إهمال فني أم عمل تخريبي؟.. حريق بمستودع نفطي بالسليمانية يلتهم 3 ملايين لتر ويخلف 30 مصابا

تحول مستودع للمشتقات النفطية إلى كتلة من الرماد خلال ساعات
من قلب منطقة «تانجرو» الصناعية، اندلعت ألسنة لهب كثيفة رفعت منسوب القلق الاقتصادي والأمني في إقليم كردستان العراق، بعدما تحول مستودع للمشتقات النفطية إلى كتلة من الرماد خلال ساعات، إثر حريق وانفجارات متتالية، فيما غطت سحب الدخان الأسود سماء المنطقة.
ففي 18 أغسطس/ آب 2026، أعلنت مديرية الدفاع المدني والسلطات الصحية في إقليم كردستان العراق السيطرة على حريق هائل اندلع في مجمع ومستودع ضخم للمشتقات النفطية والوقود بمنطقة «تانجرو» التابعة لمحافظة السليمانية، في وقت متأخر من ليل الاثنين وفجر الثلاثاء.
وأسفر الحريق عن إصابة نحو 30 شخصا بجروح وحروق متفاوتة وحالات اختناق، معظمهم من العمال وأفراد فرق الإطفاء، دون تسجيل وفيات، فيما التهمت النيران أكثر من 3 ملايين لتر من البنزين، وطالت 34 صهريجا محملا بالبنزين و4 صهاريج محملة بالغاز.
واستغرقت عمليات إخماد الحريق أكثر من 4 ساعات و20 دقيقة، بمشاركة مختلف فرق وإمكانات الدفاع المدني في المدينة، وفق ما أفاد به مدير الدفاع المدني في السليمانية العميد آري محمد في تصريحات صحفية.
وفي وقت لاحق، أعلن نائب محافظ السليمانية شاهو عثمان السيطرة الكاملة على الحريق، وفق تصريحات نقلتها وكالة «شفق نيوز» المحلية.
وقال عثمان: «تمت السيطرة الكاملة على الحريق، ونطمئن المواطنين بعدم وجود أي تأثير على الكميات المجهزة من الوقود والمحروقات في المحافظة، ولا يوجد أي نقص فيها».
وجاءت الاستجابة الرسمية مركزة على الجوانب العملياتية والطبية والتحقيقية، إذ استنفرت وزارة الصحة والمديريات المحلية طواقمها الطبية لإسعاف المصابين ميدانيا ونقل الحالات التي تستدعي رعاية إضافية إلى مستشفيات المدينة.
من جانبه، أعلن الدفاع المدني فتح تحقيق لتحديد ملابسات الحادث وأسبابه، فيما أشارت معطيات أولية إلى احتمال وجود مخالفات تتعلق بإجراءات السلامة أثناء التعامل مع الوقود، من دون حسم المسؤولية أو أسباب اندلاع الحريق قبل انتهاء التحقيقات الرسمية.
كما فرضت القوات الأمنية طوقا حول موقع الحادث، ومنعت المدنيين من الاقتراب، تحسبا لأي انفجارات إضافية للصهاريج الموجودة في الموقع.
وتعد المنشأة النفطية الواقعة في منطقة «تانجرو» من المستودعات المهمة لتخزين المشتقات النفطية والوقود في المنطقة، فيما تحيط بها معامل لإنتاج الأسفلت ومنشآت صناعية أخرى، ما أسهم في اتساع نطاق الحريق وصعوبة السيطرة عليه.
وتأتي الحادثة في ظل سجل من الحوادث المرتبطة بالوقود والغاز في السليمانية، كان من أبرزها انفجار منظومة للغاز في حي «كازيوة» عام 2022، أسفر عن مقتل 15 شخصا وإصابة 13 آخرين، ما أبقى ملف سلامة منشآت الوقود والغاز في الإقليم محل اهتمام ومراقبة مستمرة.
حادثة كازيوة
تعد حادثة حي «كازيوة» من أبرز الكوارث التي شهدتها السليمانية خلال السنوات الأخيرة، عندما تحول مجمع «كويزا» السكني في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 إلى ركام خلال ثوان، إثر انفجار ناجم عن تسرب للغاز المسال.
وبحسب ما أعلن حينها، أدى تسرب الغاز من خزان لمنظومة تدفئة رئيسية موضوع فوق أحد الأبنية إلى انهيار ثلاثة منازل سكنية متجاورة، إضافة إلى تضرر واحتراق عدد من المركبات المدنية المحيطة بالموقع.
وأدى الانفجار إلى محاصرة عشرات الأشخاص تحت الأنقاض، ما استدعى استنفارا واسعا لفرق الدفاع المدني والإنقاذ التي واصلت عمليات البحث والانتشال لأكثر من 17 ساعة.
وخلّفت الحادثة 15 قتيلا و13 مصابا بجروح متفاوتة، فيما كان من بين الضحايا عدد من النساء والأطفال.
وأثارت الحادثة ردود فعل واسعة على المستويين الشعبي والرسمي في العراق، وأعلنت محافظة السليمانية حينها الحداد العام لمدة يوم واحد.
كما دفعت الحادثة إلى انتقادات بشأن إجراءات الرقابة والسلامة في منظومات الغاز، فيما شكلت وزارة الداخلية والجهات المعنية لجانا وفرق عمل لمراجعة شروط السلامة العامة في المجمعات السكنية، بهدف الحد من تكرار مثل هذه الحوادث.
ويأتي حريق مستودع «تانجرو» في وقت تشهد فيه عدة محافظات عراقية، بينها أربيل وبغداد وصلاح الدين، حوادث متكررة تتعلق باحتراق صهاريج الوقود والمنشآت النفطية ومحطات الطاقة.
ويتزامن ذلك مع تحديات لوجستية واقتصادية تواجه قطاع الطاقة والوقود المحلي، إلى جانب تصاعد الهواجس الأمنية في المنطقة، ما يجعل حادثا صناعيا بهذا الحجم محط اهتمام واسع، ويفتح الباب أمام فرضيات متعددة، بينها الإهمال الفني أو مخالفة شروط السلامة، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية بشأن أسباب الحريق وملابساته.
فزع ورهبة
واجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة عارمة من الفزع، حيث وثّق الناشطون بهواتفهم اللحظات الأولى للحريق والانفجارات المتتالية التي اندلعت في مستودع المشتقات النفطية بتانجرو، معبرين عن صدمتهم من تحوّل سماء المدينة فجأة إلى اللون البرتقالي اللامع بفعل ألسنة اللهب العالية والدخان الكثيف.
وتداولوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #السليمانية، #تانجرو، #كردستان، وغيرها، فيديوهات وصوراً تظهر انفجارات متتالية في عشرات الصهاريج المحملة بالبنزين والديزل (أكثر من 3 ملايين لتر حسب بعض الروايات)، معبرين عن صدمتهم وخوفهم من امتداد النيران أو وقوع انفجارات إضافية.
تكهنات وشكوك
ورغم أن نتائج التحقيقات الرسمية في الحادث لم تعلن بعد، تكهن ناشطون بوقوف جهات خارجية أو أطراف مرتبطة بصراعات إقليمية سابقة في المنطقة وراء إشعال الحريق بمستودع الوقود في منطقة تانجرو بالسليمانية من خلال شن هجمات بطائرات مسيرة (درون).
وكان السبب المزعوم في هذه التكهنات يرتبط بسياق التوترات الأمنية الأخيرة في إقليم كردستان والهجمات بالمسيرات، أو الشماتة/التشويه السياسي، لكن هذه الادعاءات نُفيت من مستخدمين آخرين ومن الروايات الميدانية التي تشير إلى خطأ بشري أو فني داخل المحطة أدى إلى تحول حريق صغير إلى كبير قرب أماكن التخزين.
بردا وسلاما
نال رجال الإطفاء والدفاع المدني نصيباً من الثناء، وتداول ناشطون صوراً ومقاطع فيديو للإطفائيين وهم يواجهون سعيراً لاهباً وسط الصهاريج المنفجرة في منطقة تانجرو بالسليمانية، وأبدوا تعاطفاً عميقاً مع المصابين من طواقم الإطفاء والعمال، كما تمنوا السلامة للمدينة وأهالها وللمصابين جراء الحريق.

















