

وبحسب التسلسل الزمني الذي أورده التقرير، بلغ الحشد في قاعدة مليشيا الدفاع الوطني الإثيوبية بأصوصا ذروته الأولى في 27 يوليو/ تموز الماضي، قبيل هجوم مليشيا الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق.

وتجدد الحشد بين 6 و28 أغسطس/ آب الجاري، بالتزامن مع توسع عمليات الدعم السريع وظهور رحلات شحن مرتبطة بالإمارات وصلت مباشرة إلى أصوصا، وفق المعطيات المتداولة.

وإذا صحت هذه المعطيات، فإن أهمية التطورات لا تقتصر على وجود قوات إثيوبية في منطقة حدودية، وإنما تكمن في تزامن الحشد العسكري مع التحركات الميدانية لمليشيا الدعم السريع، بما قد يشير إلى توفير دعم لوجستي وعسكري لها عبر الأراضي الإثيوبية.

كما قد يعني ذلك أن حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد باتت أقرب إلى الانخراط في الحرب السودانية من خلال دعم أحد طرفيها، لا سيما في ظل الاتهامات المتكررة بشأن وجود تنسيق إثيوبي-إماراتي لدعم مليشيا الدعم السريع.

ومن شأن استمرار هذه التحركات أن يجعل محور «أصوصا-النيل الأزرق» والحدود الإثيوبية إحدى أبرز ساحات الصراع في المرحلة المقبلة، بما يوسع نطاق الحرب السودانية ويدفع بتداعياتها إلى عمق منطقة القرن الإفريقي.

ويرى الصحفي السوداني ضياء الدين بلال أن النشاط العسكري المتزايد على محور النيل الأزرق عبر إثيوبيا، إلى جانب زيارة قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» إلى أديس أبابا، والتحركات الإقليمية المتزامنة، تعكس محاولات لإعادة ترتيب أوراق مليشيا الدعم السريع بعد ما تعرضت له من هزائم وانقسامات.

وسبق أن كشف تحقيق لوكالة «رويترز» في 10 فبراير/ شباط 2026، عن استخدام معسكر في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي لتدريب مليشيا الدعم السريع بتمويل وإشراف إماراتي، فضلا عن تتبع رحلات شحن مرتبطة بالإمارات من إسرائيل إلى إثيوبيا.

وكان الحشد في قاعدة مليشيا الجيش الإثيوبي بعاصمة إقليم بني شنقول قد بلغ ذروته في 27 يوليو/ تموز 2026، قبيل هجوم مليشيا الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق، قبل أن يتجدد بين 6 و28 أغسطس/ آب، بالتزامن مع توسع عملياتها وبدء هبوط رحلات شحن إماراتية مباشرة في أصوصا.

وفي 29 أغسطس/ آب 2026، أعلن الجيش السوداني دفع تعزيزات عسكرية من قوات النخبة نحو منطقة بكوري بمحافظة قيسان في النيل الأزرق، بعد ساعات من إعلان مليشيا الدعم السريع السيطرة على القاعدة الإستراتيجية هناك، وسط اتهامات سودانية بتلقيها دعما إثيوبيا وإماراتيا.

دور مشبوه لمسعد بولس

ويزيد من خطورة هذه التطورات الموقف الأمريكي، إذ تتهم مصادر سودانية الإمارات بشن حملة ضغط قوية داخل دوائر صنع القرار في واشنطن لدعم حلفائها وأدواتها في شرق إفريقيا، عبر الإدارة الأميركية ومبعوثها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية.

وتحيط ببولس، إلى جانب عدد من مستشاري الرئيس دونالد ترامب، شبهات بشأن تمويلات واستثمارات في شركات خاصة، وعلاقات ومصالح تجارية مع الإمارات، وفق ما تثيره مصادر سودانية في سياق رصدها للتحركات الأميركية والإماراتية في المنطقة.

وتشير مصادر سودانية شبه رسمية، في رصدها لهذه الشبهات، إلى أن واشنطن أنهت في مايو/ أيار 2026 حظر الأسلحة المفروض على إثيوبيا منذ عام 2021 على خلفية حرب تيغراي.

كما استضافت وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون» وفدا عسكريا إثيوبيا لمدة أسبوع، قبل أن تتوج الزيارة بالإعلان، في 21 أغسطس/ آب 2026، عن اتفاق عسكري بين واشنطن وأديس أبابا ينص على «تعزيز تعاونهما في مجالي الدفاع والأمن من خلال إطار إستراتيجي جديد»، وفق ما أوردته صحف أمريكية.

وفي خطوة أخرى، طرحت واشنطن مشروع قرار في مجلس الأمن لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان، بما في ذلك الطائرات المسيرة التي تحصل عليها أطراف سودانية من دول بينها تركيا وإيران، وهو ما تعده مصادر سودانية مساواة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، رغم اختلاف وضعيهما القانوني، بما قد يمنح الإمارات، المتهمة بتزويد الدعم السريع بالسلاح، هامشا لتعزيز تفوق القوات التي تدعمها.

وكان مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، أمجد فريد، قد تساءل في منشور سابق عبر منصة «إكس» عن سبب عدم صدور أي تعليق من مسعد بولس بشأن «العدوان على السودان»، أو بشأن الدولة التي تُستخدم أراضيها منصة لإطلاق الهجمات.

واختتم فريد منشوره بالقول: «يبدو أن الأقمار الاصطناعية تستطيع رؤية ما تفضّل الدبلوماسية الأميركية ألا تراه، أو ربما لم تصل الأخبار إلى السيد بولس بعد».

ودفع ذلك سودانيين مقيمين في الولايات المتحدة إلى رفع دعوى قضائية جماعية أمام المحاكم الأمريكية ضد حكومة الإمارات، بسبب دورها المزعوم في دعم المجهود الحربي لمليشيا الدعم السريع، بحسب موقع «سودان تربيون» في 29 أغسطس/ آب 2026.

واتهم المدعون الإمارات، في الدعوى، بأنها «المسؤولة عن تقديم إمدادات لمليشيا الدعم السريع»، التي تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية خلال قتالها الجيش السوداني منذ أبريل/ نيسان 2023.

وتواجه مليشيا الدعم السريع اتهامات متزايدة بالتورط في جرائم إبادة جماعية في مدينتي الجنينة والفاشر بإقليم دارفور غربي السودان، إلى جانب اتهامات بارتكاب جرائم قتل وعنف جنسي وتهجير قسري ونهب وإذلال، بما قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

وبالتزامن مع هذه التحركات الأمريكية، رفعت إثيوبيا أيضا من نبرة خطابها تجاه مصر، مع إعلانها عزمها إنشاء عدة سدود جديدة، فيما طالب وزير المياه الإثيوبي، في 28 أغسطس/ آب 2026، مصر بدفع أموال سنوية لبلاده في صورة تعويضات مقابل مياه النيل التي تستخدمها.

حرب إقليمية بالوكالة

لا يعني التطور المرتبط بانحياز إثيوبيا إلى جانب حميدتي، بدعم إماراتي واضح، مجرد تغيير في مسار الحرب السودانية، بل قد ينقل الصراع إلى مرحلة جديدة أقرب إلى حرب إقليمية بالوكالة، لا سيما في ظل مؤشرات على انخراط إثيوبي أعمق في تدريب آلاف المقاتلين المرتبطين بمليشيا الدعم السريع، بتمويل إماراتي وتوفير مدربين ودعم لوجستي.

وبموجب هذا التطور، تتحول الأراضي الإثيوبية إلى ما يشبه «العمق الإستراتيجي» لمليشيا الدعم السريع، ومجال جغرافي آمن نسبيا خلف خطوطها داخل السودان، بما يتيح تدريب المقاتلين وإعادة تنظيم القوات وتخزين المعدات وإدارة عمليات الإمداد بعيدا عن ساحات القتال، ومن ثم توفير مقومات استمرار الحرب.

وتكتسب منطقة بني شنقول-قمز، ولا سيما أصوصا، أهمية خاصة لقربها من الحدود السودانية. وسبق أن ربطت تقارير لوكالة «رويترز»، في 10 فبراير/ شباط 2026، بين وجود معسكر لتدريب مليشيا الدعم السريع وتطوير مطار أصوصا، مع حديث مصادر عن استخدام المنشأة في دعم العمليات اللوجستية للقوات.

وقد يؤدي العامل الإثيوبي، وفق تقديرات وتقارير إفريقية، إلى إطالة أمد الحرب السودانية بدلا من الدفع نحو حسمها. فإذا أصبح بإمكان مليشيا الدعم السريع الحصول بصورة منتظمة على مقاتلين جدد، إلى جانب التدريب والإمدادات من خارج السودان، فإن قدرتها على تعويض خسائرها ستزداد، فيما تتراجع فرص الحسم العسكري السريع.

وبذلك قد تنتقل الحرب من صراع داخلي على السلطة إلى حرب استنزاف ذات امتدادات إقليمية، بحيث يصبح كل تقدم يحرزه الجيش السوداني قابلا للتعويض عبر خطوط إمداد خارجية، الأمر الذي يعقد فرص التوصل إلى تسوية عسكرية أو سياسية.

وحذرت الولايات المتحدة بالفعل من أن الدعم العسكري والمالي الخارجي لطرفي الصراع يسهم في استمرار الحرب، فيما تدفع واشنطن باتجاه توسيع حظر الأسلحة على السودان. غير أن موقفها العملي من شبكات الإمداد الخارجية والدول المتهمة بدعم أطراف الصراع يظل موضع تساؤلات وانتقادات سودانية.

النيل الأزرق.. جبهة جديدة

ويخشى خبراء عسكريون سودانيون من أن يقود التورط الإثيوبي إلى أخطر نتيجة عسكرية مباشرة، وهي فتح جبهة جديدة في النيل الأزرق، وهو ما بدأت مؤشراته تظهر مع تصاعد هجمات مليشيا الدعم السريع وسيطرتها على مناطق جديدة في الإقليم.

فإتاحة دعم بشري وعسكري لمليشيا الدعم السريع انطلاقا من غرب إثيوبيا يمنحها فرصة لتحويل ولاية النيل الأزرق إلى منطقة استراتيجية جديدة، مستفيدة من قربها الجغرافي من الحدود الإثيوبية. وبدلا من تركيز الجيش السوداني عملياته على جبهتي دارفور وكردفان، قد يجد نفسه أمام مسرح عمليات جديد يمتد شرقا وجنوبا شرقي البلاد.

ويفرض ذلك تحديا عسكريا إضافيا على الجيش السوداني، يتمثل في الدفاع عن جبهة شرقية وجنوبية شرقية واسعة، بالتزامن مع استمرار القتال في الجبهات الأخرى، وهو ما قد يؤدي إلى تشتيت قواته واستنزاف قدراته البشرية واللوجستية.

وبذلك تتحول جبهة النيل الأزرق إلى أولوية إستراتيجية لمليشيا الدعم السريع وحلفائها، بعدما كانت في مراحل سابقة أقرب إلى محور ثانوي يمكن استخدامه لتشتيت جهود الجيش بعيدا عن كردفان. أما الآن، فتشير التحركات الميدانية إلى احتمال تحولها إلى واحدة من ساحات الصراع الرئيسية.

وفي هذا السياق، تكتسب قاعدة أصوصا أهمية متزايدة، في ظل الحديث عن تطوير المطار لتقريب خطوط الإمداد، بدلا من الاعتماد على قواعد أخرى في الداخل الإثيوبي، فضلا عن اتهامات بتوفير منشآت عسكرية في بني شنقول-قمز لخدمة مليشيا الدعم السريع.

ومن شأن هذا التحول دفع الجيش السوداني إلى إعادة رسم خططه في الإقليم، بحيث يتحول هذا المحور إلى ساحة استنزاف رئيسة لمليشيا الدعم السريع والقوى الداعمة لها، بدلا من بقائه جبهة هامشية في الصراع.

إثيوبيا.. اللعب بالنار

في المقابل، تحذر تقارير غربية من أن انخراط إثيوبيا في الحرب السودانية ينطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها احتمال انتقال الصراع إلى الأراضي الإثيوبية نفسها. فاستمرار استخدام الأراضي الإثيوبية منصة للتدريب والإمداد والعمليات قد يحول أديس أبابا تدريجيا من طرف داعم إلى طرف مباشر في الحرب.

وكما استهدف الجيش السوداني في السابق قواعد لمليشيا الدعم السريع داخل الأراضي التشادية، فقد يجد نفسه أمام خيار استهداف قواعد أو مطارات إثيوبية توفر للمليشيا القدرة على إطلاق الطائرات المسيرة أو تشكل ممرا لنقل الأسلحة والمقاتلين إلى السودان.

وسبق أن اتهم الجيش السوداني، في 4 مايو/ أيار 2026، إثيوبيا بالسماح بإطلاق طائرات مسيرة من أراضيها، فيما قالت «رويترز»: إن هذا التطور ارتبط بتطوير مطار أصوصا بواسطة الإمارات لاستخدامه في دعم عمليات مليشيا الدعم السريع.

وتزداد خطورة هذا السيناريو بالنظر إلى موقع معسكر التدريب الذي كشفت عنه «رويترز» في إثيوبيا، والذي يقع على مسافة تقارب 101 كيلومتر من سد النهضة الإثيوبي، ما يثير مخاوف من أن يؤدي توسع الحرب إلى اقتراب العمليات العسكرية من منشأة ذات حساسية إستراتيجية بالغة.

مصر.. الخطر يتجاوز السودان

وهنا تظهر أهمية التطورات بالنسبة إلى مصر؛ إذ إن أي فوضى عسكرية واسعة في المنطقة المحيطة بسد النهضة تضيف عاملا أمنيا جديدا إلى ملف السد، فوق الخلافات القائمة أصلا بين القاهرة وأديس أبابا بشأن مياه النيل وآلية تشغيل السد.

وبالتالي، فإن تداعيات التورط الإثيوبي المحتمل في الحرب السودانية لا تقتصر على السودان، وإنما قد تمتد بصورة مباشرة إلى الأمن القومي المصري، خصوصا أن القاهرة تنظر إلى السودان بصفته امتدادا إستراتيجيا لأمنها القومي.

وأي تحول في شرق السودان أو النيل الأزرق إلى منطقة نفوذ لقوة مسلحة معادية، مثل مليشيا الدعم السريع، مدعومة من قوى إقليمية بينها إثيوبيا والإمارات، قد يمثل بالنسبة إلى مصر تطورا أمنيا بالغ الحساسية، وربما يدفعها إلى زيادة انخراطها في الصراع.

والأخطر من ذلك هو احتمال تشكل مثلث نفوذ إقليمي جديد يضم إثيوبيا والإمارات ومليشيا الدعم السريع، في مقابل شبكة إقليمية داعمة للجيش السوداني تضم، بدرجات مختلفة، مصر وتركيا.

وعند هذه النقطة، قد لا يعود السودان مجرد ساحة لحرب داخلية على السلطة، بل يتحول إلى جزء من صراع أوسع على النفوذ في القرن الإفريقي، وساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، بما يجعل الحرب السودانية أقرب إلى صراع دولي مصغر على النفوذ في منطقة شديدة الحساسية استراتيجيا.

حميدتي وإسرائيل

ويزيد من خطورة تدويل الصراع أيضا التدخل الإسرائيلي؛ إذ كشف موقع «أفريكا إنتليجنس»، في 28 أغسطس/ آب 2026، أن قيادة مليشيا الدعم السريع تحتفظ بروابط واتصالات رفيعة المستوى مع إسرائيل منذ اندلاع الحرب في السودان، وهي علاقات أمنية تمتد جذورها إلى ما قبل الحرب.

وأكد الموقع الاستخباري أن قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) يعزز علاقاته مع إسرائيل، مشيرا إلى أن عددا من قيادات القوات وأفرادا من عائلة حميدتي زاروا تل أبيب عدة مرات، في إطار تعاون تعود جذوره إلى فترة ما قبل اندلاع الحرب.

وكشف التقرير عن إجراء وفد من مليشيا الدعم السريع زيارتين سريتين إلى إسرائيل؛ الأولى في مايو/ أيار 2025، والثانية في فبراير/ شباط 2026، حيث التقى الوفد خلال الزيارتين مسؤولين في القسم الإفريقي بوزارة الخارجية الإسرائيلية، وضباطا من أجهزة الاستخبارات.

وضمت الزيارة الأولى عبد الرحيم حمدان دقلو وشقيقه الأصغر القوني حمدان دقلو، فيما انضم إليهما في الزيارة الثانية عز الدين الصافي، المستشار القانوني لمليشيا الدعم السريع.

وبحسب «أفريكا إنتليجنس»، حافظ جهاز الموساد على قناة اتصال منفصلة مع مليشيا الدعم السريع، تناولت قضايا أمنية واستخباراتية، وذلك بعد توقيع السودان على اتفاقيات أبراهام عام 2021، وشملت، وفق التقرير، توفير تقنيات إسرائيلية للمراقبة وتكنولوجيا عسكرية لمليشيا الدعم السريع.

وقبل ذلك، في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، زار عبد الرحيم دقلو إسرائيل برفقة الفريق ميرغني إدريس، في إطار الاتصالات التي كانت قائمة خلال فترة مساعي تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، ذكرت صحيفة «هآرتس» أن طائرة خاصة إسرائيلية هبطت في مطار الخرطوم وبقيت فيه نحو 45 دقيقة، وكانت مملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي تال ديليان، وهو ضابط استخبارات إسرائيلي سابق، وقيل إنها استخدمت لنقل معدات مراقبة إلى مليشيا الدعم السريع.

ويشير التقرير أيضا إلى دور شبكات طيران مرتبطة بإسرائيل في عمليات لوجستية ذات صلة بمليشيا الدعم السريع.

وساعدت شركة «بار أفييشن» المملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي باراك أورلاند، بصورة منتظمة، في عمليات نقل أسلحة إلى دول مجاورة للسودان، ضمن سلسلة إمداد إقليمية مرتبطة بمليشيا الدعم السريع، وفق التقرير.

وبذلك، لم تؤد الحرب إلى قطع قنوات الاتصال بين مليشيا الدعم السريع وإسرائيل، بل استمرت هذه القنوات، مع اعتماد القوات على شبكة علاقاتها الخارجية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والأسلحة والتقنيات العسكرية.