اتفاق مكة.. هل يعزز مسارات اقتصادية تتجاوز إسرائيل ويوسع حضور الصين في الشرق الأوسط

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لم يعد الصراع على ممرات الربط بين آسيا وأوروبا يقتصر على التجارة والاقتصاد، بل بات جزءا من إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط. 

وفي هذا السياق، يرى موقع "ميدا" العبري أن "اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان يكتسب أهمية تتجاوز أبعاده الأمنية، بالتزامن مع تحركات لإنشاء مسارات للسكك الحديدية تربط السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا، وتطورات أخرى قد تفتح أمام الصين طرقا جديدة إلى المنطقة وأوروبا".

ومع تشكل هذه الشبكة من التحالفات والممرات، تبرز تساؤلات حول مستقبل موقع إسرائيل في خريطة الربط الإقليمي، وما إذا كانت هذه المسارات قد تتحول إلى بدائل تتجاوزها، بما ينعكس أيضا على حسابات التطبيع مع الرياض.

خيوط متشابكة 

واستهل المقال حديثه بـ"الإشارة إلى سلسلة من الأحداث وقعت مطلع أغسطس/ آب 2026، تبدو في ظاهرها غير مترابطة، لكنها في حقيقة الأمر تتقاطع معا".

وتابع: "وفقا لبيانات شركة كبلر التي نشرتها وكالة رويترز في 6 أغسطس، لم تعبر مضيق باب المندب في 5 أغسطس سوى سفينة تجارية واحدة، فيما عبرت مضيق هرمز سفينتان فقط، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يوميا كانت تعبر هرمز عادة قبل اندلاع الأزمة".

ورغم أن حركة الملاحة تغيرت منذ ذلك الحين، فإنه يرى أن "مجرد إمكانية تراجعها خلال فترة قصيرة إلى هذه المستويات أظهر مدى هشاشة اثنين من أهم نقاط الاختناق في العالم".

وأردف: "فلم تكن هناك حاجة إلى السيطرة على ميناء، أو إغراق أسطول، أو حتى احتلال المضيق بشكل مباشر؛ إذ كان مجرد الخوف من استهداف الناقلات كافيا لدفع شركات الشحن إلى الابتعاد عن شريانين رئيسين للتجارة العالمية، وتعريض سلاسل الإمداد الممتدة من آسيا إلى أوروبا للخطر".

وأضاف: "وبعد يوم واحد من نشر هذه البيانات، تغيرت الخريطة مرة أخرى، عندما وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاق دفاع مشترك".

وفي الوقت نفسه، نوه إلى أن "الجدل يتواصل بشأن احتمال عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35، فيما أفادت تقارير بتوسيع قدراتها العسكرية في الصومال".

وحول العلاقة بين كل هذه الأحداث، قال الموقع: "كل من هذه التطورات مهم بحد ذاته، لكن وضعها جنبا إلى جنب يكشف أنها تندرج ضمن عملية أوسع نطاقا".

واستطرد: "فالمنطقة المحيطة بإسرائيل لا تعيد تشكيل موازين القوى العسكرية فحسب، بل تعيد أيضا بناء الطرق والتحالفات والبنى التحتية التي تربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا".

وأوضح المقال فكرته قائلا: "صحيح أن اتفاق مكة لا يحول السعودية إلى عدو لإسرائيل، ولا يوجد ما يبرر تقديمه بصفته تحالفا مناهضا لها، لكنه يمثل، رغم عدم تحوله بعد إلى كتلة متجانسة، مؤشرا إضافيا على أن القوى المتوسطة لم تعد بالضرورة تنتظر الولايات المتحدة لتحديد شكل البيئة المحيطة بها".

ومن ثم، توقع أنه "إذا ما تطور هذا الإطار مع مرور الوقت بمناورات مشتركة وتبادل للمعلومات الاستخباراتية وتعاون في الصناعات العسكرية وربط اقتصادي، فقد يؤثر في إسرائيل حتى من دون أن يصنف في أي وقت على أنه تحالف ضدها".

وبحسب تقديره، "تتضح دلالة ذلك بصورة أكبر عند النظر إلى خريطة البنية التحتية، ففي مايو/ أيار 2026، قررت الصين وباكستان تعميق التعاون وتسريع العمل ضمن (الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني)، الذي يربط غرب الصين بباكستان وميناء جوادر على بحر العرب". 

وهنا نوه المقال إلى أن "ميناء جوادر ليس مجرد ميناء باكستاني، بل بوابة بحرية لمنظومة صينية أوسع، وقد تضمنت التصريحات بشأن تطويره دعوة صريحة إلى أطراف ثالثة للانضمام للمشروع".

"وعلى الجانب الآخر من الشرق الأوسط، انتقلت هذه العملية بالفعل من مرحلة الأفكار إلى مرحلة التطبيق الفعلي"، قال الموقع.

وأكمل: "ففي يونيو/ حزيران 2026، وقعت السعودية وتركيا مذكرات تفاهم للتعاون في مجالي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، بالتوازي مع العمل على إنشاء خط للسكك الحديدية يربط البلدين عبر الأردن وسوريا".

وتابع: "تمتد شبكة السكك الحديدية السعودية بالفعل إلى الحدود الأردنية، فيما استؤنفت في فبراير/ شباط 2026، بعد توقف دام نحو 15 عاما، حركة نقل البضائع من الأردن عبر سوريا إلى تركيا والأسواق الأوروبية".

ورغم ذلك، أوضح المقال أنه "لا يوجد حتى الآن ممر رسمي يحمل اسم (الصين-باكستان-السعودية-تركيا)، ومن المهم التشديد على ذلك".

وأردف: "فالأردن وسوريا ليسا جزءا من تحالف مكة، وسلطنة عمان ليست طرفا فيه، ولا توجد حاليا خطة معتمدة تربط جميع هذه الحلقات".

مع ذلك، شدد المقال على أن "ملامح هذا المسار بدأت تتشكل بالفعل؛ ففي الشرق توجد منظومة صينية-باكستانية تصل إلى بحر العرب، وفي الغرب يبرز مسار محتمل يمتد من السعودية عبر الأردن وسوريا إلى تركيا وأوروبا، فيما تتوسطهما منطقة الخليج وسلطنة عمان وطرق التجارة البحرية".

وعليه، أكد المقال أنه "لا يمكن لمن يتعامل مع هذه المسألة من منظور إستراتيجي أن ينتظر حتى توقيع جميع العقود ليبدأ التفكير في دلالاتها".

وفي مواجهة هذا الاحتمال، أشار إلى "الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)"، الذي وقعت الهند والسعودية والإمارات والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، على مبادئه في سبتمبر/ أيلول 2023.

وبحسبه، "تقوم الفكرة على إنشاء مسار تنتقل فيه البضائع من الهند بحرا إلى الخليج، ثم عبر السكك الحديدية من الإمارات والسعودية والأردن إلى إسرائيل، ومنها عبر موانئ إسرائيل إلى أوروبا".

وبالنسبة إلى إسرائيل، قدر أن "هذا المشروع لا يمثل مجرد خطة للنقل، فهو قد يحولها من دولة تقع عند الطرف الشرقي للبحر المتوسط إلى حلقة في المسار البري البحري الرئيس الذي يربط الهند بأوروبا".

"كما أن للمشروع أهمية تتجاوز تقليص زمن نقل البضائع بالنسبة إلى الولايات المتحدة والهند، إذ يمثل (IMEC) بديلا جزئيا لمنظومة الربط الصينية، ويقوم في جوهره على تصور يربط الهند والخليج وإسرائيل وأوروبا ضمن منظومة واحدة لا تعتمد على الصين"، وفقا له.

خيار إضافي

في خضم هذا المشهد، تبرز السعودية بوصفها اللاعب المحوري في هذا المسار، إذ شدد المقال على أن "الانتقال من الأفكار إلى الواقع يمر عبر الرياض، فمن دون تعاون سعودي، يصعب إنشاء مسار متصل من الإمارات إلى الأردن وإسرائيل".

في هذا السياق، يقدر أنه "كان واضحا حتى قبل توقيع اتفاق مكة أن التوتر بين الرياض وتل أبيب يعرقل التقدم في (الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا)".

مع ذلك، يرى أن "الاتفاق مع تركيا وباكستان لا يلغي هذا الممر، كما أنه لا يجعل السعودية جزءا من المعسكر الصيني، لكنه يمنحها خيارا إضافيا ويقلل اعتمادها على مسار واحد فقط".

ومن هنا، نوه إلى أن "مسألة التطبيع تكتسب أيضا دلالة مختلفة، فقبل نحو أسبوعين فقط من توقيع اتفاق مكة، ربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخول الاتفاق النووي المدني الأميركي السعودي حيز التنفيذ بانضمام الرياض إلى (اتفاقات إبراهيم)، في حين واصلت السعودية ربط هذه الخطوة بوجود مسار يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية".

وتابع: "والآن، مع اكتمال الإطار الأمني ​​مع تركيا وباكستان، قد يرتفع الثمن الذي ستطلبه السعودية للتطبيع، بينما قد تتضاءل رغبتها في التوصل إلى اتفاق".

بعبارة أخرى، "هذا لا يعني إغلاق الباب أمام خيار التطبيع، بل يعني أن إسرائيل لا يمكنها أن تفترض أن السعودية ستنتظر إلى أجل غير مسمى المسار الأميركي الإسرائيلي".

ويتفق مع هذا الطرح العقيد (احتياط) عودي أبنتال، الباحث الإستراتيجي والمحلل السياسي والعسكري حيث يعتقد أن "الاتفاق قد يسهم في إضعاف فرص التطبيع بين إسرائيل والسعودية، الذي يعد أحد أهم التطورات الإستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل".

وفي المقابل، حذر الخبير في شؤون الشرق الأوسط والأمن القومي والاستخبارات، داني سيترينوفيتش، من "استخلاص نتيجة مبكرة مفادها أن الاتفاق يقضي على إمكانية التطبيع بين إسرائيل والسعودية"، مشددا على أن "الرياض تدير علاقاتها الأمنية عبر مسارات عدة بالتوازي".

في هذا الإطار، رجحت صحيفة "معاريف" العبرية أنه "إذا أحرزت إسرائيل تقدما ملموسا في الساحة الفلسطينية، فقد تبدي السعودية مجددا اهتماما بإحياء مسار التطبيع".

ومع ذلك، نوهت إلى أن "توسيع الرياض خياراتها الإستراتيجية يقلل إلى حد ما من اعتمادها على الخيار الإسرائيلي".

في سياق متصل، كتب المحلل السياسي الإسرائيلي، إيتان لاسري: "على مدى سنوات، جرى الحديث عن المحور السعودي الإسرائيلي الإماراتي بصفته العمود الفقري لنظام إقليمي جديد برعاية أميركية".

واستدرك: "غير أنه في الوقت الذي تنغمس فيه إسرائيل في الحرب، شددت السعودية مواقفها المعلنة، وباتت تربط التطبيع بإحراز تقدم حقيقي نحو حل الدولتين وإنهاء الحرب في غزة".

في الوقت ذاته، أشار المحلل لاسري إلى أن "موافقة واشنطن على منح السعودية اتفاقا للتعاون النووي المدني من دون ربطه بـ(اتفاقات إبراهيم) أضعف ورقة الضغط الإسرائيلية".

بصياغة أوضح، حذر المقال من أنه "إذا حصلت السعودية على ضمانات أمنية من تركيا وباكستان، وأسلحة وتكنولوجيا من الولايات المتحدة، واستثمارات من الصين، وقنوات للحوار مع إيران، فإن اعتمادها على إسرائيل يتراجع بمرور الوقت".

ومع ذلك، توقع أن "يستمر التعاون السري خلف الكواليس؛ إذ لا تزال حاجة السعودية إلى التقنيات الإسرائيلية في مجالات الدفاع والأمن السيبراني والمياه والذكاء الاصطناعي حيوية، كما ترى الرياض أن إسرائيل تمثل حلقة أساسية في مشروع (IMEC) الذي يربط الهند بأوروبا".

في الخلاصة، يرى لاسري أن "اتفاق مكة لا يستهدف إسرائيل، بقدر ما يعكس إعلان الاستقلال الإستراتيجي للسعودية، إذ تبعث الرياض من خلاله برسالة إلى واشنطن والقدس مفادها: (نحن مهتمون بالتعاون، لكننا لا نعتمد عليكم حصرا في ضمان أمننا)".

نتيجة معاكسة

من منظور التنافس بين واشنطن وبكين، لفت الموقع إلى أن اتفاق مكة "يبزر أيضا مفارقة بالنسبة للولايات المتحدة".

وأوضح مقصده: "فقد سعت واشنطن على مدى سنوات إلى الحد من التوسع الصيني في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والأمن، وكان ممر (IMEC) منسجما تماما مع هذه السياسة، لأنه يوفر مسارا يربط الهند بأوروبا عبر دول تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة".

لكن المقال قدر أنه "إذا ظل هذا الممر متعثرا بسبب غياب الربط السعودي الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه أمكن إيجاد وسيلة لربط منظومة (الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني) وميناء جوادر بالخليج، ومنه بالسعودية وتركيا؛ فقد تفضي التطورات إلى نتيجة معاكسة للهدف الذي سعت إليه السياسة الأميركية".

وتابع: "فبدلا من الحد من هامش التحرك الصيني، قد ينشأ مسار إضافي يتيح لبكين الاندماج في قلب الشرق الأوسط والوصول إلى أبواب أوروبا من دون الحاجة إلى إسرائيل".

ونوه المقال إلى أن "هذا السيناريو لا يزال مجرد احتمال ولم يتحول بعد إلى واقع مكتمل، غير أن الفارق بين سياسة ناجحة وأخرى تتأخر في التعامل مع المتغيرات يكمن في كثير من الأحيان تحديدا في هذه المرحلة".

في هذا السياق، استحضر الموقع "تجربة إسرائيل تكلفة الاعتماد على منظومة إستراتيجية لا تملك وحدها القدرة على تحديد مسارها".

وأردف: "ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، تطورت علاقات أمنية مهمة مع الصين".

واستدرك: "إلا أن قضية طائرات الإنذار المبكر (فالكون) عام 2000 أظهرت حدود هامش التحرك الإسرائيلي، إذ ألغيت صفقة كبيرة مع الصين نتيجة ضغوط أميركية شديدة، وتضررت العلاقات مع بكين، كما اضطرت إسرائيل إلى دفع تعويضات".

واستطرد: "وبعد سنوات قليلة، وافقت الولايات المتحدة على بيع إسرائيل للهند أنظمة من الفئة نفسها من القدرات".

وبحسب تقديره، "كان منطق واشنطن واضحا، إذ لم تكن ترى في تعزيز قدرات الهند تعزيزا للصين، فيما بدا القرار منطقيا من وجهة نظر إسرائيل في إطار تحالفها مع الولايات المتحدة". 

أما في باكستان، فيرى أن "المشهد كان مختلفا، إذ أدى تعمق التعاون الأمني بين إسرائيل والهند إلى أن تصبح الأولى حاضرة في الحسابات الأمنية لإسلام آباد".

وأوضح المقال أن ذلك "لا يعني وجود رابط مباشر بين قضية (فالكون) واتفاق مكة لعام 2026، وإنما يدلل كيف يمكن لقرارات تبدو محدودة عند اتخاذها أن تفضي، مع مرور السنوات، إلى تداعيات متتابعة وغير مباشرة".

وفي السياق نفسه، ذكّر المقال أيضا بـ"مشروع طُرح عام 2012 لإنشاء خط للسكك الحديدية من إيلات إلى ميناء أشدود وميناء وحيفا، إذ كانت هناك في مرحلة ما إمكانية لأن تصبح إسرائيل نفسها جزءا من منظومة الربط الصينية".

ووفق الموقع، "لم يفشل المشروع بسبب تدخل أميركي واحد، وإنما نتيجة مجموعة من الأسباب الاقتصادية والتخطيطية والسياسية، لكنه يوضح حجم الخيارات التي كانت متاحة آنذاك".

في المحصلة، تحول المقال إلى استنتاج مفاده أنه "مع اشتداد المنافسة الأميركية الصينية، تقلص هامش الحركة المتاح لإسرائيل في التعامل مع الصين، لا سيما في مجالي البنية التحتية والتقنيات الحساسة".

وتابع: "وهنا أيضا، لا تتمثل الخلاصة في أن على إسرائيل استبدال الولايات المتحدة بالصين أو اتباع سياسة تقوم على المساواة الكاملة بين القوتين، فلا بديل حاليا عن التحالف الأمني الأميركي، ولا توجد أي موازنة بين طبيعة العلاقة مع واشنطن وتلك القائمة مع بكين".

وأردف: "وإنما تتمثل الخلاصة في أمر آخر وهو أن التحالف الحيوي مع واشنطن لا يمكن أن يكون بديلا عن سياسة إسرائيلية تحرص على إبقاء خياراتها مفتوحة".

مسار التفافي

انطلاقا من ذلك، قدر الموقع أن "الصراع على الممرات يكتسب أهمية أكبر لأن الممر ليس مجرد خط للسكك الحديدية تتحرك عليه الحاويات".

وفسر حديثه: "فعندما تنشئ الدول معا موانئ وطرق سكك حديدية وطرق وأنابيب وشبكات كهرباء واتصالات، فإنها تبني مع مرور الوقت اعتمادا متبادلا، وحول هذه البنى التحتية تنشأ العقود وفرص العمل والشركات وآليات الأمن والمصالح السياسية".

وعليه، يرى أن "السؤال حول من سيربط الهند أو الصين بأوروبا هو أيضا سؤال حول الجهة التي ستنشئ البنية التي سيعمل الشرق الأوسط في إطارها خلال العقود المقبلة".

وأضاف: "فإذا نضج (الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا)، ستكون إسرائيل جزءا من المحور الذي يربط الهند والخليج بأوروبا".

"أما إذا تعثر هذا المشروع، وفي الوقت نفسه تم إنشاء طريق بديل يتجاوزه، فقد تكتشف إسرائيل أن الموقع الجغرافي الذي بدا لها في السابق ميزة قد تحول إلى مسار التفافي يتجاوزها"، على حد وصفه.

في الوقت نفسه، شدد على أن ذلك "لا يعني أنه على إسرائيل أن تختار الآن بين (ممرنا) و(ممرهم)، وإنما يتعين عليها أولا ضمان ألا يتحول استبعادها من الممرات إلى أمر واقع".

بعبارة أوضح، "ينبغي أن يظل ممر (IMEC) هدفا إستراتيجيا إسرائيليا حتى إذا تأخر تنفيذه، كما ينبغي الحفاظ على العلاقة مع السعودية حتى في غياب التطبيع؛ لأن السعودية تمثل عقدة اتصال وليست مجرد دولة مرشحة لاتفاق سياسي".

واستطرد: "ويتعين كذلك تعميق الربط مع الأردن والإمارات والهند، والنظر إلى موانئ حيفا وأشدود، وإيلات، وخطوط السكك الحديدية البرية، والعلاقات مع اليونان وقبرص، بصفتها أجزاء من منظومة واحدة، لا مجموعة من المشاريع المنفصلة".

في المقابل، أكد الموقع أنه "ينبغي متابعة البنية التحتية الناشئة على المحور الصيني-الباكستاني-التركي، من دون تحويل كل استثمار صيني أو تركي إلى تهديد عسكري، ولكن أيضا من دون التقليل من دلالته التراكمية".

في نهاية المطاف، قدر المقال أن "إسرائيل لا تستطيع أن تحدد بمفردها شكل الشرق الأوسط، لكن موقعها يمنحها ميزة نادرة، فهي تقع في نقطة تقترب فيها مياه البحر المتوسط من البحر الأحمر، وتقترب فيها أوروبا من آسيا، وتقع إفريقيا على الجانب الآخر من مضيق واحد".

وتابع: "والسؤال هو ما إذا كانت ستواصل إسرائيل النظر إلى نفسها كدولة صغيرة عند طرف كل واحد من هذه المجالات، أم ستبدأ في النظر إلى نفسها بصفتها نقطة وصل بينها".

ومن ثم، خلص المقال إلى أن "الصراع على الممرات يتجاوز بكثير مجرد المنافسة على خطوط السكك الحديدية والموانئ، إذ يدور في جوهره حول تحديد من سيكون عقدة الوصل ومن سيتحول إلى مسار التفافي".

تحالف مضاد

وفي ظل هذا الواقع المتشكل الذي يهدد بعرقلة اندماج إسرائيل في الإقليم، يقترح العقيد (احتياط) حنان شاي، المحاضر في التفكير الإستراتيجي بقسمي العلاقات الدولية والعلوم السياسية، أن تتجه إسرائيل، بدلا من إنشاء تحالف دفاعي تقليدي، إلى إقامة تحالف للأمن والازدهار يستند إلى مصالح اقتصادية وبنى تحتية قائمة.

وأوضح ذلك بمثل "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا"، والموانئ، وكابلات البيانات والطاقة، "بما يمنح مقومات الاستمرار حتى في أوقات السلم".

وشدد شاي على أن "هذا النهج يختلف عن التحالفات السابقة التي أخفقت لأنها ركزت على الالتزام بالحرب من دون بناء مصالح مشتركة يومية؛ إذ يجمع التحالف المقترح بين المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، بما يجعل العضوية فيه مجدية بذاتها، ويهيئ ظروفا تقلل قدرة الخصم أو رغبته في إشعال الحرب بدلا من الاكتفاء بالاستعداد لمواجهتها بعد اندلاعها".

واقترح شاي بمقاله على موقع معهد "مسغاف" العبري أن "تضم نواة التحالف الهند وإسرائيل وقبرص واليونان والإمارات".

فيما أوضح أن "الأردن تمثل حلقة وصل برية بالغة الأهمية، بينما يمكن لفرنسا وإيطاليا أن تؤديا دور بوابتين نحو أوروبا". 

أما الولايات المتحدة فقدر أنه "يمكن أن تكون داعما خارجيا بصيغة شبيهة بترتيب "3+1" القائم بين إسرائيل واليونان وقبرص وأميركا، بينما تستطيع مصر أن تسهم بقناة السويس والبحر الأحمر وثقلها في شرق المتوسط، كما ستكون عضوية السعودية موضع ترحيب، رغم كونها عضوا في تحالف مكة".

واستطرد: "بل إن دمجها تحديدا سيثبت أن التحالف لا يستهدف الإسلام أو السنة أو حتى تركيا، وإنما يدافع عن حرية الممرات، وتوزيع مراكز القوة، ومنع الإكراه الإقليمي".

وبحسب رأيه، "يمكن أن يشمل عمل التحالف سبعة مجالات متكاملة، هي التنسيق السياسي، والاستخبارات وحماية البنية التحتية، وحرية الملاحة، وتطوير السكك الحديدية والموانئ والمراكز اللوجستية، والكهرباء والغاز والهيدروجين وتخزين الطاقة، وكابلات البيانات والأمن السيبراني، إلى جانب البحث المشترك في مجالات المياه والزراعة والفضاء والصحة والذكاء الاصطناعي".

وشدد على أنه "لا ينبغي للتنظيم المقترح أن يعرّف تركيا بصفتها عدوا، فمثل هذا التعريف سيبعد الهند والإمارات ومصر وربما اليونان عن الانخراط في المنظمة، وسيعزز حجة أنقرة بأنها محاصرة، وسيحول الممر من مشروع دولي إلى أداة في صراع إقليمي".

في السياق ذاته، أكد شاي أنه "يجب إبقاء الباب مفتوحا أمام السعودية، فلا ينبغي للرياض أن تضطر إلى الاختيار بين اتفاق دفاعي مع تركيا وباكستان وبين المشاركة في منظومة اقتصادية وأمنية مع الهند وإسرائيل وأوروبا".

وأردف: "بل على العكس، يمكن لعضويتها في الإطارين معا أن تمنع تحالف مكة من التحول إلى تحالف معاد لإسرائيل، وأن تضمن عدم اقتلاع الممر الأصلي من مساره، كما ستتيح للسعودية تنويع مصادر دعمها بدلا من استبدال الاعتماد على الولايات المتحدة بالاعتماد على تركيا".

باختصار، "يريد تحالف مكة الجمع بين القوة العسكرية التركية والقدرات الباكستانية والموارد السعودية، أما الرد الصحيح من جانب إسرائيل فهو الجمع بين القوة الهندية والابتكار الإسرائيلي والموقع اليوناني القبرصي ورأس المال والبنية التحتية الخليجية والوصول إلى السوق الأوروبي والأميركي".

بعبارة أوضح، أكد شاي أن الهدف "ليس إنشاء كتلة تخوض حربا ضد كتلة أخرى، وإنما بناء نظام إقليمي لا تمتلك فيه تركيا أو إيران أو أي قوة أخرى القدرة على فرض إرادتها على جيرانها وعلى أوروبا".

وتوقع المقال أنه "إذا نجحت الاستجابة على مستوى الأمن القومي، أي إذا جرى بناء مسار (IMEC) عبر إسرائيل وتعزيزه وإثبات قيمته، فقد يؤدي ذلك على المدى الطويل إلى تغيير دور تحالف مكة نفسه".

واستطرد: "فتحالف لا يستطيع استخدام نفسه كأداة لتجاوز إسرائيل أو ممارسة الضغط عليها قد ينحصر في مهمته المعلنة، وهي حماية أعضائه من إيران ووكلائها".

واختتم قائلا: "وهذه هي النتيجة الإستراتيجية المنشودة، لا هزيمة التحالف ولا تفكيكه، وإنما منع تحوله إلى تحالف معاد لإسرائيل".