"فجر اليمن".. هل بدأت مرحلة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي؟

أخذ الانهيار الحوثي في التسارع أمام تقدم قوات الحكومة الشرعية
بالسرعة ذاتها التي شهدتها جبهات المخا وباب المندب، في وقت سابق، انهارت جبهات مديريات تعز أمام تقدم مليشيا أنصار الله (الحوثيين)؛ حيث سقطت المناطق والمواقع والقرى كأوراق الخريف، وصولاً إلى مدينة التربة/الحجرية، جنوبي تعز التي تعد أهم مدنها وآخر معاقلها، وشريانها الرئيس الذي يربطها بمدينتي لحج وعدن جنوباً، ويمدها بأسباب الحياة.
لكن وفي الاتجاه المعاكس، وبصورة دراماتيكية، يحدث الآن الانهيار نفسه في صفوف مليشيا الحوثيين التي كانت حتى الأمس القريب قد فرضت سيطرتها الكاملة، وبسرعة فاجأت الجميع، على مدينة المخا وباب المندب على الساحل الغربي لليمن.
وقد أخذ الانهيار الحوثي في التسارع أمام تقدم قوات الحكومة الشرعية، ممثلة في العمالقة ودرع الوطن والمقاومة الشعبية، إلى حد يصعب معه تتبع التطورات أو الوقوف عند تفاصيلها لرصدها وقراءتها.
وكانت الحكومة اليمنية قد أطلقت عملية عسكرية واسعة، معلنة البدء بتحرير التراب اليمني كافة؛ حيث أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الدكتور رشاد العليمي، الإثنين الخامس من أكتوبر، انطلاق عملية «فجر اليمن» لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء الانقلاب الحوثي.
....................................................
...........................................
....................................
وقال الرئيس العليمي في تدوينة على منصة «إكس»: «على بركة الله، انطلقت عملية "فجر اليمن"، لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب "الميليشيات الحوثية الإرهابية". وأضاف: «بعون الله، وإرادة شعبنا وبسالة قواتنا المسلحة وكافة التشكيلات العسكرية، ودعم أشقائنا وأصدقائنا، سيمضي اليمن نحو فجر جديد من الحرية والسلام والاستقرار».
وفي أقل من 24 ساعة على انطلاق العمليات العسكرية، استطاعت القوات المسلحة الحكومية، بمساعدة أكثر من 100 طائرة من طائرات التحالف العربي السعودي، استعادة مدينة المخا وتحرير باب المندب ومنطقة ذو باب القريبة منه. وتتبع جميع هذه المناطق مدينة تعز، التي لا يزال الحوثيون يطبقون الحصار عليها حتى اللحظة.

السقوط من الداخل
لم يكن سقوط مدينة المخا وباب المندب ابتداءً بفعل قوة مليشيا الحوثيين وضعف قوات الحكومة الشرعية، بقدر ما كان نتيجة تواطؤ من داخل معسكر الشرعية نفسه؛ حيث سُلّمت تلك المناطق لمليشيا الحوثيين دون إطلاق رصاصة واحدة، وسُلّم سلاح الدولة غنيمة للمليشيا، في مشهد يستعيد ما حصل عام 2013 في مدينة الموصل بالعراق، حين جرى تفريغ المدينة وتسليم سلاحها ومقدراتها لما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وسارع الحوثيون من جانبهم إلى استخدام ذلك العتاد العسكري المتطور الذي غنموه في مدينة المخا، وتوجهوا به لإسقاط ما تبقى من مناطق تعز، تلك المدينة التي يفرضون حصارهم الخانق عليها منذ العام 2015.
وكما حصل في المخا وباب المندب من استلام وتسليم للمواقع للمليشيا، حصل الشيء نفسه في العديد من قرى ومناطق ومديريات محافظة تعز، وعبر الطرف نفسه الذي سلّم سلاحه وعتاده من قبل، وعلى طبق من ذهب، لمليشيا الحوثيين.
كان من المستغرب ترك جبهات تعز دون إسناد عسكري بالسلاح والذخيرة، رغم مناشدة رجال المقاومة للجهات الرسمية، وصمودهم الأسطوري بأسلحتهم الشخصية أمام زحف مليشيا الحوثيين.
إلا أن الحسابات السياسية الضيقة داخل معسكر الحكومة الشرعية، وتواطؤ بعض الأطراف عبر خلاياها النائمة، قادا في نهاية المطاف إلى سقوط أغلب جبهات وقرى تعز، في الوقت الذي لا تزال فيه المدينة نفسها تعاني حصاراً شديداً من مليشيا الحوثيين، لكن المقاومة أظهرت أعلى درجات الثبات والصمود.
وبالنسبة لما حدث في مدينة التربة، جنوبي تعز، فقد لعبت الخلايا النائمة دوراً أساسياً في إرباك قوات الحكومة اليمنية؛ إذ خرجت تلك الخلايا بأسلحتها وسط المدينة، معلنة سقوطها ومرددة الصرخة الحوثية، لتوحي بأن المدينة سقطت بقبضة المليشيا.
وبالفعل، كان لتلك الخطوة والشائعات المصاحبة لها أثر بالغ في إضعاف معنويات المقاتلين وسقوط بعض الجبهات. لكن الحقيقة أن أبناء مدينة التربة تصدوا لتلك الخلايا، واستطاعوا التعامل معها والسيطرة عليها، واعتقلوا بعض عناصرها واكتشفوا مخابئ البعض الآخر، وأمّنوا المدينة الإستراتيجية التي لا تزال حتى اللحظة بحوزتهم، رغم استمرار الشائعات بسقوطها.
.................................................
.....................................
.................................
.....................................
على الجانب الآخر، سارع الحوثيون إلى محاولة اختراق التحصينات حول مدينة تعز، في ظل انشغال المقاومة والرأي العام بمدينة التربة التي أشاعوا سقوطها، في محاولة حوثية للدخول إلى قلب مدينة تعز التي استعصت على المليشيا منذ العام 2015.
واشتعلت الاشتباكات حول تعز من الجبهتين الشرقية والغربية؛ إذ تحاول قوات الحوثيين، بحسب المعطيات الميدانية، سباق الزمن لإحكام سيطرتها على المدينة واحتلالها، لتكون بمثابة ورقة تفاوضية مستقبلية مع الحكومة الشرعية.
إلا أن المقاومة لا تزال في أشدها، على الرغم من عدم ورود أنباء، حتى اللحظة، بوصول قوات حكومية لإسناد المدينة المحاصرة التي تمثل قطب الرحى في الصراع اليمني برُمّته.
على أن الخطر الأكبر لا يزال يتربص بتعز، متمثلاً في الخلايا النائمة التي كانت قد وجدت لنفسها موطئ قدم في بعض مناطق المدينة، وسهّلت في وقت سابق وصول بعض عناصر الحوثيين إلى منطقة الصافية داخل المدينة؛ حيث تسللت تلك العناصر عبر باصات النقل، وتمكنت لاحقاً، وفق الرواية الواردة، بمساعدة الخلايا المرتبطة بطرف سياسي معين، من السيطرة على منزل رئيس مجلس النواب اليمني سلطان البركاني، ثم منزل رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في مسقط رأسه بمنطقة الأعلوم بتعز.
وتبقى الخطورة في احتمال تمكن الحوثيين من الاستيلاء على المدينة، في الوقت الذي تكون فيه قوات الحكومة الشرعية منشغلة باستعادة الساحل الغربي وصولاً إلى الحديدة.
وكانت التقارير الواردة قد أفادت بسقوط كل من المخا وذو باب وباب المندب بيد القوات الحكومية، فيما تشير المعطيات المتداولة إلى احتمال امتداد التقدم المتسارع إلى مدن الخوخة وحيس وباجل، وربما وصول القوات إلى مشارف مدينة الحديدة الإستراتيجية، الأكثر أهمية لطرفي الصراع.

فرص الحسم
يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يمتلك الجيش اليمني القدرة على تنفيذ خطة الرئيس العليمي «فجر اليمن» لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب؟ وما حجم بنيته التنظيمية وقدراته التسليحية التي تؤهله لخوض معركة حاسمة مع مليشيا الحوثي؟
تضم القوات الحكومية الجيش النظامي بمناطقه العسكرية السبع، إلى جانب تشكيلات قتالية رئيسة أعيد تنظيمها تحت مظلة الدولة، في مقدمتها ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن، وقوات الطوارئ.
وتعد العمالقة أكبر هذه التشكيلات، إذ يقدر موقع «ديفانس لاين» قوامها بنحو 70 ألف مقاتل موزعين على قرابة 30 لواء ووحدة قتالية، مع انتشار رئيس في الجنوب ولحج وباب المندب وشبوة والضالع وأبين، إضافة إلى وحدات في مأرب والحديدة.
وتأتي درع الوطن بنحو 45 ألف مقاتل في 21 لواء قتالياً، وتنتشر في الجنوب والشرق، مع امتداد عملياتها إلى مأرب والجوف وتعز، وقد حصلت على تسليح ودعم سعودي يشمل المدرعات والأسلحة الثقيلة والمدفعية ومضادات الدروع وراجمات الكاتيوشا والطائرات المسيّرة.
أما قوات الطوارئ، وهي أحدث التشكيلات الرئيسة، فتتكون من ست فرق و22 لواء بنحو 35 ألف مقاتل، وتنتشر بين مأرب وصعدة والجوف وشبوة وحضرموت، مع تجهيزات تشمل المدرعات والعربات القتالية والأسلحة المضادة للدروع والطائرات المسيّرة.
وإلى جانب هذه التشكيلات، يبقى الجيش النظامي الإطار المؤسسي الأوسع للقوات الحكومية، وتتركز قوته أساساً في القوات البرية المنتشرة على سبع مناطق عسكرية، إلى جانب القوات البحرية والدفاع الساحلي والجوي والدفاع الجوي وحرس الحدود والعمليات الخاصة والاحتياط.
وتجمع ترسانته بين الأسلحة الموروثة من مرحلة ما قبل الحرب ومعدات أحدث حصلت عليها التشكيلات المختلفة بدعم سعودي، تشمل الدبابات والمدرعات والمدفعية وراجمات الصواريخ ومضادات الدروع، فضلاً عن الطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع والاتصالات.
وخلال الأشهر الأخيرة، لم يعد الدعم السعودي مقتصراً على التمويل والتسليح التقليدي، بل اتجه بصورة أكبر إلى رفع القدرات في الحركة والاستطلاع والاتصالات والقيادة والسيطرة، إلى جانب الدعم الفني والاستخباري.
ويتزامن ذلك مع عملية إعادة هيكلة واسعة للمنظومة العسكرية الحكومية، تقودها الرياض بالتعاون مع القيادة اليمنية بهدف توحيد مراكز القيادة ودمج التشكيلات المختلفة في منظومة أكثر ترابطاً.
وتشير هذه المعطيات إلى أن القوات الحكومية تمتلك اليوم كتلة قتالية كبيرة ومتنوعة، وقدرات أفضل على خوض عمليات هجومية واسعة مما كانت عليه خلال السنوات السابقة. وقد ظهر ذلك ميدانياً مع انطلاق «فجر اليمن»، حيث تمكنت قوات العمالقة ودرع الوطن، بإسناد التحالف، من تحقيق تقدم سريع والسيطرة على باب المندب وذو باب، فيما استمرت العمليات باتجاه الساحل الغربي.
لكن امتلاك القدرة على تحقيق اختراقات ميدانية كبيرة لا يعني بالضرورة القدرة على حسم الحرب بالكامل. فالمعضلة الأساسية لا تزال في تحويل هذه الكتلة المتعددة التشكيلات إلى قوة موحدة القيادة والسيطرة، قادرة على الحفاظ على زخم الهجوم عبر جبهات واسعة وصولاً إلى صنعاء.
............................................................
....................................
.................................
............................................................
وقد أظهرت الأشهر الماضية أن إعادة تنظيم القوات الحكومية حسّنت قدرتها العملياتية، لكنها لم تُختبر بعد في معركة طويلة وشاملة تستهدف قلب مناطق سيطرة الحوثيين.
وعليه، فإن «فجر اليمن» تملك مقومات النجاح في مرحلتها الأولى، أي استعادة مناطق واسعة وكسر خطوط دفاع الحوثيين وإعادة رسم خريطة السيطرة، لكن الحكم على قدرتها على إنهاء الانقلاب واستعادة صنعاء لا يزال مبكراً.
وسيكون العامل الحاسم هو قدرة القيادة الحكومية والسعودية على الحفاظ على وحدة القوات، واستمرار الإسناد الجوي والاستخباري واللوجستي، وتحويل التفوق العددي والتسليحي إلى قيادة عملياتية موحدة تستطيع إدارة حرب طويلة لا مجرد تحقيق انتصارات سريعة في جبهات الأطراف.
الإمارات.. دور غير مباشر عبر الحلفاء
سحبت الإمارات حضورها العسكري المباشر من اليمن بعد التحولات التي شهدها الجنوب مطلع 2026، من دون أن يعني ذلك زوال شبكات النفوذ والعلاقات التي راكمتها خلال سنوات الحرب.
وفي هذا السياق، تحدثت «شيبا إنتليجنس» عن اتفاق إيراني-إماراتي تتكفل بموجبه أبوظبي بتمويل حملة حوثية للسيطرة على باب المندب مقابل تحييد الهجمات على أراضيها، فيما تحدث تقرير آخر عن تحركات إماراتية في واشنطن للحد من مستوى الدعم العسكري الأمريكي للسعودية.
وتكشف هذه المعطيات عن صراع يتجاوز مسار العمليات العسكرية إلى مآلات الحرب وشكل موازين القوة التي ستنتج عنها، فإضعاف قدرة الرياض على تحقيق حسم سريع، أو إبقاء الحوثيين قوة عسكرية فاعلة، قد يحول دون إعادة بناء المعسكر المناهض لهم تحت قيادة سعودية مركزية، ويمنح أبوظبي مساحة أوسع للحفاظ على نفوذها في الجنوب والساحل وباب المندب.
وتبرز هنا ألوية العمالقة، وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، والقوى الجنوبية المرتبطة بالمجلس الانتقالي، بوصفها أبرز مكونات الشبكة التي بنت الإمارات نفوذها من خلالها.
ومن هذه الزاوية، لا يقتصر الدور الإماراتي المحتمل على التأثير في سير المعارك، بل يمتد إلى التأثير فيمن يسيطر على المناطق المستعادة وكيف يعاد توزيع القوة والقرار داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الجنوب، حيث تمثل القضية الجنوبية مجالاً للحفاظ على الحضور السياسي لحلفاء أبوظبي والتأثير في شكل التسوية المقبلة، رغم انتقال قوى كانت محسوبة عليها إلى ترتيبات أمنية وعسكرية تحت المظلة السعودية منذ مطلع العام.
وقد يؤدي نجاح «فجر اليمن» واستعادة الدولة إلى تقليص إحدى أهم أوراق النفوذ الإماراتي، إذا نجحت الرياض في توحيد القوات ودمج التشكيلات المسلحة والحد من استقلالية القوى ذات المشروع الانفصالي. لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء القضية الجنوبية، بل قد ينقلها من ورقة عسكرية إلى ملف سياسي داخل ترتيبات الدولة المقبلة.
وهنا تتحدد إحدى نتائج الحرب الأهم بالنسبة إلى التنافس السعودي-الإماراتي: إما أن تفضي إعادة بناء الدولة إلى تركيز القوة والقرار في مركز واحد، أو تترك تعدد القوى والنفوذ قائماً بوصفه جزءاً من المعادلة السياسية اليمنية بعد الحرب.
..........................................................
.....................................
...........................................
....................................
................................
............................
السلوك الإماراتي
تعمل الرياض على إعادة ضبط السلوك الإماراتي في اليمن عبر مزيج من الضغط وإعادة ترتيب التفاهمات مع أطراف دولية واقليمية. فواشنطن تقدم للسعودية دعماً استخباراتياً ومساعدة في تحديد الأهداف والتخطيط للعمليات ضد أهداف حوثية، فيما فعّلت الرياض «حلف مكة» للانتقال إلى الردع الجماعي ونشر قدرات عسكرية إضافية على أراضيها، بالتوازي مع إعادة بناء القوات اليمنية تحت قيادة أكثر مركزية.
ويمنح هذا التحول السعودية أدوات ضغط تتجاوز المسار الدبلوماسي، إذ يتيح لها إعادة ترتيب موازين القوة داخل اليمن، ودمج التشكيلات المسلحة تحت قيادتها، وتقليص قدرة القوى المرتبطة بأبوظبي على العمل خارج القرار السعودي.
وفي المسار السياسي، جاءت زيارة نائب رئيس دولة الإمارات منصور بن زايد إلى الرياض في 29 سبتمبر، بدعوة من وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ولقاؤه بمحمد بن سلمان، في أول زيارة إماراتية رفيعة منذ تفاقم الخلاف بين البلدين حول اليمن، لتفتح قناة مباشرة لإعادة تنظيم العلاقة بين الطرفين.
وتجمع هذه التحركات بين الضغط وإبقاء باب التفاهم مفتوحاً، بمعنى تقليص قدرة أبو ظبي على دعم أي مسارات قد تعرقل الحسم العسكري، مقابل استيعاب مصالحها داخل ترتيبات جديدة لا تسمح بقيام نفوذ موازٍ للقرار السعودي في اليمن.
وبذلك، يبدو أن رسالة الرياض إلى أبو ظبي تقوم على أن استمرار النفوذ الإماراتي في اليمن لن يكون على حساب مشروع إعادة توحيد القرار العسكري والسياسي، وأن هامش الحركة أمام أي دعم للحوثيين أو عرقلة للحسم سيصبح أكثر كلفة سياسياً وإستراتيجياً.
...............................................
.................................
.......................................
..................................
سيناريوهات فجر اليمن
تدخل «فجر اليمن» مرحلة مختلفة في مسار الحرب اليمنية، فهي في جوهرها، معركة تخوضها الدولة اليمنية وقواتها المسلحة والتشكيلات العسكرية المنضوية تحتها لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة مليشيا الحوثيين، مع إسناد إقليمي ودولي.
وقد أظهرت الساعات الأولى قدرة القوات الحكومية على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم واستعادة مواقع إستراتيجية في الساحل الغربي وباب المندب والمخا ومناطق أخرى في عدة محافظات، بما يشير إلى أن المعركة دخلت مرحلة فاصلة.
لكن سرعة التقدم الأولي لا تعني بالضرورة حسم الحرب، فالاختبار الأصعب يبدأ مع انتقال العمليات إلى المناطق الأكثر كثافة سكانية وتحصيناً، وفي مقدمتها تعز ومأرب والجوف والبيضاء ثم صنعاء وصعدة والحديدة.
وهنا تبدو ثلاث مسارات رئيسة محتملة: أولها، استمرار التقدم الحكومي وصولاً إلى استعادة معظم المناطق وفقدان الحوثيين قدرتهم على الاحتفاظ بمركز ثقل عسكري وسياسي، بما يفتح الطريق أمام استعادة صنعاء وإنهاء الانقلاب، وهذا متوقف على عدم تخلي السعودية عن حلفائها في منتصف الطريق.
وثانيها، تحقيق القوات الحكومية مكاسب واسعة من دون إسقاط الحوثيين، فتنتقل الحرب إلى تسوية سياسية من موقع قوة جديد للحكومة، لكنها قد تصطدم برفض الحوثيين القاء سلاحهم والتحول إلى حزب سياسي، وهو المرجح، ما سيؤدي إلى اخفاق التسوية والانتقال إلى شكل جديد من الصراع.
وثالثها، تحول العمليات إلى حرب استنزاف طويلة إذا حصل الحوثيون على دعم عسكري غير معلن وإسناد سياسي من بعض الدول الكبرى كروسيا والصين، أو حدث تبدل مفاجأ في الموقف الأميركي، وتمكن الحوثيون من إعادة تنظيم صفوفهم وفتح جبهات مضادة واستثمار قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وفي جميع الأحوال، ستبرز معركة أخرى داخل المعسكر الحكومي نفسه، عنوانها إعادة بناء المؤسسة العسكرية وإنهاء تعدد مراكز القوة. وهنا سيكون مستقبل التشكيلات التي نشأت خلال سنوات الحرب، ومنها المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، مرتبطاً بنتيجة هذه العملية التي من المرجح أن تحدد مستقبل طارق نفسه كلاعب سياسي أو عسكري، أو بدونهما معاً.
وبالتالي، فإن المعيار الحقيقي لنجاح «فجر اليمن» لا يتمثل في حجم المكاسب الميدانية وحسب، وإنما في قدرتها على تحقيق الهدف الذي أُعلنت من أجله وهو استعادة الدولة ومؤسساتها، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وتمكين اليمنيين من استعادة قرارهم الوطني.
وعليه، فإن الرهان الأكبر لـ«فجر اليمن» ليس مجرد تغيير خطوط السيطرة على الخريطة، بل إعادة اليمن إلى اليمنيين، وإنهاء حالة الانقلاب وتعدد السلطات، واستعادة الدولة لقرارها وسيادتها ومؤسساتها. وإذا نجحت العملية في تحقيق ذلك، فإنها لن تكون مجرد جولة عسكرية جديدة في الحرب، بل نقطة تحول في تاريخ اليمن الحديث.
المصادر
- رئيس مجلس القيادة يعلن انطلاق عملية "فجر اليمن" لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء
- إعادة هيكلة الأمن والجيش في اليمن بقيادة السعودية: الاتجاهات والعوامل الرئيسية
- قوات العمالقة الجنوبية.. قدراتها وظروف تشكيلها وطبيعة تنظيمها وخارطة انتشارها
- قوات درع الوطن اليمنية.. قدراتها وظروف تشكيلها وطبيعة تنظيمها
- قوات الطوارئ اليمنية، سياقات نشأتها وهيكلها القيادي، قدراتها وطبيعة تنظيمها
- عملية "فجر اليمن" تشن هجوماً على عدة جبهات مع استعادة القوات الحكومية لباب المندب
- باكستان والسعودية وتركيا تتفق على نشر سريع للقوات في السعودية
- دعم استخباراتي وتخطيط أمريكي لمعركة التحرير التي تقودها اليمن والسعودية
- باب المندب لأمن الإمارات: مصدر يقول إن الإمارات وافقت على تمويل حملة الحوثيين في صفقة مع إيران
- لماذا تخشى أبو ظبي انتصاراً سعودياً حاسماً على الحوثيين؟ تحركات إماراتية في واشنطن لاحتواء الدعم الأمريكي


















