بين إيران والسعودية.. كيف توازن باكستان بين شركائها في ظل هجمات الحوثيين؟

"هجمات جماعة الحوثيين لن تتوقف على الأرجح حتى لو انتهى الصراع مع إيران"
في ظل الهجمات المتواصلة التي تنفذها جماعة الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن ضد ناقلة نفط سعودية وشركة أرامكو، تجد باكستان نفسها أمام معضلة تتمثل في الحفاظ على دورها كطرف محايد، مع تفادي أي تصعيد إضافي في المنطقة.
وتشترك باكستان في حدودها مع إيران، كما تؤدي في الوقت ذاته دور الوسيط بين طهران وواشنطن في خضم التوترات والصراع القائم مع إيران. وفي أبريل/ نيسان 2026، استضافت إسلام آباد قمة رفيعة المستوى جمعت حكومتي البلدين، لكنها انتهت دون تحقيق نتائج ملموسة، قبل أن تتمكن باكستان، بالتعاون مع قطر، من التوصل إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وتل أبيب في يونيو/ حزيران 2026.
وفي هذا السياق، ذكر موقع "دويتشه فيله" أن "إسلام آباد تواجه الآن موقفا دقيقا؛ إذ أدانت بشدة التهديدات المستمرة للأمن البحري، وجددت تأكيد شراكتها الإستراتيجية وتعاونها مع الرياض".
وأضاف التقرير أن "أي عمل عسكري ضد الحوثيين في اليمن من شأنه أن يضع إسلام آباد في موقف معقد للغاية؛ إذ تجد باكستان نفسها في منطقة تجاذب بين السعودية وإيران، وتسعى للموازنة بين المصالح الإقليمية المتنافسة وتجنب الانجرار إلى صراع جديد في الشرق الأوسط".
علاقات وثيقة
من الناحية التاريخية، أشار الموقع إلى أن "السعودية وباكستان يرتبطان بعلاقات عسكرية وإستراتيجية وثيقة منذ فترة طويلة، حيث يواصل الجنود والمستشارون العسكريون الباكستانيون تقديم الدعم للمملكة منذ عقود، فضلا عن توقيع البلدين أخيرا اتفاقية دفاع مشتركة في سبتمبر/ أيلول 2025".
وقال فارع المسلمي، الباحث والكاتب اليمني في مؤسسة "تشاتام هاوس" البحثية البريطانية: "توجد بالفعل قوات باكستانية في اليمن لدعم حليفتها السعودية، كما ينتشر مستشارون عسكريون وعدد محدود من الجنود الباكستانيين في حضرموت اليمنية، حيث يؤدون مهام أمنية وتدريبية بالتعاون مع القوات السعودية".
مع ذلك، نوه التقرير إلى أن باكستان "تنفي وجود قوات عسكرية لها في اليمن".

من جانبها، قالت عائشة صديقة، المحللة العسكرية الباكستانية في كلية كينغز كوليدج لندن، في مقابلة مع "دويتشه فيله": "يبدو أنه جرى بالفعل رصد تحركات للقوات في المنطقة الحدودية".
ووفقا لها، "من المرجح أن يقتصر الأمر بشكل أساسي على ضربات جوية أو تقديم دعم في البحر، وهذا سيكون صعبا على باكستان".
بدوره، توقع الموقع أنه "في ظل هجمات الحوثيين على ناقلات النفط وغيرها من السفن التجارية، قد تطلب السعودية دعما واسعا من باكستان".
واستدرك: "لكن رغم العلاقات الدفاعية الوثيقة بين البلدين، يرى محللون أنه من غير المرجح أن ترسل إسلام آباد قوات قتالية لمواجهة الحوثيين، وأن يقتصر دعمها على التعاون الدفاعي".
وقالت صديقة: "ستفضل باكستان اتخاذ إجراءات عسكرية دفاعية؛ لأن توسيع العمليات في البحر الأحمر قد يشكل خطرا كبيرا على المنطقة والعالم".
وأضافت أن "من الممكن تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في مجال الدفاع الجوي، ومراقبة الملاحة البحرية، وحماية البنية التحتية السعودية الحيوية، على ألا تشمل مثل هذه الإجراءات العمليات الهجومية".
شكوك إيرانية
من جهته، يعتقد مايكل كوجلمان، الباحث البارز في شؤون جنوب آسيا لدى "المجلس الأطلسي" في واشنطن، أنه "من الممكن أن تطلب السعودية مساعدة باكستان إذا تصاعدت هجمات جماعة الحوثيين".
وأضاف: "تعد باكستان واحدة من أقرب الشركاء الدفاعيين للرياض، ويجعل اتفاق الدفاع مثل هذا الطلب أمرا مرجحا".
"ويطرح ذلك تساؤلا بشأن كيفية استجابة باكستان لمثل هذا الطلب السعودي: هل تخاطر إسلام آباد بصورة "صانعة السلام" التي تسعى إلى ترسيخها في الحرب الإيرانية؟" تساءل الموقع.
لتجيب صديقة: "يمكن لباكستان، على سبيل المثال، أن تقول إنها لا تقاتل إيران بشكل مباشر، وإنما تواجه جماعة الحوثيين".
وأردفت: "في كل الأحوال، وجهت باكستان تحذيرات متكررة لإيران بأنها ستدعم السعودية في حال اندلاع صراع".
واستطردت: "تحافظ باكستان وإيران على علاقة معقدة تقوم على موازنة المزايا التكتيكية التي تحققها كل من الدولتين".
في هذا السياق، عاد التقرير إلى عام 2024، حين تصاعد التوتر بين باكستان وإيران إلى مواجهة مسلحة، إذ تبادل البلدان إطلاق الصواريخ، وقال كل منهما إنه يستهدف قتل متطرفين.
وتابع: "تمتد الحدود المشتركة بين البلدين لمسافة 909 كيلومترات، وتنشط في المنطقة الحدودية من إقليم بلوشستان جماعات انفصالية مسلحة، كما تستخدم المنطقة ملاذا لعدد من التنظيمات الإرهابية".
واستطرد: "وفي الوقت نفسه، يعتمد إقليم بلوشستان الباكستاني اقتصاديا على صادرات النفط الإيراني منخفضة التكلفة".
في هذا الإطار، علق كوجلمان قائلا: "لن تؤدي مساعدة عسكرية محدودة للسعودية بالضرورة إلى تدمير علاقات باكستان مع إيران".
لكنه يقدر أنه "في وقت تحاول فيه إسلام آباد تقديم نفسها وسيطا محايدا، فإن توسيع إمدادات الأسلحة إلى الرياض قد يعمق شكوك طهران ويقوض الدور الدبلوماسي الباكستاني".
مضيفا أن "أي دعم عسكري للرياض ينطوي على مخاطر سياسية وقد يلحق ضررا محتملا بعلاقات باكستان مع طهران".

أكثر حدة
على الجانب الآخر، أوضح الموقع أن الرياض "التزمت حتى الآن بضبط النفس رغم الهجمات المتكررة التي شنتها جماعة الحوثيين".
إلا أن المسلمي يعتقد أن "اتساع نطاق أعمال العنف والهجمات على البنية التحتية النفطية والسفن التجارية قد يجبر الرياض في نهاية المطاف على الرد بشكل أكثر حدة".
من جانبها، ترى صديقة أن "السعودية تمتلك القدرة العسكرية على خوض حرب طويلة ضد الحوثيين".
مضيفة: "يمكن للرياض تكثيف الغارات الجوية، لكن من غير المرجح أن يؤدي المزيد من القصف وحده إلى تحقيق الهدف المتمثل في جعل المملكة أكثر أمنا".
فيما يقدر كوجلمان أن "طريقة تعامل السعودية مع الحوثيين ستعتمد على مسار الحرب الإيرانية".
وقال: "إذا استمر وقف إطلاق النار الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، فستحجم الرياض عن شن هجمات حتى لا يتصاعد الوضع أكثر".
ومع ذلك، أكد كوجلمان أن "السعودية ستظل تنظر إلى باكستان كشريك أمني محوري، نظرا لأن هجمات جماعة الحوثيين لن تتوقف على الأرجح حتى لو انتهى الصراع مع إيران".

















