انتخاب عبد القادر محمد نور.. بداية مرحلة جديدة في السياسة الصومالية

"مسار نور يعكس تحولا تدريجيا في طبيعة النخب التي تدير الدولة الصومالية"
في خطوة تتجاوز حدود المنافسة على منصب تشريعي بارز، انتُخب عبد القادر محمد نور رئيسا جديدا لمجلس الشعب في البرلمان الفيدرالي الصومالي.
وحصل نور على 142 صوتا من أصل 171 نائبا كانوا قد شاركوا في التصويت، متقدما بذلك بفارق واسع على منافسه عبد القادر عمر معلم.
ونشرت وكالة "الأناضول" التركية مقالا للكاتب تونتش ديميرتاش، قال فيه: إن “هذه النتيجة تعكس حجم التوافق الذي استطاع المرشح الجديد جمعه داخل البرلمان”.
ورأى أن “هذه الانتخابات تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى الظروف السياسية التي سبقتها، فالصومال شهد خلال الأشهر الماضية توترات مرتبطة بِالمسار الدستوري والخلافات بين القوى السياسية، إلى جانب استمرار التباينات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات”.

حضور مؤثر
لذلك، يرى الكاتب التركي أن انتخاب رئيس للبرلمان عبر عملية تصويت واضحة، ومن دون أزمة سياسية كبيرة، “يشير إلى أن جزءا من المنافسة السياسية بدأ يعود إلى القنوات والمؤسسات الرسمية”.
وشدد ديميرتاش على أن حصول نور (40 عاما) على نحو 83 بالمئة من أصوات النواب المشاركين “يمنحه رصيدا سياسيا مهما منذ بداية ولايته”.
ففي النظام السياسي الصومالي تتداخل التحالفات السياسية مع التوازنات العشائرية، والعلاقات بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية، لهذا لا يمكن النظر إلى هذا الحجم من الدعم بصفته نتيجة عادية.
وذكر ديميرتاش أن هذه الانتخابات تكشف أيضا عن استمرار قدرة الرئيس حسن شيخ محمود ومؤسسة الرئاسة، على التأثير في التوازنات داخل السلطة التشريعية.
ففوز شخصية قريبة من دوائر الحكم بهذا الفارق الواسع يشير إلى أن الائتلاف الحاكم لا يزال يمتلك حضورا مؤثرا داخل البرلمان.
لكن نبّه الكاتب بأن عدّ جميع الأصوات التي حصل عليها نور أصواتا موالية للحكومة “هو أمر سيقدم صورة غير مكتملة”.
فقد شارك 171 نائبا فقط في التصويت من أصل 275 عضوا في مجلس الشعب، فيما تغيب 104 نواب لأسباب مختلفة، ولا يمكن اعتِبارهم كتلة سياسية واحدة.
كما أن نور حظي بدعم شخصيات لا تنتمي بالضرورة إلى الخط السياسي للرئيس، ومن بينها رئيس البرلمان السابق محمد مرسل شيخ عبد الرحمن.
وقال الكاتب: “هذا يعني أن ترشح نور تمكن من تجاوز حدود الائتلاف الحاكم وجذب دعما أوسع، لذلك، فإن الاختبار الحقيقي أمامه لن يكون في حجم الأصوات التي حصل عليها، بل في قدرته على تحويل هذا التوافق الانتخابي إلى قاعدة سياسية دائمة، تسمح للبرلمان بالعمل بقدر أكبر من الاستقرار”.
وأوضح أن “منصب رئيس مجلس الشعب لا يمثّل موقعا رمزيا في النظام السياسي الصومالي فقط. فرئيس البرلمان يمتلك تأثيرا مباشرا في تحديد جدول الأعمال التشريعي، وإدارة النقاشات، وتنظيم عملية التصويت على القوانين، إضافة إلى دوره في الملفات المتعلقة بالدستور والانتخابات والعلاقة بين الحكومة والسلطة التشريعية”.
بل وتزداد أهمية هذه الصلاحيات مع اقتراب البلاد من استحقاقات عام 2027، فالصومال يواجه في الوقت نفسه ثلاثة ملفات مترابطة: استكمال النظام الدستوري، وإعداد الإطار القانوني للانتخابات، ومعالجة الخلافات القائمة بين الحكومة الفيدرالية والولايات.
ومن هنا، يمكن لرئاسة البرلمان أن تتحول إلى أداة لتعزيز التنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما يمكن أن تلعب دورا أوسع في توفير مساحة للحوار بين الحكومة والمعارضة وبين مقديشو والولايات الفيدرالية.
وأكد ديميرتاش أن هذا الفوز الكبير الذي حققه نور “يمنح الفرصة للتوجه في هذا الاتجاه، خصوصا أن الدعم الذي حصل عليه لم يأت من معسكر سياسي واحد”.
جيل جديد
وأردف الكاتب بأن المسار السياسي لنور يحمل دلالة تتجاوز شخصه، فهو ينتمي إلى جيل من الإداريين والسياسيين الذين برزوا في مؤسسات الدولة الصومالية، التي أعيد بناؤها تدريجيا منذ عام 2010، والذين كانوا قد جمعوا بين التعليم الخارجي والخبرة العملية داخل مؤسسات الدولة.
ودرس نور العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة أنقرة ضمن برنامج المنح التركية، وأقام في تركيا لنحو ثماني سنوات، كما عمل دبلوماسيا في سفارة الصومال في أنقرة ويتحدث التركية بطلاقة.
وبعد عودته إلى بلاده، شغل منصب نائب رئيس جهاز الاستخبارات، كما تولى رئاسته بالوكالة، قبل أن يعمل مستشارا أول لرئيس البرلمان بين عامي 2018 و2020.
وفي عام 2020 أصبح وزيرا للعدل، ثم تولى وزارة الدفاع في ديسمبر/كانون الأول 2021، وهي مرحلة تزامنت مع العمليات العسكرية ضد حركة الشباب وجهود إعادة هيكلة القوات المسلحة.
ثمّ في مارس/آذار 2025، انتقل إلى منصب وزير الموانئ والنقل البحري، قبل أن يصل إلى رئاسة مجلس الشعب.
وقال ديميرتاش: إن هذا المسار يعكس تحولا تدريجيا في طبيعة النخب التي تدير الدولة الصومالية؛ إذ بدأ جيل جديد يمتلك خبرة إدارية وتعليما خارجيا بالتقدم نحو مواقع أكثر تأثيرا في مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنظور، فإن وصول نور لرئاسة البرلمان يشير إلى أن حضور هذه النخب لم يعد مقتصرا على السلطة التنفيذية فحسب، بل امتد إلى مركز صناعة القرار التشريعي.
وتابع الكاتب بأن مسيرة نور مرتبطة أيضا بالتحول الذي شهدته أولويات الدولة الصومالية خلال السنوات الماضية.
فبعد أن انصب التركيز لفترة طويلة على بناء المؤسسات ومكافحة الإرهاب، بدأت أجندة مقديشو تتسع لتشمل ملفات الأمن البحري، وتطوير الموانئ، والطاقة، والاقتصاد الأزرق، وصيد الأسماك، وتعزيز الترابط التجاري الإقليمي.
كما أن الجغرافيا البحرية للصومال تفرض أهمية متزايدة لهذه الملفات، وذلك في ظل امتلاكه ساحلا يبلغ طوله نحو 3333 كيلومترا، بالإضافة إلى موقعه الإستراتيجي قرب خليج عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
وقد اكتسب الصومال أيضا أهمية إضافية خلال السنوات الأخيرة، فمع ظهور آخر التطورات التي تشهدها المنطقة تزايدت البلاد في الحسابات الإقليمية والدولية.
من هنا، فإن وصول شخصية كانت قد أدَارَت وزارتي الدفاع والموانئ إلى رئاسة البرلمان هو أمر ذو أهمية خاصة.
فالمرحلة المقبلة قد تشهد زيادة في التشريعات والاتفاقيات المرتبطة بالموانئ والطاقة والثروات البحرية والاستثمارات الأجنبية، وهو ما يتطلب وجود مؤسسة تشريعية قادرة على التعامل مع ملفات أكثر تعقيدا من القضايا السياسية التقليدية.

البعد التركي
ولفت الكاتب النظر إلى أن انتخاب عبد القادر محمد نور يحمل أهمية إضافية بالنسبة للعلاقات التركية الصومالية، فالرجل لا يمتلك تجربة دراسية وشخصية في تركيا فحسب، بل شارك بصورة مباشرة في إدارة ملفات إستراتيجية بين البلدين.
ففي فبراير/شباط 2024، وبصفته وزيرا للدفاع، وقع نور باسم الصومال اتفاقية الإطار الخاصة بالتعاون الدفاعي والاقتصادي مع تركيا لمدة عشر سنوات، والتي أقرها البرلمان الصومالي لاحقا بأغلبية واسعة بلغت 213 صوتا مقابل ثلاثة أصوات.
وهنا تبرز أهمية البرلمان في إدارة العلاقات الخارجية؛ إذ إن الاتفاقيات الدولية تمر عبر مسار مؤسسي يبدأ بمجلس الوزراء ثم مجلس الشعب قبل أن تصل إلى رئيس الجمهورية.
لذلك، فإن وجود رئيس للبرلمان ذو خبرة مباشرة في الملفات الدفاعية والبحرية والعلاقات مع تركيا، قد يمنح المؤسسة التشريعية معرفة أكبر بطبيعة الاتفاقيات التي ستطرح خلال المرحلة المقبلة.
من هنا، فإن أهمية انتخابه بالنسبة لأنقرة لا ينبغي اختزالها في العلاقات الشخصية فحسب، بل يمكن فهمها في إطار تراكم خبرة مؤسسية مشتركة.
فالشخصية التي عملت في أنقرة دبلوماسيا، ودرست فيها، ثم أدارت ملفات الدفاع والموانئ في مقديشو، أصبحت حاليا مسؤولة عن مؤسسة تشريعية ستشارك في التعامل مع عدد كبير من الاتفاقيات والملفات ذات الصلة بالعلاقات الخارجية.
كما تعكس مسيرة نور أحد أوجه الاستثمار التركي طويل الأمد في رأس المال البشري الصومالي.
فقد أسهمت المنح الدراسية والتدريب في تكوين مجموعة من الكوادر الصومالية التي جمعت بين المعرفة بالمؤسسات التركية والخبرة داخل مؤسسات الدولة في مقديشو، وهذا هو أحد النماذج التي يمكن من خلالها قياس أثر الدبلوماسية التعليمية طويلة الأمد.
وقال ديميرتاش: إن الاستثمار في تعليم الكوادر وتدريبها لا ينتج نتائجه دائما بصورة مباشرة، لكنه يمكن أن يسهم مع مرور الوقت في تكوين شبكات من الكفاءات التي تمتلك معرفة متبادلة وخبرة مؤسسية في إدارة العلاقات بين الدول، ويقدم المسار المهني لنور مثالا واضحا على هذا النوع من الاستثمار البشري.
وأضاف بأنه مع اقتراب عام 2027، ستواجه رئاسة البرلمان الجديدة اختبارا سياسيا حقيقيا، فالنجاح لن يقاس بعدد القوانين التي سيتم تمريرها، بل بقدرة مجلس الشعب على إنتاج توافق أوسع حول القضايا التي ستحدد مستقبل النظام السياسي الصومالي.
وتشمل هذه القضايا الدستور، وقوانين الانتخابات، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، وهي ملفات مترابطة؛ إذ إن أي تعديل في النظام الانتخابي سيؤثر في توزيع السلطة، كما أن استمرار الخلاف بين مقديشو والولايات قد يعرقل تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه داخل البرلمان.
لذلك، ينبغي النظر إلى انتخاب عبد القادر محمد نور بصفته بداية مرحلة جديدة، وليس مجرد نهاية لمنافسة على رئاسة البرلمان، فقد منحه الفوز الواسع قاعدة سياسية مهمة، لكنه وضعه في المقابل أمام مسؤولية تحويل هذه القاعدة إلى قدرة على إدارة التوازنات السياسية.
وخلال الأشهر المقبلة، سيكون المعيار الحقيقي لنجاحه هو قدرة البرلمان على التحول من ساحة للصراع بين القوى السياسية إلى منصة لإنتاج التوافق.
وختم ديميرتاش مقاله بالقول: “إذا نجح نور في فتح قنوات الحوار بين الحكومة والمعارضة، وبين السلطة المركزية والولايات الفيدرالية، فقد يشكل انتخابه نقطة مهمة في التحضير لمرحلة 2027”.
واستدرك: “أما إذا بقي الدعم الذي حصل عليه مجرد تحالف انتخابي عابر، فإن فوزه الكبير سيظل محطة مؤقتة، في مشهد سياسي لا يزال يبحث عن استقرار أكثر رسوخا”.















