من الدعم العسكري إلى المساعدات الإنسانية.. كيف ترسخ تركيا نفوذها في لبنان؟

"أمن تركيا يمتد حتى دمشق وبيروت"
"بهدوء، ودون ضجة إعلامية كبيرة، ترسخ أنقرة تدريجيا موطئ قدم لها في أرض الأرز، على الحدود الشمالية لإسرائيل".. بهذا التحذير افتتحت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تقريرها الذي جاء تحت عنوان "الدعم العسكري، وشاحنات المساعدات، والتكنولوجيا الرقمية: موطئ قدم تركيا الهادئ بلبنان".
وبحسب التقرير العبري، "تشمل أدوات أنقرة تقديم مساعدات عسكرية وأمنية واسعة، وإبداء استعداد لإعادة إعمار جنوب لبنان، وتطوير مشاريع مدنية من خلال مؤسسة إنسانية تقدم المساعدة أيضا لحركة حماس".
فضلا عن "إرسال شاحنات مساعدات إلى (عشرات الآلاف من المتضررين من الهجمات الإسرائيلية)".
وأشارت الصحيفة إلى أن "وصول المساعدات التركية إلى لبنان يأتي في أعقاب تصريح للرئيس رجب طيب أردوغان أخيرا بأن أمن بلاده يمتد حتى دمشق وبيروت".

دور نشط
وفي هذا السياق، نوه التقرير إلى أن "تركيا لها بالفعل موطئ قدم في لبنان، ليس على المستوى الأمني فحسب، وإنما أيضا على المستويين الإنساني والمدني، في إطار نفوذ ناعم لكنه مؤثر".
من هذا المنطلق، فسرت الصحيفة زيارة "أبرز شخصيتين في القيادة اللبنانية (الجديدة) لتركيا في يوليو/ تموز 2026".
فقد وصل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى تركيا في 10 يوليو برفقة زوجته سحر بعاصيري، والتقى أردوغان.
كما زار الرئيس اللبناني جوزيف عون تركيا في 30 يوليو، وعقد مؤتمرا صحفيا مشتركا مع أردوغان.
وخلال المؤتمر الصحفي، أكد الرئيس اللبناني أن بلاده أكثر عزما من أي وقت مضى على استعادة سيادتها.
فيما شدد أردوغان الذي تشارك بلاده في قوة اليونيفيل في جنوب لبنان، على أن بلاده ترغب في "الانضمام إلى أي قوة تضمن استقرار المنطقة وأمنها، بما في ذلك أي قوة بديلة في لبنان" بعد انتهاء ولاية اليونيفيل في نهاية عام 2026.
كما أوضح أن الدعم العسكري التركي للقوات اللبنانية "سيستمر دون انقطاع"، وأن أنقرة "مستعدة للمساعدة في إعادة إعمار جنوب لبنان".
وتابع التقرير: "وكما سبقت الإشارة، تقدّم تركيا بالفعل مساعدات عسكرية وأمنية للبنان، فهي تؤدي دورا نشطا في قوة اليونيفيل جنوب لبنان منذ عام 2006، وأسهمت في عمليات القوة برا وبحرا، لكنها تقدم أيضا مساعدات بشكل منفصل للجيش وقوات الأمن في لبنان".
وأضاف: "أدرجت تركيا لبنان في برنامجها لمساعدة الجيوش الأجنبية منذ عام 2015، وفي مارس/ آذار 2018، تعهدت تركيا بدعم الجيش اللبناني وتزويد البلاد بمعدات عسكرية بقيمة 7 ملايين دولار".
وأردف: "ومنذ عام 2019، مع بداية الأزمة الاقتصادية الحادة في لبنان، وهي الأزمة التي لم تخرج منها البلاد حتى الآن، قدمت تركيا لبيروت، من بين أمور أخرى، قطع غيار وذخائر ومواد غذائية لقوات الأمن اللبنانية وللجنود وعائلاتهم، كما توفر تركيا برامج دعم وتدريب للجيش اللبناني".
نفوذ ناعم
"ولا يقتصر الحضور التركي في لبنان على المساعدات الأمنية والعسكرية؛ إذ تعمل وكالة التعاون والتنسيق التركية الرسمية (تيكا) على تطوير مشاريع إنسانية وتعليمية في لبنان، ما يشكّل موطئ قدم (ناعما) إضافيا لتركيا". قالت الصحيفة.
وتابعت: "تأسست الوكالة عام 1992، وتنفذ مشاريع في أكثر من 170 دولة، كما تدير 63 مكتبا لتنسيق البرامج في 61 دولة، وفقا لموقعها الرسمي الذي يذكر أن تركيا (تسعى من خلال الوكالة إلى بناء جيل من السلام)".
وفي يوليو 2026، افتتحت الوكالة، بالتعاون مع السفارة التركية في لبنان، مختبرا للتكنولوجيا في بيروت بهدف "تطوير المهارات الرقمية لدى الأطفال والشباب".
"كما قدمت الوكالة خلال السنوات الأخيرة مساعدات طبية للبنان، وساعدت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في البلاد، وشاركت في مشاريع زراعية وسياحية وثقافية"، وفق ما أفاد به التقرير.
فضلا عن ذلك، "تعاونت (تيكا) على مدار السنوات، في إطار مشاريعها في لبنان، مع مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، التي تعتبرها إسرائيل منظمة إرهابية بسبب مساعدتها لحركة حماس، والتي تنشط في لبنان".
وأضاف: "وفيما يتعلق بالوكالة أيضا، اعتقلت إسرائيل عام 2017 شخصا من غزة كان يدير فرعها في القطاع، وقالت: إنه كان يعمل لصالح الجناح العسكري لحماس".
وأردف: "وفي عام 2024، خلال الحرب في قطاع غزة، نشر الجيش الإسرائيلي توثيقا لشبكة أنفاق في القطاع تمر أسفل مستشفى أنشأته (تيكا)، بما يشير، بحسب الجيش، إلى أن حماس استخدمت المبنى"، على حد زعمه.
واستطرد: "وفي يوليو 2026، زارت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد تركيا أيضا، والتقت رئيس تيكا، عبد الله إرين".
ووفقا لمنشور نشرته على منصة "إكس"، بحثت معه سبل تعزيز الشراكة، وشكرته على المساعدات التي تقدمها الوكالة للبنان.
وأفاد التقرير بأنه خلال الزيارة نفسها، التقت الوزيرة رئيس هيئة تركية أخرى تنشط في لبنان، وهي إدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد"، وكتبت على منصة "إكس" أن اللقاء بحث "سبل تحسين التعاون بين لبنان وتركيا في مجالات إدارة الكوارث والاستجابة للطوارئ والتعافي وإعادة الإعمار".
وأضافت حنين السيد: "أعربت عن تقدير لبنان للدعم الذي قدمته تركيا وآفاد خلال الحرب الأخيرة، وتابعنا تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها بين رئيس الوزراء سلام والرئيس أردوغان بشأن تعزيز الدعم التركي للبنان".
وتابعت الوزيرة: "تناول اللقاء سبل توفير وحدات سكنية مسبقة الصنع لمدينة طرابلس شمال لبنان، عقب انهيار عدد من المباني، إلى جانب توفير وحدات سكنية مؤقتة للعائلات النازحة من جنوب لبنان".
واستطردت: "سنستفيد من الخبرة التركية في إدارة الكوارث والتعافي بعد الزلازل، لتحسين التعاون الفني وبناء القدرات".
كما ذكرت الوزيرة اللبنانية أن وفدا من وكالة إدارة الكوارث والطوارئ التركية من المقرر أن يزور بيروت.

شاحنات مساعدات
في موازاة ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن "المساعدات التركية تصل إلى لبنان أيضا من خلال أشكال أخرى".
وذكرت أنه "في بداية أغسطس/ آب 2026، وصلت شاحنات مساعدات تركية إلى بيروت، في إطار المساعدة للمتضررين من الهجمات الإسرائيلية، محملة بأكثر من 280 طنا من اللحوم، بهدف دعم 140 ألف أسرة في مناطق مختلفة من لبنان، وذلك ضمن حملة نظمتها جمعيات تركية بالتعاون مع السفارة التركية وجمعيات محلية".
علاوة على ذلك، "يعمل الهلال الأحمر التركي في لبنان، حيث يقدم المساعدة للسكان والنازحين اللبنانيين".
وتابعت: "ففي أبريل/ نيسان 2026 أُفيد بوصول أكثر من 730 طنا من المساعدات الإنسانية من تركيا إلى لبنان على متن سفينة في إطار الجهود التركية المتواصلة لدعم لبنان".
فيما قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية لدى تسلم الشحنة: إن الهلال الأحمر التركي سيشارك في توزيع المساعدات، لضمان وصولها إلى المستحقين.
في المحصلة، أشارت الصحيفة إلى أن “التحركات والخطط التركية الأخيرة تجاه لبنان تأتي لتكرس نفوذا وحضورا قائما بالفعل في هذا البلد والمنطقة ككل”، وفق قولها.
وأضافت: "ورغم أن المصلحة التركية تتجلى في تعزيز قدرات القيادة والمؤسسات الرسمية اللبنانية لمواجهة الأزمات القائمة، إلا أنه ينبغي التذكير بأن هذه هي أنقرة نفسها التي تتبنى موقفا عدائيا واضحا تجاه إسرائيل، وتهاجمها في كل فرصة سانحة، وتدعم المنظمات (الإرهابية)، التي لا نرغب بوجودها على حدودنا".
















