الهجمات الكيميائية الإسرائيلية.. أداة لتهجير أهالي جنوب لبنان وسوريا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

لا تقتصر إسرائيل في مواجهتها لدول الجوار العربي على استخدام القوة العسكرية الغاشمة، بل تعتمد أيضًا نمطًا آخر يوصف بـ"الحرب الكيميائية بمبيدات النباتات"، في أسلوب يعيد إلى الأذهان أهوال استخدام الجيش الأميركي للمادة المعروفة باسم "العامل البرتقالي" خلال حرب فيتنام، بهدف عرقلة قوات "الفييت كونغ" من خلال تجريد الغابات من غطائها النباتي.

وفي هذا السياق، أفاد موقع "تيليبوليس" بأنه في "إطار مساعيها لطرد عناصر حزب الله، تفيد التقارير بأن إسرائيل تعمد إلى رش الأراضي الزراعية في جنوب لبنان، وفي سوريا كذلك، بمبيدات الأعشاب بتركيزات تتجاوز الجرعات المعتادة بنحو 50 ضعفا".

وكان التلوث بمادة الديوكسين شديدة السمية (TCDD)، الناجم عن استخدام "العامل البرتقالي" في فيتنام، قد تسبب في أضرار صحية جسيمة نالت ملايين البشر وأجيالًا متعاقبة، وأدى إلى الإصابة بأمراض سرطانية وتشوهات خلقية خطيرة.

إبادة بيئية

وأشار التقرير إلى أن إٍسرائيل "تستخدم مبيد الأعشاب (الجليفوسات) -الذي تصنفه الولايات المتحدة الأميركية بوصفه مادة ذات أهمية دفاعية- ضد القطاع الزراعي في جنوب لبنان وسوريا".

وبحسبه، "يشكل هذا الإجراء كارثة حقيقية بالنسبة إلى المزارعين، كونها تقضي على مصادر رزقهم وتدمر مقومات الحياة الكريمة، لكون المبيد يأتي على الأخضر واليابس عندما يطبق بهذه التركيزات المرتفعة للغاية التي تعتمدها السلطات الإسرائيلية".

وفي هذا السياق، أفادت القناة الإخبارية الألمانية "تاجسشاو" في شباط/ فبراير 2026، نقلا عن وزير الزراعة اللبناني نزار هاني، بأن إسرائيل تقوم برش المبيد بجرعات تفوق المعدلات المستخدمة في الزراعة الصناعية التقليدية بنحو 30 إلى 50 ضعفا، وقدر هاني حجم الأضرار الناجمة عن ذلك بنحو 800 مليون دولار".

وفي المقابل، أوردت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن الجانب اللبناني تحدث عن زيادة في الجرعات تتراوح بين 20 و30 ضعفا.

من جانبه، وصف الرئيس جوزيف عون الأمر بأنه "جريمة بيئية وصحية"، وقدم في يونيو/ حزيران 2026 شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة. 

في هذا الإطار، لفتت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية إلى أن حكومة نجيب ميقاتي "لا تملك الأموال اللازمة لمساعدة المزارعين المتضررين، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحكومة في سوريا".

وتابعت: "يبدو جليا أن استهداف المقومات المعيشية للمزارعين في جنوب لبنان وسوريا بغرض إخلاء تلك المناطق من المدنيين يندرج منذ فترة طويلة ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية".

ووفق تقديرها، "تستهدف إسرائيل من وراء ذلك إقامة مناطق عازلة للحيلولة دون وقوع هجمات مستقبلية من جانب حزب الله أو الفصائل المسلحة الأخرى".

وأضافت أنه "بموجب هذا المخطط، يمنع وجود المدنيين في شريط حدودي يمتد بعرض يناهز عشرة كيلومترات، وفور تهجير السكان المدنيين، تمنح القوات الإسرائيلية لنفسها الذريعة لإبادة أشكال الحياة كافة داخل تلك المناطق العازلة".

ونقلت شبكة "تاجسشاو" عن زينب نمر، الباحثة والمتخصصة في نظم المعلومات الجغرافية لدى الجامعة الأميركية في بيروت، قولها: "إن عمليات الرش جرت بالتزامن مع استعداد الأهالي لغرس الأشجار وبدء موسم الزراعة الربيعية".

وأردفت الباحثة: "وعندما تتلوث التربة بهذا القدر الهائل من السموم، فإن تعافيها لا يستغرق مجرد أشهر، بل يمتد إلى سنوات طويلة".

وهو ما أوضحت أنه "ينعكس سلبا وبشكل مباشر على الأمن الغذائي، وجودة المياه، والتنوع البيولوجي الممتد من الماشية وصولا إلى الماشية ونحل العسل".

بدوره، صرح كريستيان براكل، مدير مكتب مؤسسة "هاينريش بول" في بيروت (مؤسسة غير ربحية مرتبطة بحزب الخضر الألماني)، قائلا: "هناك سببان رئيسان يفسران هذا السلوك، الأول يتمثل في تجريد الأحراش والنباتات من أوراقها لتلقيص فرص الاختباء أمام مقاتلي حزب الله".

"أما السبب الثاني، فهو أن الأمر في جنوب لبنان يتجه نحو إنشاء منطقة لن تكون محتلة من جانب إسرائيل، لكنها ستكون خاضعة لسيطرتها، ولن يسمح فيها للسكان المدنيين بالعودة إلى هذه المناطق."

أضرار طويلة الأمد

من جانبها، وثقت منظمة "استوديو أشغال عامة" اللبنانية، بالتعاون مع منظمة الإغاثة الألمانية "مديكو" عبر دراسة أعدتاها حول الهجمات الكيميائية الإسرائيلية، إطلاق "397 قذيفة فوسفورية على عشرات البلدات والمدن في جنوب لبنان، مما يلحق أضرارا طويلة الأمد بالبشر والبيئة على حد سواء".

يُذكر أن استخدام القنابل الفوسفورية محظور بموجب "اتفاقية الأمم المتحدة للأسلحة التقليدية" في المناطق المدنية أو الحرجية (الأراضي الغنية بالأشجار والغابات والنباتات الطبيعية أو المزروعة)، إذ تتسبب في إشعال حرائق تصل درجات حرارتها إلى 1300 درجة مئوية، ويصعب إطفاؤها وتتغلغل عميقا في التربة، مما يؤدي إلى تدمير الغطاء النباتي بشكل دائم.

وقال ريان علاء الدين من منظمة "استوديو أشغال عامة": "يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تدمير مقومات الحياة بشكل مستدام".

في المقابل، نفى الجيش الإسرائيلي، ردا على استفسارات، استخدام قنابل الفوسفور، موضحا أن "الجيش، شأنه شأن العديد من القوات المسلحة الغربية، يمتلك قنابل دخانية تحتوي على الفوسفور الأبيض، وهو أمر مسموح به بموجب القانون الدولي، ويستخدمها لإقامة ستائر دخانية وليس لاستهداف المواقع أو إشعال الحرائق". 

ورغم هذا النفي، أشارت الصحيفة إلى أن "العديد من الحرائق اندلعت في جنوب لبنان، فيما قالت منظمة "جرينبيس" البيئية أن (إجمالي المساحات الزراعية المتضررة جراء الهجمات الإسرائيلية بلغت حتى اليوم 22.5 بالمئة من الأراضي الزراعية المستغلة في لبنان)".

وفي سوريا، لا يختلف الأمر كثيرا، فوفق السلطات الرسمية تضررت 70 قرية على مساحة زراعية تبلغ 480 هكتارا، أي ما يعادل نحو 700 ملعب لكرة القدم.

وأضافت الصحيفة: "لم يعد أي شيء ينمو في الحقول: لا القمح، ولا الباذنجان، ولا العدس، كما تضررت أشجار الزيتون، إذ تتحول أوراقها إلى اللون الأصفر، فيما تموت أعداد كبيرة منها بالكامل".

تجارب سابقة في غزة

ولفتت الصحيفة إلى أن "استخدام المواد الكيميائية ليس بالأمر الجديد، بل يعود إلى تجارب سابقة شهدها قطاع غزة".

وأشارت إلى أنه "في عام 2014، قامت الطائرات الإسرائيلية برش مبيدات الأعشاب بتركيزات عالية على مقربة من الشريط الحدودي لقطاع غزة".

واستطردت: "ورغم أن عمليات الرش كانت تتم داخل الأجواء الإسرائيلية، إلا أن اتجاه الرياح كان يحمل المواد السامة نحو أراضي غزة، مما أدى إلى تحويل مساحات شاسعة كانت مزدهرة بالأشجار والنباتات إلى أراض قاحلة تشبه الصحراء".

وفي هذا الصدد، أشار رياض عثمان، مسؤول منطقة الشرق الأوسط لدى منظمة "مديكو إنترناشيونال" الألمانية ، إلى أن "ما يطبق اليوم في لبنان ليس سوى امتداد لما تم اختباره وتطبيقه سابقا في غزة".

وتابع: "إذ أقدم الجيش الإسرائيلي منذ عام 2014 على استخدام مادة الجليفوسات في مخالفة صريحة للقانون الدولي، كما استخدم الفسفور الأبيض مرارا خلال عامي 2008 و2009".

ووفقا له، "كانت الذريعة الدائمة هي حماية الدواعي الأمنية القومية عبر إقامة ما يسمى بالمناطق العازلة، وسط تجاهل ممنهج للأضرار الجسيمة التي تلحق بالمزارعين الفلسطينيين والمخاطر الصحية التي تهدد عامة السكان".

الأرض المحروقة

وامتد الجدل بشأن الهجمات الكيميائية الإسرائيلية إلى ألمانيا، فبحسب الصحيفة "تحمّل منظمات غير حكومية برلين مسؤولية هذه الهجمات، متهمة شركة "باير" الألمانية بالمساهمة، عبر توريد الجليفوسات والفوسفور الأبيض إلى لبنان وسوريا، في تنفيذ "سياسة الأرض المحروقة" الهادفة إلى "جعل الأرض غير صالحة للسكن".

وفي حديثه عن موقف الحكومة الألمانية من تلك الهجمات، قال عثمان: "تواصل الحكومة التزام الصمت والعجز إزاء هذه الانتهاكات القانونية الخطيرة من جانب إسرائيل".

واستطرد: "بل إنها، وبشكل أدق، توفر الحماية للحكومة الإسرائيلية من أي تبعات سلبيات عبر عرقلة الإجراءات والتدابير على مستوى الاتحاد الأوروبي، رغم أن تلك التدابير باتت واجبا قانونيا محتوما".

واسترسل: "كما أن رد الحكومة الألمانية على استجواب كتابي بشأن "استخدام القوات الإسرائيلية الجليفوسات في لبنان" لم يدل على وجود تحرك سياسي في هذه القضية".

وفي غضون ذلك، ذكر التقرير أن لبنان أحال القضية إلى مجلس الأمن الدولي، ففي 10 يونيو/ حزيران 2026، وجهت وزارة الخارجية اللبنانية شكوى رسمية إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، استنادا إلى تقرير صادر عن المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، مع الإشارة إلى أن اتفاقية الأسلحة الكيميائية تحظر صراحة استخدام مبيدات الأعشاب كأسلحة في الحرب.

من جهتها، "أكدت شركة باير أنها لم تسلم مبيدات الأعشاب مباشرة إلى الجيش الإسرائيلي".

وعلقت الصحيفة على نفي الشركة: "لا توجد أدلة تثبت تورط شركة "باير" في توريد الجليفوسات المستخدم في لبنان وسوريا".