"فرص استثمارية".. هكذا تعمل سوريا ولبنان على تعزيز الشراكة الاقتصادية

مصعب المجبل | منذ ١٢ ساعة

12

طباعة

مشاركة

بعد عقود من علاقات شابها التوتر السياسي والأمني وقيّدت إلى حد كبير فرص التكامل الاقتصادي، تبدو دمشق وبيروت أمام محاولة لإعادة صياغة العلاقة على قاعدة المصالح المتبادلة والندية. 

ومع تحرك القطاعين العام والخاص في البلدين لمراجعة الاتفاقات السابقة وإزالة عوائق التجارة والنقل والاستثمار، تبرز الجغرافيا وتشابك المصالح كعاملين يدفعان باتجاه شراكة اقتصادية أوسع. 

 تعزيز الشراكة

وقد عقد مجلس الأعمال اللبناني–السوري اجتماعا موسعا في 3 أغسطس 2026   برئاسة رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق محمد شقير ورئيس المجلس خليل العرب، جرى خلاله عرض نتائج زيارة الوفد الاقتصادي اللبناني إلى سوريا يومي 14 و15 تموز من العام المذكور، ووضع أعضاء المجلس في أجواء اللقاءات التي عقدت مع المسؤولين السوريين، والفرص الاستثمارية التي تم بحثها.

وقال شقير: إن الزيارة شكّلت محطة مهمة على مختلف المستويات، وأسست لمرحلة جديدة من التعاون والشراكة الاقتصادية بين البلدين. مضيفا أن الاجتماعات مع المسؤولين السوريين أظهرت وجود فرص استثمارية واعدة في مختلف القطاعات، مؤكدا أن الجهود خلال المرحلة المقبلة ستتركز على ترجمة ما تم الاتفاق عليه إلى خطوات عملية ومشاريع قابلة للتنفيذ.

وشدد شقير على أهمية أن تبادر السلطة اللبنانية إلى تشكيل لجنة رسمية تكون مهمتها متابعة الاتفاقيات والملفات المشتركة مع الجانب السوري، بما يضمن إنجازها بالشكل الذي يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

من جهته، عرض رئيس المجلس خليل العرب أبرز الفرص الاستثمارية المتاحة في سوريا، والتي تشمل قطاعات السياحة، والزراعة، والصناعة، والتجارة، والبنية التحتية، والتعليم، والصحة، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات اللوجستية، وغيرها، استناداً إلى المعطيات التي قدمها المسؤولون السوريون خلال لقاءاتهم مع الوفد اللبناني.

كما استعرض قانون الاستثمار السوري والحوافز التي يوفرها للمستثمرين، إضافة إلى أبرز الجوانب القانونية المتعلقة باستثمارات الأجانب في سوريا، مؤكداً أن المجلس سيتابع كل الملفات التي طرحت، وسيضع أعضاء المجلس ومجتمع الأعمال في لبنان بكل التفاصيل.

أعقب ذلك نقاش موسع بين أعضاء المجلس، جرى خلاله التشديد على ضرورة إزالة المعوقات الإدارية والفنية التي تعرقل حركة التجارة والاستثمار بين لبنان وسوريا، لا سيما عبر تسهيل انتقال رجال الأعمال والمواطنين والبضائع، وتبسيط إجراءات الدخول، وتسهيل إصدار التأشيرات أو التصاريح على المعابر الحدودية، وتحسين حركة الترانزيت، ومعالجة الملفات التجارية والجمركية العالقة.

وفي ختام الاجتماع، تم الاتفاق على إطلاق مجموعة من الخطوات العملية التي سيباشر المجلس بتنفيذها خلال المرحلة المقبلة، بهدف إعطاء زخم جديد للعلاقات الاقتصادية اللبنانية – السورية، وتعزيز التعاون بين القطاع الخاص في البلدين.

لقد مرت العلاقات السورية اللبنانية خلال فترة حكم حافظ الأسد وابنه المخلوع بشار الأسد (1971  - 2024 ) بـ أزمات سياسية وأمنية حرمت اقتصاد البلدين المجاورين من الاستفادة من منافع وعائدات كبيرة. 

والآن بعد سقوط نظام بشار الأسد تسعى دمشق وبيروت لفتح مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين، تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار المتبادل.

وتبدو دمشق وبيروت أكثر رغبة من أي وقت مضى من أجل إعادة صياغة العلاقات اللبنانية – السورية على أساس الندية، ومراجعة الاتفاقات السابقة بين البلدين.

لا سيما أن هناك بعض المجالس مثل المجلس الأعلى السوري اللبناني المنبثق من المادة السادسة من معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية عام 1991، يواجه راهنا انتقادات شديدة من الطرف اللبناني.

إذ يرى كثير من الخبراء اللبنانيين أن هذا المجلس كان يكرّس وضع لبنان كدولة ملحقة "بنظام الأسدين"، وأنه استُغل في تلك السنوات في خدمة مصالح "نظام الأسدين" على حساب سيادة لبنان.

وعقب سقوط الأسد شهدت العلاقات السورية اللبنانية انفتاحا سياسيا تمثل بلقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع رئيس وزراء لبنان السابق نجيب ميقاتي ثم بالرئيس اللبناني الحالي جوزيف عون ورئيس الحكومة الحالي نواف سلام.

إضافة إلى وجود تنسيق متزايد بين دمشق وبيروت لمعالجة ملفات الحدود، ومكافحة التهريب، وتنظيم حركة العبور، إلى جانب بحث فرص التعاون الاقتصادي عبر لجان رسمية.

وأمام ذلك، لا تبدو إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا مجرد مراجعة لاتفاقات تجارية أُبرمت في عهد نظام الأسدين، بل محاولة لإعادة بناء علاقة فرضها الجوار الجغرافي وتشابك المصالح على مدى عقود.

فبين بلدين يتقاسمان حدودا طويلة، وتتداخل بينهما طرق التجارة وحركة السلع والخدمات، يبدو الاقتصاد أحد أبرز المجالات التي قد تدفع باتجاه صياغة علاقة جديدة، أكثر توازنا وبراغماتية، بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا منذ الإطاحة بالأسد في عام 2024.

ويشترك لبنان مع سوريا في حدود طولها 375 كيلومترا من الشمال والشرق، ويعتمد على الطرق البرية السورية لنقل صادراته بالشاحنات إلى الأردن ودول الخليج.

كما استخدم المصدرون السوريون لبنان كممر تصدير رئيس، عقب اندلاع الثورة السورية عام 2011.

وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين سوريا ولبنان في ذروته ما يقل قليلا عن 800 مليون دولار.

"تحقيق التكامل"

وفي هذا الإطار، يؤكد الباحث الاقتصادي رضوان الدبس في حديثه لـ"الاستقلال" أن "الوضع يفرض على سوريا ولبنان أن يكون بينهما ما يمكن أن نسميه المصير المشترك والوحدة المشتركة".

وأضاف الدبس قائلا "سوريا ولبنان، حتى ستينيات القرن الماضي تقريبا، كانا ضمن بنك مركزي واحد، وكانت هناك عملة واحدة، وكانت الليرة اللبنانية والليرة السورية مرتبطتين معا بالمصرف المركزي اللبناني".

وأردف "وبالتالي، فإن الاقتصادين كانا مرتبطين لفترة طويلة، قبل أن ينفصلا عن بعضهما، وهذا الارتباط من المهم أن يأخذ في الحسبان إلى جانب التكامل الجغرافي، خاصة أن لبنان دولة ذات وضع جغرافي خاص إلى حد ما، والمنفذ الرئيس للبنان، كما نرى اليوم، هو المنفذ البري، وهذا المنفذ مع سوريا".

ولفت الدبس إلى أن "المعابر السورية إذا  أُغلقت مع لبنان، فإن لبنان سيُخنق بشكل كبير. فلبنان يحتاج إلى المعابر السورية لإدخال بضائعه إلى العراق، وإلى دول الخليج، وإلى الأردن، وإلى سوريا نفسها، وإذا أراد الوصول إلى تركيا، فإن كل ذلك يجب أن يمر عبر سوريا، وعبر المعابر والطرق السورية".

ورأى الدبس أن "لبنان يحتاج إلى سوريا بصفتها نافذته الرئيسة، خصوصا في ما يتعلق بالتصدير. أما من ناحية البحر، فهناك مسافة بعيدة جدا عن دول الخليج وعن العراق، إضافة إلى إشكاليات التعامل مع إسرائيل، وهذا لا يسمح للمرفأ اللبناني بأن يعمل بشكل طبيعي في كل الظروف".

ومضى يقول: "سوريا اليوم تحتاج إلى لبنان في هذا الجانب، ولبنان يحتاج إلى سوريا في الجانب الآخر. وسوريا تحتاج إلى لبنان في مجال الخدمات المصرفية، وخاصة أن الخدمات المصرفية اللبنانية كانت، إلى حد ما، متقدمة، ولم تتعرض للعقوبات التي تعرضت لها سوريا، ولم تتعرض للمقاطعات التي فرضتها بعض الدول العربية، بل على العكس، ظلت تعمل".

واستدرك "علاوة على أنه في أيام الثورة كانت لبنان هي المتنفس المصرفي للسوريين بشكل عام وبالتالي، فإن تجارة دمشق وقسم من حلب والساحل كانت كلها تعتمد بشكل رئيس على المصارف اللبنانية بصفتها منفذا ماليا رئيسا".

ورأى الدبس "أن سوريا ولبنان يشتركان في الأزمات الاقتصادية حيث إن كلا البلدين يعاني من التضخم وتعرضا للدمار، وكلاهما يحتاج إلى إعادة الإعمار وإعادة الأعمال. وبالتالي، هناك وحدة حال في هذا الموضوع تدعو إلى أن يتوحد البلدان ويتعاونا، حتى يتمكنا معا من تجاوز الأزمة التي يمران بها".

اقتصاد متشابه

يؤكد الخبراء أن إعطاء دفعة قوية لاقتصاد البلدين الجارين يقوم على مراجعة اتفاقيات ومذكرات تفاهم سابقة، في خطوة قد تمهد لاتفاق تجاري ثنائي أوسع، يعيد تنظيم حركة التجارة والنقل والرسوم الجمركية والاستثمار بين البلدين.

وقد أكد وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط لوكالة رويترز منتصف يوليو  2026 أن لبنان وسوريا سيبدآن في الأشهر المقبلة مراجعة اتفاقات تجارية تعود إلى عقود مضت بهدف إحياء علاقاتهما الاقتصادية عقب الإطاحة ببشار الأسد في 2024.

 وقال البساط: "كان من الضروري إعادة ضبط تلك العلاقة الاقتصادية، وهي تنطوي على إمكان أن تصبح أهم علاقة ثنائية لكلا البلدين".

 وذكر البساط أن حجم التجارة بلغ نحو 250 مليون دولار عام 2025. مضيفا أن هذه العلاقة "ينبغي أن تُقاس بالمليارات" بدلا من ذلك.

وفي خطوة أولى، ستراجع لجنة تشكلت في أوائل يوليو 2026  أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم مبرمة مع سوريا في عهد الأسدين، وتغطي أطر الاستثمار وأنظمة التأشيرات والضرائب وجوانب أخرى من التجارة السورية اللبنانية.

وقال البساط: إن المراجعة قد تستغرق عدة أشهر، لكن إبرام اتفاق تجاري أكبر قد يستغرق وقتا أطول.

وأوضح أن مثل هذه الاتفاقية يجب أن تعالج العقبات اللوجستية التي تعترض النقل البري، والتصدي لمسألة الرسوم الجمركية "غير الموحدة". وتابع "يدفع المصدرون اللبنانيون رسوما تصديرية، في حين أن السوريين لا يدفعونها".

وأمام ذلك، ألمح الباحث رضوان الدبس إلى أن "وجود اقتصاد في لبنان مشابه للاقتصاد السوري من ناحية الاعتماد على السياحة والزراعة وعلى الترانزيت والخدمات العلاجية، ولديه صناعات يدوية وصناعات عادية يحتم على هذين البلدين المتجاورين أن يكون بينهما عملية تكامل تعود بالنفع الاقتصادي المطلوب في هذه المرحلة".

وتابع قائلا: "يمكن تجاوز العقبات بين البلدين وفرض تسهيلات كبيرة مثل إصدار قرارات تساعد على توحيد التعريفات الجمركية، وتوحيد القوانين، وتخفيف الأعباء عن التجار بين البلدين، وإنشاء نافذة واحدة مثلا على الحدود وتوحيد الرسوم، وفتح الخدمات المصرفية بين سوريا ولبنان بطريقة أكثر مرونة".

ونوه الدبس إلى أن "ما تحتاجه سوريا ولبنان اليوم هو إرادة سياسية وإدارية عالية، ووضع اتفاقيات ومواثيق وعهود لتنظيم العمل وتنظيم العمليات المالية والسياحية والإدارية والجمركية، والالتزام بها".

وختم بالقول "يجب فتح الحدود أمام مواطني البلدين، والسماح بالعبور للشاحنات من الطرفين، وتنظيم الترانزيت بين الطرفين، وتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير للطرفين".